اغلاق
آخر تحديث: 2018/7/6 الساعة 13:14 (مكة المكرمة) الموافق 1439/10/23 هـ

انضم إلينا
كيف نضحك للحياة بدل الاستسلام للاكتئاب؟

كيف نضحك للحياة بدل الاستسلام للاكتئاب؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

اضغط للاستماع

 


"هنالك مزحة قديمة حول عجوزين تزوران مطعما، تقول الأولى: "يا إلهي! كم أن الطعام في هذا المكان رديء!، لترد عليها الأخرى: "أعلم تماما، والكميات، كم هي ضئيلة أيضا!"

    

"هذا بالضبط ما أحس به حيال الحياة، مليئة بالوحدة والبؤس والمعاناة والتعاسة، وفوق كل هذا تنتهي أسرع مما نتخيل"

-(وودي آلان، من فيلم "آني هول")

    

تواجهنا الحياة أكثر الوقت بما لا نحب، تأخذ أمانينا وأحلامنا إلى منعطفات أخرى وتصنع منها شيئا مختلفا كثيرا عمّا أردنا، تُلقي في وجهنا من آن إلى آخر بمصائب وشرور أقسى مما ظننا أننا نستطيع أن نتحمل، وفوق كل هذا، تسوقنا جميعا إلى نهاية واحدة لا راد لها ولا مانع.

      

لو فكرت طويلا بالأمر، ستجد أنه هكذا هي الحياة، ثقل طويل يتبعه موت سريع. وإن كنت من أولئك الذين رمتهم الحياة في غيابات الكآبة، فقد تفقد مع كل هذا رغبتك في العيش. قد تتساءل: وما الجدوى من الاستيقاظ حتى والكل إلى زوال؟ وعندما يُلقي القدر في وجهك بالصعاب، فغالبا ما ستصبح الإجابة هي: "لا جدوى". وهكذا، فقد تستلم تماما لكآبتك وتنزوي بعيدا عن الحياة.

    

لا شيء من الأقدار بيدنا -نحن البشر الفانون- تغييره. ما نستطيع تغييره هو منظورنا للحياة، فكما كتب الفيلسوف والتر كاوفمان يقول: "لا فارق في الجوهر بين التراجيديا والكوميديا، الفارق الوحيد يعتمد كليا على وجهة النظر".(1) فربما لو غيرت منظورك قليلا، ونظرت إلى الحياة من زاوية أكثر رحابة، ستتخفف من أعباء الوجود الجاد الثقيلة، وتمضي في الحياة بخفة؛ وهذا بالضبط ما تساعدنا عليه الفكاهة.

           

   

ترياق الفكاهة

"أعتقد أنني أعرف لماذا وحده الإنسان هو من يضحك؛ لا أحد غيره يعاني مثلما يعاني هو، لذا، فقد كان عليه اختراع الضحك. أتعس الكائنات وأكثرها كآبة هو أيضا أكثرها مَرحا"

-(فريدريتش نيتشه)

        

يكمن سبب شقائنا الأساسي في الحياة داخل الهوة العميقة التي تفصل ما هو كائن عمّا كنا نتمنى أن يكون، التوقعات عن الأمر الواقع. فلا شيء في هذه الحياة كامل تماما، وفي القلب من كل أمر يوجد منغصات. تسري تلك الهوة من أكثر الأمور تعقيدا وحتى أبسطها: فالوجود نعمة رُزقنا بها لكنها لم تتم بالخلود، والحياة الآمنة المُطمئنة موجودة بالفعل لكنها دائما مُهددة بالكوارث والشرور، وقس على ذلك كل أمانينا الأرضية التي يُتمها القدر بغير ما أردنا.

      

وبما أننا كائنات تهوى الكمال، تصيبنا تلك الهوة بالضيق وعدم الراحة. نريد دائما لكل شيء أن يكون على أكمل وجه، وأن يتم في أفضل صورة، لكننا أكثر عجزا من أن نقدر على فعل أي من هذا. فماذا لو توقفنا عن محاولات رتق تلك الهوة؟ ماذا لو نظرنا إليها بأعين جديدة متخففة من كل ثقل؟ (2)

      

تُطلق الفلسفة على تلك الهوة اسم "التعارض"، وهذا التعارض نفسه هو المادة الخام للفُكاهة(3). فوفقا لأرسطو في كتابه "الخطابة"، يضحك المُتلقي من دُعابة ما عندما يبني سارد الداعبة للمُتلقي توقعات معينة، ثم فجأة، تأخذ الدعابة منعطفا آخر تماما(4)؛ أي بالضبط ما تفعله معنا الحياة، ويقول المؤرخ الروماني شيشرو أيضا: "أكثر أنواع النكات شيوعا هي تلك التي نتوقع فيها شيئا ثم يُقال آخر، وهنا، فإن توقعاتنا الخائبة هي ما تجعلنا نضحك".(5)

        

    

لهذا، يقترح الباحث "جون مارمسيز" في كتابه "الفكاهة كرد على العدمية" أن نواجه الحياة بالطريقة نفسها التي نواجه بها الدعابات، بابتسامة مَرحة وعقل ينظر حوله مُتفكرا، يقول مارمسيز: "الموقف الفُكاهي هو تلك الخاصية المقتصرة علينا نحن البشر والتي تُمكننا من تفسير التعارض بطريقة يغلب عليها التسلية الممتعة بدلا من القلق المؤلم". (6)

    

ففي الواقع الفعلي، تخلق الهوة الواقعة ما بين توقعاتنا وبين الأمر الواقع نوعا من التُوتر، أما في حالة الفكاهة، يتبخر ذلك التوتر بعيدا ويعيد تشكيل نفسه على هيئة ضحكة. فعالم الفكاهة هو ذاك الذي تتكسر فيه قواعد السببية المعتادة، وندخل في حيّز مختلف لا يحكمه المنطق بالضرورة.(7) وذلك أيضا قريب الشبه بالحياة، فهي مُعقَّدة بشكل يجعل الواقع كثيرا ما ينحرف عمّا ظننا أنه النتيجة المنطقية للأشياء.

 

لا تعني الفُكاهة هنا مجرد نِكات مُضحكة يلقيها أحدهم فنبتسم ونمضي إلى حال سبيلنا، بل موقف متكامل تجاه الحياة عندما يتخذه المرء يكون على استعداد أن ينزع هالات الجدية الثقيلة عن كل شيء ويراه كمّا هو حقا: مجرد موقف آخر وسيَمُر نستطيع بدلا من تحويله إلى مأساة أن نضحك عليه ومعه على أنفسنا أيضا.

 

فكلما كبرنا أكثر وأكثر، بدت همومنا عندما كنا في سن أصغر مجرد أشياء بسيطة لا تستدعي كل الحزن الذي حزناه ولا كل الألم الذي شعرنا به، فكلما ابتعدنا وزادت المسافة بينا وبين ما مررنا به -مسافة يخلقها في تلك الحالة الزمن- تزيد قدرتنا على الحكم على الأمور بشكل موضوعي، أكثر تجردا من المشاعر الفياضة، وأقرب إلى الصواب. تلك المسافة نفسها تستطيع أن تخلقها الفُكاهة.

      

  

فوفقا للباحث جون موريال، نحن لا نستطيع أن نفكر في أمر ما بشكل فُكاهي في الوقت نفسه الذي نُكنّ فيه مشاعر ثقيلة تجاه هذا الشيء. فغالبا ما نتناول في فكاهتنا الاعتيادية أشياء حيادية، غير ذات صلة عميقة بنا. أن نعتاد على اتخاذ هذا الموقف نفسه، المتخفف والمتأمل والفكاهي أيضا، تجاه أشياء عادة ما ننفعل معها بعواطفنا، يساعدنا على خلق تلك المسافة التي أشرنا إليها، والتي بفضلها نستطيع أن نرى الأشياء في حجمها الحقيقي -أصغر كثيرا مما تصوره لنا مشاعر الكآبة والهلع- وفي سياقها المضبوط. (8)

    

كما يدعونا موريال أيضا باتباع مبدأ التخفف من كل شيء، فنمضي في الحياة متجردين من كل ما نتعلق به، مدركين تماما أن كُلًّا إلى زوال(9)؛ ففي مدى الحياة الواسع، وسياق الزمن الطويل، كل ما يشغلنا الآن لا يعدو كونه مجرد كبوة وستمضي وقد لا نتذكرها حتى بعد مرور عشر سنوات، أو كما قالت شخصية "عم ضياء": "كله رايح". عندما نضع هذا في منظورنا، تغدو الحياة أخف كثيرا، وتصبح آلامها أكثر احتمالا، "فإن لم يكن ثمة شيء غاية في الأهمية، فلا يوجد ما يستحق أن نأخذه بجدية". (10) وإن كنا بالفعل مستعدين أن نتخذ اتجاه التخفف من كل شيء، فأثقل ما نستطيع أن نتخفف منه هو ذواتنا.

  

أن تنظر إلى المرآة.. وتضحك

في نظريته الشهيرة حول الذات، قَسّم عالم النفس سيجموند فرويد النفس البشرية إلى ثلاثة أقسام: الأنا، والهو، والأنا العُليا. وبينما تُكبَت الشهوات وكل ما هو شاذ أو خارج عن المألوف في الهو، تمثل الأنا العليا الضمير، أو كل ما يرنو الشخص إلى أن يكون. وبين الهو والأنا العُليا، تقع الأنا، مُحاولة دائما الفرار من إغراءات الهو، ساعية طوال الوقت أن تُنفّذ ما تصبو إليه الأنا العليا صعبة المراس. قد يبدو الهو شرا محضا والأنا العُليا خيرا محضا، لكن في بعض الأحيان، تتسلط الأنا العليا على الذات وتجلدها بلا هوادة أو رحمة، محاسبة إياها على كل خطأ حتى وإن لم يكن خطأها، غير مستعدة أن تجود عليها ولو بلحظات من الرضا عن الذات.

   

تنعكس قسوة الأنا العليا تلك في شعورٍ ساحق بالذنب، ويكون هذا عرضا من أعراض الاكتئاب ومجموعة أخرى من الأمراض النفسية المؤلمة.(11) ووفقا لفرويد نفسه في أحد أبحاثه الذي شرحه سيمون كريتشلي بالتفصيل في كتابه، فلا شيء أقدر من التخفيف من قبضة الأنا العُليا تلك مثل الفكاهة التي تتخذ من الذات موضوعها.

       

   

أن تنظر إلى نفسك وتضحك عليها، ضحكا خاليا من السخرية بريئا من أي لوم، أن تكون أنت موضوع النكتة التي تصوغ، لهو أفضل مثال على التصالح مع النفس والحياة التي تخوض. فعندما نضحك على أنفسنا، تنقسم الذات على نفسها، وتصير نصفين: نصف ينظر من فوق ويقرر أن يضحك أو يبتسم، ونصف آخر يكون موضوع تلك الضحكة أو هذه الابتسامة. وهذا الانقسام هو نفسه الذي يحدث في حالة الاكتئاب، لكن عوضا عن أن تنظر الأنا العليا -النصف الأول- إلى الذات في ابتسام، ترمقها في غضب وقسوة وتُسلّط عليها مشاعر الذنب الأليم. (12)

   

قد لا تخلو النكات التي نصوغها حول أنفسنا من حُزن دفين، لكن صياغتنا لذلك الحزن في قالب ضاحك، يحررنا ويضع ألمنا في إطار أكثر خفة. كمثال لواحدة من تلك النكات التي لا تخلو من ألم، يسرد كريتشلي النكتة التالية للكوميديان الأميركي الشهير جروشو ماركس:

   

"بالتأكيد كُلكم سمعتم عن قصة الرجل الذي ذهب إلى مُحلله النفسي وشكا له من فقدانه الرغبة في العيش. ينصح الطبيب مريض الاكتئاب هذا بالذهاب إلى السيرك في تلك الليلة وأن يضحك على "جروك"، أظرف مُهرج على الإطلاق، ويقول له: "أنا مُتأكد أنه بعد رؤيتك لجروك، ستصبح أكثر سعادة بكثير". وبينما يهم المريض بالخروج، يسأله الطبيب: "بالمناسبة، ما اسمك؟" يلتفت له المريض وبعينين تفيضان حزنا يرد:
-أنا جروك"

      

   

يقول كريشلي في كتابه "عن الفكاهة": "عندما أضحك من نفسي، أعاملها كما لو كانت هي صغيري الذي أنظر إليه من منظور شخص ناضج"، وفي موضع آخر يقول: "لو كانت الأنا العُليا التي تسبب الذنب والكآبة أبا قاسيا، فتلك التي تنظر إلى الذات وتضحك منها والدا حنونا، أو أفضل حتى، الأنا العليا الثانية هي الطفل نفسه وقد كبر وصار أبا؛ أكثر حكمة وظرفا". (13)

      

في المرة القادمة، قبل أن تنظر إلى نفسك وتقسو عليها قف وفكّر قليلا: الحياة تقسو علينا جميعا، فما الحاجة بنا أن نفعل ما تفعله هي فينا؟ كل شيء في إطاره الحقيقي هو أصغر وأتفه مما نظن. فلا تكن أنت أقسى جلاديك، ضع اللوم جانبا واستبدله بكلمات رفيقة، كن طيبا تجاه نفسك فالحياة ليست طيبة مع أحد؛ أو أفضل حتى، انظر إلى المرآة، وابتسم. 

      

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار