اغلاق
آخر تحديث: 2018/7/10 الساعة 17:17 (مكة المكرمة) الموافق 1439/10/27 هـ

انضم إلينا
ماذا بعد تصنيف "إدمان الألعاب" كمرض عقلي؟

ماذا بعد تصنيف "إدمان الألعاب" كمرض عقلي؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

توصّل المجتمع الصحي الدولي إلى أن تمضية أوقات طويلة بشكل غير طبيعي في لعب ألعاب فيديو مثل "Fortnite" أو "World of Warcraft" قد تكون إشارة على وجود مرض عقلي أطلقوا عليه اسم "اضطراب الألعاب". ولقد صنّفت منظمة الصحة العالمية هذا الاضطراب من ضمن الأمراض السلوكية وأضافته إلى المراجعة الحادية عشرة المقترحة لتصنيفها الإحصائي الدولي للأمراض والمشكلات الصحية ذات الصلة، أو التصنيف الدولي للأمراض - ١١ (ICD-11)، وهو أول تحديث لهذا التصنيف منذ عام ١٩٩٢.

    

لكنك إذا كنت تلعب الكثير من الشطرنج أو ألعاب الطاولة، فلا داعي للقلق، فأنت بخير، وفقا لمنظمة الصحة العالمية، فإن اضطراب الألعاب هو متلازمة رقمية فقط! وتزعم المنظمة أنك إذا كنت تلعب بشكل هوسي على الإنترنت مع أشخاص آخرين، بشكل يؤدي إلى إهمال الأنشطة الأخرى، فهذا قد يكون أحد العوارض. لكن حتى الإدمان على الألعاب التي لا تحتاج إلى إنترنت مثل "Candy Crush" أو حتى "Tetris" هو أيضا عارض محتمل.

     

بشكل عام، يُعرَّف المدمن على أنه اللاعب الذي يقوم باللعب بشكل مفرط على مدى عام كامل، بشكل يؤدي إلى عواقب سلبية عميقة على الحياة الاجتماعية أو العائلية أو المهنية. يصنف التصنيف الدولي للأمراض - ١١ اضطراب الألعاب كاضطراب إدماني في نفس فئة الإدمان على تعاطي المخدرات. ولكن بدلا من استهلاك المواد المخدّرة من قِبل الفرد كأساس هذا الإدمان، فإن أساس اضطراب الألعاب هو السلوك/النشاط الذي يقوم به الفرد. وعندما يتم تبني التصنيف الدولي للأمراض - ١١ في مؤتمر الصحة العالمية في (مايو/أيار) ٢٠١٩، سينضم اضطراب الألعاب إلى اضطراب سلوكي آخر في التصنيف، أي اضطراب ألعاب القمار.

   

 

لكن مهلا، هل يمكن حقا أن يدمن الناس على الألعاب مثل إدمانهم على القمار أو الهيروين؟ وحتى لو كان هذا ممكنا، فلماذا يعتبر اللعب هو الإدمان السلوكي الوحيد المرتبط بالحاسوب؟ ماذا عن الإنترنت أو إدمان الهواتف الذكية؟ ربما القضية ليست في ما إذا كانت الألعاب قد تكون أو لا تكون سببا للاضطراب العقلي، بل تكمن في أن الجمهور نفسه مستعد جدا لقبول فرضية أن السلوكيات السلبية هي نتيجة للعيوب الذهنية الفردية، بدلا من أن تكون نتيجة للعوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الأكثر تعقيدا.

  

في الولايات المتحدة، يعتمد اختصاصيو الرعاية الصحية على التصنيف الدولي للأمراض بفضل تعريفاته الطبية التي تساعد الأطباء على تحديد وتشخيص الحالات. وتستخدم رموز التصنيف الدولي للأمراض لأغراض التأمين أيضا، مما يزيد من احتمال أن يكون مرض أو اضطراب معيّن له رمز تشخيصي مشمولا بالتغطية. وعلى الرغم من أن علماء النفس والأطباء النفسيين في الولايات المتحدة يميلون إلى استشارة الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية، أو "DSM"، حول قضايا الصحة العقلية، فالوضع يختلف على المستوى الدولي حيث إن تشخيصات الصحة العقلية في التصنيف الدولي للأمراض تخدم غرضا شبيها بغرض تصنيفاته الطبية. إذن، إذا تم تبني نموذج "ICD-11"، فإن اضطراب الألعاب سيصبح معتمدا دوليا كحالة صحية معترف بها، مما قد يمهد الطريق لتقديم دعم أفضل لعلاجه، سواء كان هذا العلاج مبررا أم لا.

 

على الرغم من أن الاقتراح الحالي يأتي من منظمة الصحة العالمية، فإن اضطراب الألعاب كان قد ظهر في السابق كحالة "تحتاج إلى مزيد من الدراسة" في الطبعة الخامسة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية، الذي نُشر في عام ٢٠١٣ في الولايات المتحدة. وقد أطلقت جمعية الطب النفسي الأميركية على الحالة اسم اضطراب ألعاب الإنترنت. شبهتها معايير التشخيص المقترحة بحالات الإدمان على الهيروين أو الكحول، حيث اتبعت نفس المقاربة نحو تعاطي المخدرات التي تحدد عوارض مثل الأعراض الانسحابية، وتحمّل الكميات المتزايدة (المترجم/ أي الحاجة إلى كمية أكبر للوصول إلى التأثير نفسه)، والرغبة في التوقف، والتأثير السلبي على أنشطة الحياة الأخرى.

  

 

أدى إدراج اضطراب الألعاب عبر الإنترنت في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات إلى ردّة فعل قلقة لدى مجتمع اللاعبين، الذين اعترضوا على الزعم بأن هوايتهم مدمنة وبالتالي تشكّل خطرا حقيقيا. كما أبدى علماء النفس قلقهم من أن المقارنة بين الألعاب والإدمان على المخدرات غير دقيقة، لأن الألعاب لا تثير ردود فعل جسدية مثل الأعراض الانسحابية، وتحمّل الكميات المتزايدة مثلما تقوم به المخدرات. وقد استخلصت مجموعة العمل التابعة لمنظمة الصحة العالمية التي تقف وراء الإصدار المحتوي على اضطراب الألعاب من التصنيف الدولي للأمراض، استخلصت بعض الدروس من زملائهم في جمعية الطب النفسي الأميركية حول الموضوع. مثلا، قامت بتوسيع نطاق الاضطراب ليشمل الألعاب عبر الإنترنت وتلك التي لا تحتاج إلى الإنترنت أيضا. وقالت إن تشخيص الحالة على أنها اضطراب يتطلّب أن يكون اللعب قد بدأ يأخذ الأسبقية على الاهتمامات والأنشطة اليومية الأخرى في معظم الحالات لمدة ١٢ شهرا أو أكثر، مما يؤدي إلى "اختلال كبير في الحياة الشخصية والعائلية والاجتماعية والتعليمية أو المهنية أو غير ذلك من المجالات المهمة".

  

إن تقييم منظمة الصحة العالمية لاضطراب الألعاب يعتبر أكثر تحفظا من تقييم جمعية الطب النفسي الأميركية، بمعنى أنه لا يقوم بتصوير الألعاب باعتبارها نشاطا خطيرا بشكل جوهري، مثل الإدمان على المواد المُسْكِرة والمخدرة مثلا. وقد اتخذت منظمة الصحة العالمية بعض الخطوات لتوضيح أن اضطراب الألعاب لا يصيب كافة اللاعبين، بل نسبة صغيرة فقط من اللاعبين الذين يُفْرِطون في هذا النشاط ويأخذونه إلى حدوده القصوى. وكما يقول متحدث باسم منظمة الصحة العالمية، "تشعر منظمة الصحة العالمية بالقلق من العواقب الصحية السلبية لأنشطة الألعاب ولكن ليس من أنشطة الألعاب في حد ذاتها".

 

ولكن ماذا عن الإدمان على أجهزة الحاسوب أو الهواتف الذكية أو الإنترنت بشكل عام؟ في السابق، تم تقديم مقترحات لإدراج الإدمان على الإنترنت في النسخة الخامسة من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية. لكن في التعامل مع هذه الحالات، لا يزال هناك اعتماد مماثل على نموذج تعاطي المواد المخدرة في تشخيصها، مع الشكوك المصاحبة حول شرعية تبنّي الأعراض الانسحابية وتحمّل التأثير وغيرها من عوارض الإدمان كمعايير تشخيصية.

  

 

وقالت منظمة الصحة العالمية إنها بدأت في تقييم الآثار المتعلقة بالصحة العامة للاستخدام المفرط للحواسيب والهواتف الذكية والإنترنت منذ عام ٢٠١٤، استجابة لمخاوف الجمهور. لكن على الرغم من هذه المخاوف، فإن اضطراب الألعاب تم تضمينه في مسودة التصنيف الدولي للأمراض - ١١ باعتباره "المتلازمة الوحيدة التي يمكن التعرف عليها سريريا وذات تأثير سريري واضح" من الحالات المرتبطة بالفئة الواسعة للحوسبة والإنترنت.

 

يتساءل بعض الباحثين عما إذا كانت منظمة الصحة العالمية قد تكون قد تعرّضت لضغوط لتصنيف اضطراب الألعاب رسميا. ففي عام ٢٠١٧، قال مقال في دورية علم النفس المهني للبحث والممارسة بأن اثنين من أعضاء المجموعة الاستشارية لمنظمة الصحة العالمية، جيفري ريد وفلاديمير بوزنياك، كانا قد تعرّضا لضغط سياسي لإدراج اضطراب الألعاب، خاصة من قِبل الدول التي شهدت حالات شديدة من الإدمان على الألعاب عبر الإنترنت. ولقد أرسل لنا كريستوفر جي فيرجسون، عالم النفس السريري في جامعة ستيتسون وأحد مؤلفي المقال، عيّنات من رسائل إلكترونية من ريد وبوزنياك. في إحداها، كتب ريد إلى فيرغسون في (أغسطس/آب) ٢٠١٦: "لا تعود المسألة بأكملها لي، ولقد تعرضنا لضغط هائل، خاصة من البلدان الآسيوية، لإدراج هذا (الاضطراب)".

 

لكن منظمة الصحة العالمية تنفي وجود أي إكراه سياسي وراء قرارها. يقول متحدث رسمي باسم المنظمة: "لم يكن هناك أي ضغط أو أي اتصال مع أمانة منظمة الصحة العالمية من قِبل أي حكومة لاقتراح النظر في إدراج اضطراب الألعاب في التصنيف الدولي للأمراض - ١١"، لكنه يقر في الوقت نفسه أن أعضاء في المنظمة حاولوا مرارا جذب الانتباه إلى "مخاوفهم بشأن العواقب الصحية للسلوك المرتبط بالألعاب".

 

ولكن من المنطقي أن تستجيب منظمة الصحة العالمية للضغط من قِبل الدول الأعضاء. إذا كان الإفراط في استخدام الألعاب أو الهواتف الذكية هو مسألة سلوكية، فمن الطبيعي أن يتأثر هذا السلوك بحسب المنطقة والجنسية والثقافة والظروف الاجتماعية الأخرى. فإلى حد ما، فإن جميع الأمراض لديها بناء اجتماعي، فهي يجب الاعتراف بها من قِبل هيئة مثل منظمة الصحة العالمية في إجراء بيروقراطي مثل التصنيف الدولي للأمراض لكي يتم تشخيصها ومعالجتها وإدارتها ودفع كلفتها. ولكن على عكس العدوى الفيروسية أو أمراض المناعة الذاتية، فإن الاضطراب السلوكي هو عرضة بشكل خاص للسياقات الاجتماعية المتنوعة التي يحدث فيها السلوك.

  

قد يحتاج بعض الأشخاص إلى المساعدة للإقلاع عن الاستخدام المُفْرِط للألعاب، والهواتف الذكية، والمواد الإباحية، وأي شيء آخر

غيتي
  

هذه إحدى الحجج المضادة التي يطرحها منتقدو تصنيف اضطراب الألعاب في كثير من الأحيان. فماذا عن الأشخاص الذين يُفْرِطون في الرقص، أو يمضون ساعات على إنستغرام، أو حتى أولئك الذين يقرؤون الروايات -مصدر الذعر الأخلاقي الأساس في القرن الثامن عشر- أو يشاهدون كرة القدم على حساب حياتهم الاجتماعية والمهنية؟ إذا كان الغرض من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية أو التصنيف الدولي للأمراض هو مساعدة الناس، وإذا كانت نسبة قليلة جدا من اللاعبين (أو الراقصين، أو مستخدمي إنستغرام، أو القرّاء، أو مشجعي كرة القدم) ينتهي بهم المطاف بالإدمان والانخراط المرضي في هذه الأنشطة، وإذا كان ما هو مرضي في المقام الأول هو مسألة ذاتية غير موضوعية، فلماذا لا نحدّد اضطرابا سلوكيا أوسع نطاقا يمكن أن ينطبق على أي شيء، دون تحيز ضد الألعاب مثلا؟

 

عندما قمنا بطرح السؤال على كريستوفر فيرغسون، وافق مع القول بأن الهيئات القياسية التشخيصية تتبع نهجا انتقائيا حول الظواهر التي يجب الاهتمام بها. يقول فيرغسون: "لو كانت منظمة الصحة العالمية موجودة قبل نحو ١٠٠ عام، لربما كنا نتحدث عن الإدمان على الهاتف بدلا من ذلك". ثم يضيف: "عندما يتبنى المجتمع التكنولوجيا بسرعة، فهذا يجعل الناس تقلق. وتظهر سردية تقول إننا نُفْرِط في استخدامها. كان الناس يشعرون بالقلق من أن الهاتف سيغير سلوك الناس -حيث سوف تقل كتابة الرسائل، على سبيل المثال- وكانوا على حق! لقد تغيرت الثقافة! لكن في ذلك الوقت أو الآن، هذا لا يعني أن الأشخاص الذين يتابعون هذه الأنشطة هم بالضرورة مرضى".

 

قد يحتاج بعض الأشخاص إلى المساعدة للإقلاع عن الاستخدام المُفْرِط للألعاب، والهواتف الذكية، والمواد الإباحية، وأي شيء آخر، بما في ذلك الاقتناء المفرط للقطط! وحتى أولئك الذين لا ينخرطون في سلوك متطرف قد يندمون على الوقت الذي يقضونه في هذه الأنشطة ويتساءلون كيف سارت الأمور على هذا النحو. لكن فيرغسون يعبّر عن قلقه إزاء ما قد يحدث عندما يتم إدخال مقاربات الصحة العقلية لمعالجة السلوك العادي. "يجب أن يحصر علماء النفس السريري عملهم بمعالجة أولئك الذين يؤثر سلوكهم حقا على حياتهم أو حياة الآخرين"، يقول قبل أن يضيف: "إن أقلية صغيرة من الأفراد -واحد في المئة أو أقل- تستخدم التكنولوجيا لدرجة مفرطة تأثر على سلوكها. لكن في معظم الحالات، ربما لا يجب على علماء النفس التدخل".

  

 

إن مجرد أن يقوم الناس بالانخراط في نشاط لأطول مما قد يعجبهم، لا يعني أنهم "مدمنون". فلمدة طويلة، كان مصطلح الإدمان يشير فقط إلى المواد مثل المخدرات والكحول والتبغ. ولكن مع انتشار الوعي والقلق بشأن اضطرابات الصحة العقلية، أصبح كل من الأطباء وعامة الناس أكثر استعدادا لربط مصطلح "الإدمان" بالسلوكيات القهرية بجميع أنواعها.

 

ويعرب بعض منتقدي اضطراب الألعاب، بما في ذلك فيرغسون، عن قلقهم من أن اللعب بشكل غير صحي قد لا يكون سوى عارض من أعراض حالات أخرى أكثر خطورة، مثل الاكتئاب أو القلق أو اضطراب طيف التوحد. "إذا كان هؤلاء الأشخاص مصابين بأمراض عقلية حقيقية"، كما يقول فيرغسون، فـ "لماذا نحتاج إلى (اختراع) هذا المرض؟"، وحتى إذا أدى اعتماده في التصنيف الدولي للأمراض إلى زيادة انتشار وتأثير الاهتمام الطبي باضطراب الألعاب، فما الأمر الجيد في تقليل الانخراط في اللعب لدى الشخص المتأثر إذا لم يحظ الاكتئاب الذي قد يكون وراء هذا بالاهتمام؟ كما يتساءل آخرون ما إذا كانت الألعاب قد تساعد بالفعل في التخفيف من حدة الاكتئاب في بعض الحالات في حين يتقبل البعض وجود اضطراب الألعاب لكنهم يحرصون على إجراء المزيد من الدراسات، يجب القول هنا إن صعوبة تكرار النتائج في إطار العلوم السلوكية يمكن أن يقوض الأمل في الحصول على المزيد من الوضوح من خلال البحث.

 

إن فكرة اعتبار سلوكيات معينة أمراضا عقلية هو أمر جذاب، فهذا يمنح الفرد -أو الأهل أو أي طرف معنيّ آخر- بعض السيطرة عليها. كما أن التشخيص يقدّم فكرة ما عن ما يحدث، وبالتالي يقدم إجابة، ومسارا ممكنا إلى "العلاج" أيضا. ففكرة أنه هناك "إدمان" على الهواتف الذكية أو "اضطراب" وراء لعب الألعاب يعني أيضا أنه قد توجد هناك طريقة للإفلات من قبضة تلك الأنشطة.

   

 

ولكن ليست كل السلوكيات الاجتماعية تخضع بالكامل للسيطرة النفسية الفردية، وليست كل أنواع السلوك القهري هي خيارات فردية تطورت إلى هوس مرضي. كما أنه لا يمكن اختزالها فقط باضطرابات عقلية مثل تلك التي يستشهد بها فيرغسون وآخرون على أنها الأسباب "الحقيقية" للعب المُفْرِط.

  

فمن المفهوم أن ننظر إلى مراهق يلعب لعبة "Fortnite" كل ليلة ونقول: "أتمنى لو كان خارج المنزل يلعب كرة القدم". ومن الملائم أن نتخيل أن التشخيص والعلاج قد "يشفي" هذا المرض. لكن هناك عوامل أخرى إلى جانب فشل التحكم بالإرادة لدى المراهق. فالحياة المنظمة للغاية لشباب اليوم، على سبيل المثال، تجعل اللعب إلى وقت متأخر من الليل ملاذا من الإجهاد. وهناك مسألة عدم توافر وصيانة المساحات الخضراء العامة القريبة حيث يمكنهم اللعب، كما أن الإغلاق المتزايد للمدارس يؤدي إلى إجبار الأطفال على التنقل لمسافات طويلة للوصول إليها، وبالتالي يجعل من الصعب عليهم الانخراط في أنشطة ما بعد المدرسة، وهذه عيّنة فقط من العوامل التي تفاقم من المشكلة.

 

لا يقتصر الأمر على الألعاب، فالعديد من العوامل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية تجذب الناس إلى الاستخدام المتكرر، حتى دون وجود حالات عقلية كامنة وراءه. هناك اقتصاد بأكمله قائم على جذب الاهتمام مثل جذب مستخدمي ألعاب مثل "Candy Crush" وتطبيقات مثل "Facebook" إلى حلقة الاستخدام المتكرر والقهري. وهناك نماذج الأعمال التي تعتمد على نسبة صغيرة من العملاء الذين ينفقون المال على الإضافات والترقيات والاشتراكات لتمويل الاستخدام المجاني للبقية. حتى صناديق المكافآت في الألعاب هي في شكل يشبه ألعاب القمار مما يعزز الإدمان. وهناك الشبكات الإعلانية التي تعتمد على الاستخدام اليومي لإنتاج "التفاعل"، فيما تأتي أرباح سمسرة البيانات من استخراج المعلومات من هذا الاستخدام وبيعها.

   

  

بعبارة أخرى، إذا كانت صناعات الألعاب والتكنولوجيا تفكر بالفعل في الأشخاص باعتبارهم "أهدافا" مستعدين لإنفاق كميات هائلة من الوقت والمال والبيانات في منصاتهم، فإن إضفاء اضطرابات صحية عقلية جديدة على هؤلاء الأشخاص ليس مصدرا للاطمئنان.

 

فلننسَ الاختيار بين اضطراب الألعاب واضطراب الهواتف الذكية. بدلا من ذلك، ربما يكون من المفيد التفكير في الإدمان عليهما، على الأقل جزئيا، كمدخل للمطالبة بحقوق أفضل للمستهلك وحماية أفضل له وليس اجتراح المزيد من الاضطرابات النفسية. المشكلة هنا أن مساوئ الاقتصاد الحديث الاجتماعية ليست مثيرة للاهتمام لدى الناس والمعنيين بنفس قدر الاضطرابات العقلية. والقول إن الألعاب (أو التكنولوجيا، أو العمل، أو ما خلافه) لديها مساوئ شديدة بسبب المعاملات فيها ليس مثيرا مثل القول إن الألعاب سوف تضر وتؤذي بأطفالك لأنهم مدمنون. "إن كلمة المرض العقلي مخيفة أكثر من كلمة حماية المستهلك"، يقول فيرغسون، "لكن الناس يهتمون فقط بما هو مخيف".

----------------------

ترجمة: (كريم طرابلسي)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار