انضم إلينا
اغلاق
عالم من الكذب.. كيف أصبح الدفاع عن الحقيقة معقدا؟

عالم من الكذب.. كيف أصبح الدفاع عن الحقيقة معقدا؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

 

"الحقائق سلبية، الحقائق متشائمة، الحقائق غير وطنية"

 (مايكل ديكون – محرر في التلجراف)

     

ما الذي كنّا نظنه عن عالم ما بعد عام 2000؟ في التسعينيات من القرن الفائت بدأ الإنترنت في الانتشار بشكل متسارع، كنّا -وقتها- متشوقين لعالم يدخل فيه الإنترنت لكل منزل، كنّا في انتظار كل هذا الكم الهائل من المعلومات عن أي شيء وكل شيء، ونتيجة لذلك حلمنا بعالم أكثر معرفة، أكثر اقترابا للعلم، للحقائق، وتصوّرنا أنه، عبر تشارك تلك الحقائق فيما بيننا، ضمن هذه الشبكة المعرفية الواسعة، سنتمكن، كبشر، كوحدة واحدة، أو كقبيلة ذات ذكاء جمعي واحد، من أن نصبح أكثر تطورا، أكثر قدرة على مواجهة مشكلاتنا في هذا العالم، وأكثر اقترابا من بعضنا بعضا، لكن يبدو أننا كنّا على موعد مع شيء آخر مختلف لم نتوقع قدومه أبدا!

  

قبل عدة أشهر، قرر ثلاثة من الباحثين الشباب بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) البحث1 خلف درجات عمق انتشار الأخبار الكاذبة عبر الإنترنت، وكانت الفكرة الخاصة بتجربتهم بسيطة، سوف نجمع 126 ألف خبر من موقع تويتر، في الفترة التي تقع بين انطلاقه، في عام 2006، وعام 2017، تلك المجموعة الضخمة من الأخبار تشاركها ما يقترب من 3 ملايين فرد، لأكثر من 4.5 مليون مرة، بعد ذلك قام الباحثون الثلاثة بفحص مدى صحة تلك الأخبار عبر مجموعة من المنصات المختصة بذلك، بحيث يكون الاتفاق بنسبة 95% بين تلك المنصات على صحة خبر ما مؤشرا على صحته، ثم من هنا نبدأ في فحص درجات انتشار الأخبار الكاذبة (Fake News) في مقابل الصادقة منها.

 

معهد ماساتشوسيتس (مواقع التواصل)

  

الكذب كهوية وانتماء!

جاءت نتائج تلك الدراسة، التي نُشرت2 في مارس/آذار الماضي بالدورية الشهيرة "ساينس" (Science)، لتقول إن انتشار الأخبار الكاذبة كان واضحا بفارق مهول، بل إن معدل انتشار الخبر الطبيعي كان فقط 1000 مرة، بينما وصلت معدلات انتشار الأخبار الكاذبة إلى 10 آلاف مرة، وكان انتشار الأخبار الكاذبة كذلك أسرع، وأعمق، وأوسع نطاقا من الأخبار الحقيقية في جميع فئات المعلومات، لكن التأثيرات كانت أكثر وضوحا بالنسبة إلى الأخبار السياسية الكاذبة من تلك التي تتحدث عن الإرهاب والكوارث الطبيعية والأساطير العلمية أو المعلومات المالية.

 

لكنّ الأكثر لفتا للانتباه3 في هذه الدراسة هو نقطتان، الأولى هي أنه أصبح من المؤكد لنا أن ذلك لا يحدث فقط عبر التطبيقات الآلية التي ربما تستخدم لأغراض سياسية، ولكن مع حذف نسب مشاركة التطبيقات للأخبار الكاذبة، ظلت نسب الأشخاص العاديين تخبر بالنتيجة نفسها التي تقول إن الأخبار الكاذبة أكثر رواجا من الأخبار الحقيقية، وأن الناس كانوا أكثر ميلا إلى مشاركة القصص الزائفة، أضف إلى ذلك، الملاحظة الثانية، أن انتشار تلك الأخبار لم يحدث بشكل رئيسي عبر أشخاص مشهورين لديهم عدد متابعين ضخم، لكن الأكثر نشرا للأخبار الكاذبة كانوا مجموعات ضخمة من الناس ممن لديهم عدد متابعين قليل جدا، ويتابعون بدورهم عددا قليلا من الناس.

  

في تلك النقطة يتدخل جاي4 فان بافيل (Jay Van Bavel) من جامعة نيويورك ليقول، في مقال بحثي نُشر قبل فترة قصيرة بدورية "Trends in Cognitive Sciences"، إن الأمر ربما أعقد وأكثر عمقا مما نتصور، لأنه لا يرتبط فقط بجهل المواطن العادي -الذي يروج لتلك الأخبار- بالحقائق، أو بقدرة الأخبار الكاذبة على أن تكون أكثر إبهارا أو غرابة من الأخبار العادية المملة (وهو ما يلفت الانتباه دائما حيث لا يوجد شيء يسمى دعاية سيئة)، لكنه يتخطّى ذلك كله ليتعامل بشكل مباشر مع هويّاتنا، ما نظن أنه نحن، ما ننتمي إليه من قناعات.

  

فان بافيل (Jay Van Bavel)

  

تسمى تلك الفكرة بنموذج القناعات القائمة على الهوية (identity-based model of belief)، ويعني، ببساطة، أنه حينما نتعرض لمجموعة من الأفكار عن أحد الموضوعات التي نهتم لها، عبر فيسبوك، تويتر، أو التلفاز، فإننا نعطي تقييما لها جميعا، بعد ذلك نبدأ بمقارنتها معا لاستخراج الأفكار صاحبة التقييم الأفضل، لكن في بعض الأحيان يحدث أن نرجح كفة الانتماء على حساب الدقة، فالإنسان كائن اجتماعي، يُعدّ الانتماء إلى مجموعة إحدى أقوى غرائزه بجانب الرغبة الجنسية والجوع، حيث يساعدنا انتماؤنا إلى توجه سياسي ما على تعريف هويّاتنا، ما نحن عليه، ويعزز إحساسنا بذواتنا، وهو ما يمكن أن يكون أكثر أهمية بالنسبة إلينا من الدقة في مسألة ما، حتى إذا كانت الدقة أمرا يهمنا في العادة. هنا، سوف نميل إلى تصديق الأفكار التي تتماشى مع آراء حزبنا، مهما كانت غير معقولة.

  

رد الفعل العكسي

وبمد الخطوط على استقامتها سوف يشير ذلك إلى أن جودة الخبر المعروض أمامك لا تعني بالضرورة أنك سوف تصدقه، مهما كان مدعوما بالحقائق أو من مصدر موثوق منه، ذلك لأنك قد تميل إلى الانتماء الخاص بك على حساب الدقة، في تلك النقطة يتدخل بريندان نيهان (5Brendan Nyhan) من كلية دارتموث، في الولايات المتحدة، ورفيقه جيسون ريفلير (Jason Reifler)، من خلال مجموعة من الدراسات التي امتدت طوال نحو عشر سنوات، ليقولا إن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك، فحينما -مثلا- نعرض خبرا كاذبا على مجموعة من المواطنين الأميركيين يتضمن ادعاء بأن الولايات المتحدة قد وجدت أسلحة دمار شامل في العراق، سوف نواجه نتائج غير متوقعة.

 

بالطبع سوف يحدث انقسام بين الناس، ستقول مجموعة منهم إن هذا صحيح، ومجموعة أخرى ستقول إن ذلك غير صحيح، وبالطبع حينما نعرض على المجموعة الأولى من الخاضعين للتجربة سلسلة من الحقائق سوف يرفضونها بشدة، ذلك مُتوقع أيضا، لكن الغريب هو أن هؤلاء المتحيزين لوجود أسلحة دمار شامل بالعراق، مثلا، بعد عرض الحقائق عليهم، كانوا أكثر تمسكا بأفكارهم عن ذي قبل، بمعنى أن مواجهة الناس بالحقائق قد لا تقنعهم بالعدول عن آرائهم، بل على العكس تماما، قد تجعلهم أكثرا تمسكا بها.

  

يسمي نيهان ورفاقه تلك الفكرة بـ "تأثير رد الفعل العكسي" (6Backfire Effect)، وهو تحيز إدراكي يقول إن مواجهة الناس بالحقائق المثبتة التي تنفي قناعاتهم تجعلهم أكثر تمسكا بتلك القناعات، كرد فعل عكسي، وهو بذلك نوع من أنواع التحيز التأكيدي، حيث يميل الواحد منّا إلى البحث عن، وتفسير، وتذكُّر المعلومات بطريقة تتوافق فقط مع قناعاته السابقة، بينما، في المقابل، لا يعطي انتباها مماثلا للحقائق أو الدلائل التي تقف على النقيض من قناعاته.

    

    

وقد رُصد تأثير رد الفعل العكسي في عدة تجارب، فمثلا كان الأشخاص المؤيدون لمرشح انتخابي7 ما أكثر تأييدا له وثقة فيه حينما تم تعريفهم بحقائق سلبيه عنه، كذلك كان الآباء8 الرافضون لحقن أطفالهم باللقاحات أكثر رفضا بعد أن قام مجموعة من الأطباء بعرض بيانات علمية تُثبت خطأ تلك الفكرة أمامهم، وانضم إلى ذلك تجارب9 تضمنت آراء الجمهور في قوانين الضرائب، أبحاث الخلايا الجذعية، قوانين الزواج والطلاق والإجهاض، إلخ، في كل مرة كان الخاضع للتجربة أكثر ميلا إلى تصديق المجموعة من التوجهات السياسية والاقتصادية التي ينتمي إليها بعد عرض مجموعة من الحقائق أمامه.

   

عصر ما بعد الحقائق

لكن على الرغم من ذلك، فإن تأثير رد الفعل العكسي يكون أكثر وضوحا في حالات الاستقطاب السياسي الشديدة، أثناء الانتخابات على سبيل المثال (كانت تركيا، مثلا، خلال الأسبوع الفائت في الانتخابات، هي أكثر10 الدول في العالم التي عبّر سكانها عن تعرضهم لأخبار زائفة)، أو الحروب، أو الجدل السياسي الشديد كما في الدول العربية حاليا، أما في الحالات اليومية العادية، وفي الأجواء المستقرة، فإن تقديم المعلومات بطريقة مبسطة، غير مكثفة أو مُهاجمة، أو تقديمها على أنها تمثل "إجماع الوسط العلمي"11، في قضية ما تتعلق بذلك، كقضايا المناخ مثلا، قد أثبت قدرة على تغيير آراء الناس بدرجة ما.

  

لذلك، وفي مقال بعنوان12 "كيف تقنع شخصا ما إن فشلت الحقائق؟"، يشير مايكل شريمر إلى أن أفضل طريقة للتعامل مع العقليات التي لا تصدق الحقائق هي أن تبدأ باحترام آرائهم، لا تهاجمهم أو تُدخل المشاعر إلى الحوار بأي شكل، كذلك تحتاج أن تستمع بانتباه للطرف الآخر مهما كانت حججه غير علمية، ثم عبّر عن تفهّمك لرأيه ولقناعاته وعن احترامك لها، كذلك وضّح له بهدوء أن تغير الحقائق لا يغير من وجهة نظره عن العالم، وأن ذلك لا يمس معتقداته بصورة أو بأخرى. هنا قد تحقق بعض النتائج.

 

لكن هذا قد ينجح بشكل شخصي، حينما تحاول إقناع صديق، أو قريب، أو شخص التقيته للتو في سيارة الأُجرة، بأن الأرض ليست مسطحة، أو أن التحيز لادعاء الحكومة في قضية ما لن يفيد، أما ما تفعله الإدارات السياسية على مستوى العالم حاليا، وباستخدام الانتشار المتزايد للإنترنت، فهو كارثة بكل المقاييس، حيث أصبحت الأخبار الكاذبة جزءا رئيسا من المعارك السياسية المعاصرة، ما دفع بنا إلى عالم سياسي جديد مختلف تماما، نسميه عالم سياسات ما بعد الحقيقة (Post-truth politics).

   

    

وكان هذا الاصطلاح قد استُخدم للمرة الأولى من قِبل الصحفي الأميركي ستيف تشيس في مجلة "ذا نايشن" (The nation)، في عام 1992، حينما كتب13 في مقالة يتحدث فيها عن بعض الفضائح السياسية الأميركية كـ ووتر جيت، وكونترا-إيران، ومستقبل السياسات الأميركية بعدها: "أما نحن، وكشعب حر، فقد قررنا بكل حرية أننا نريد أن نعيش في عالم ما بعد الحقيقة"، بعدها لاقى هذا الاصطلاح رواجا في الأوساط الصحفية، ثم الأكاديمية، حتى نصل إلى عام 2016، حينما اختار قاموس أوكسفورد ذلك الاصطلاح (Post-truth)، ليصبح كلمة العام14، لأنه كان الأكثر رواجا وتسببا للجدل، خاصة بعد صعود دونالد ترمب إلى السلطة والتغيير الجذري الذي أحدثه في الخطاب السياسي.

  

هل هذا هو العالم الذي تمنيناه؟

سياسات ما بعد الحقيقة15 هي -ببساطة- توجه يعتمد على أن يكون التفاعل في النقاش السياسي قائما على الانفعالات الفردية واللعب على وتر الغرائز، والمشاعر، والمعتقدات الخاصة بالأفراد، بغض النظر عن التفاصيل السياسية أو الوقائع أو الحقائق، بالتالي يمكن أن يلجأ رجال السياسة، أو الوسائل الإعلامية التي تدعم حزبا أو جهة ما، إلى الأكاذيب أو التضليل المتعمد والمستمر لدعم تلك التوجهات السياسية التي ينتمون إليها، هنا -في تلك الأجواء المشحونة عاطفيا- أصبحت الحقائق الموضوعية أقل تاثيرا في الرأي العام، أصبحت الحقيقة، بعد أن كانت يوما ما العملة الرائجة الأساسية في عالم السياسة، هي العملة الأقل قيمة على الإطلاق، في تلك النقطة دعنا نتوقف قليلا للتساؤل.

  

هل هذا هوا ما تمنيناه حينما جاء الإنترنت؟ هل توقعنا أيا من تلك النتائج؟ لقد أكمل وجود الإنترنت في العالم مثلثا غاية في النشاط والتفاعل بين أطرافه، لم نكن لنتصور وجوده، يجمع ما بين الأخبار الكاذبة (تلك التي لم تعد صفة طارئة على عالمنا المعاصر، بل أصبحت جزءا جوهريا من تركيبه السياسي، وبالتالي، الاجتماعي)، والقدرة المهولة على التواصل والانتشار عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وغرائزنا النفسية (تلك التي تتحكم فينا بصورة أكبر أثناء الاستقطاب السياسي، فتسقط الحقائق من أحاديثنا بكل سهولة).

    

    

لقد أصبحت تلك الكلمة، "ما بعد الحقيقة" (Post-truth)، بالنسبة إلى البعض، أكبر من مجرد ثقافة سياسية، لقد أصبحت ممثلة رسمية عن العصر الذي نعيش فيه، عصر ما بعد الحقيقة، حيث يمارس الناس الكذب والخداع والتضليل في كل شيء تقريبا، وكأنها عادة يومية، أو أسلوب حياة، في تلك الحالة من الفوضى لا تكون لدينا أي مرجعية سوى القدرة على رفع الصوت، أو شحذ المشاعر، إلى أقصاها، فقط للانتصار في المعارك الشخصية، وكأن الحياة قد أصبحت -بالأساس- مجموعة من المعارك. هنا، في تلك الأجواء الضبابية، تُفقد الطرق، وتتهاوى الحقائق الموضوعية بنفخة، ولا يتبقى لنا سوى ظلام الـ "ما بعد".

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار