انضم إلينا
اغلاق
فيكتور فرانكل.. حينما تدفعك المعاناة لصياغة فهم جديد للحياة

فيكتور فرانكل.. حينما تدفعك المعاناة لصياغة فهم جديد للحياة

محمد فتوح

محرر رواق
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
 


دماء تسيل، مُدن تُسوّى بالأرض، وأسر تشتت، والسماء ممتلئة بالدخان، والرابضون على عروشهم يتربصون بأعدائهم، ونشرات الأخبار ترقب رصيد الموتى لتتلو تزايد أعداده. وعلى عتبات الألم الذي نراه ونلمسه، تزداد الأسئلة الوجودية، ويصبح الألم ملاصقا لنا، ولترسم المعاناة هوّة سحيقة تتبدى لنا بلا قاع، لنسأل: متى سيتوقف كل هذا؟ حينها نبحث عما ينقذنا، عمّا يواسي انكساراتنا.
   
مشهد يمتلئ التاريخ بمثيله، وتمتلئ صفحات الكتب عن حكايا من عايشوا قسوة الألم، لتشير لنا نحو خطوط سير تتجاوز حدود الاستسلام، لننظر إلى من تجاوزوا آلامهم، وعالجوها، محافظين على إنسانيتهم. أحد هؤلاء، فيكتور فرانكل، عالمُ النفس النمساويّ، وأحد المعتقلين السابقين في معسكرات النازية.
   

كابد فرانكل الآلام في ما يعصف بكيان المرء. كانت معاناة فرانكل كإنسان وطبيب نفسي في آن واحد. وقد استطاع في نهاية معاناته أن يصوغ معنى جديدا للحياة، بيد أن هذا المعنى قد خرج من أسوار الاعتقال النازي ذاته. إذ من رَحم هذه المعاناة أصبح فرانكل صاحب إسهام في علم النفس الوجودي حتى أسس مدرسة "العلاج بالمعنى" (Logotherapy)، وقد استوحى مبادئها من تجربته الذاتية، إذ نظر إلى الحياة باعتبارها تحمل في طياتها الخير والشر كليهما، ورأى في طيات معاناتة معنى يستحق المكابدة.

  

 

خلّد فرانكل تجربته في سجون النازية في كتابه "الإنسان يبحث عن معنى"  شاهدا على هذه الحقبة بقلم روائي أدبي، وطبيب نفسي، وإنسان له تجربة جوانية ثرية على حد السواء، ليثبت أن أمام الظمأ الروحي الذي تُنشأه الآلام هناك معنى خفى يتوصل إليه من كان ذا حياة جوانية حيّة.

 

الإنتاج يعلو فوق أنقاض الموتى

"من الصعب تماما على أي شخص خارجي أن يدرك كيف أن الحياة الإنسانية في المعسكر لم يكن لها قيمة تذكر" 

(فيكتور فرانكل)

 

منذ الثلاثين من (يناير/كانون الثاني) عام 1933 بات أدولف هتلر مستشارا لألمانيا غير الاتحادية، وما أن وصل هتلر إلى سُدّة القرار الألماني حتى تغيرت ملامح العالم والحدود الدولية. فبعد أقل من 10 سنوات سيخوض النازي الجديد حربا عالمية يجاوز ضحاياها 66 مليون شخص! (1)

 

أما داخل حدود الجمهورية الألمانية، فلم يكن الوضع بالأفضل حال. فكل من لم يدن بالولاء لحزب الرايخ[أ] كان مآله الموت الفوري أو البطيء. وفي العام الذي تولى فيه هتلر منصب المستشار تم تشييد أول معسكر من معسكرات النازية، وهي ما ستُعرف لاحقا بمعسكرات الموت، والتي بلغت في نهاية حكم هتلر 300 معسكر(2)، وبلغ عدد المعتقلين فيها ثلاثة ملايين إنسان (3).

  

كانت هذه المعسكرات هي شبح الموت الزاحف لكل من شُك في وَلائه للرايخ، فقد ضمت كل المُشتبه في انتمائهم السياسي والمتلبسين بالجرائم الأخلاقية أو ذوي الأعراق غير المرغوب فيها مثل الغجر واليهود والشواذ والمرضى العقليين! وفي سُلم أولويات معسكرات النازية يحتل الإنسان نهاية سلم الأولويات، فمفاهيم الإنتاج والشيوعية والعمل، هي الإله الذي خضع له الجميع. وكل ما يتعلق بالإنسانية فهو غير ذي مدلول. فأنت مع الرايخ أو أنك تستحق الموت في أفران الغاز. 

 

لم يكن اختيار الإبادة بالحرق عشوائيا من بين طرائق القتل، فالغرض ليس القتل، وإنما أن تتحول الأجساد مع القتل إلى وقود يُستثمر، فيزيد الإنتاج وينمو بغير توقف. فبعد مقتل آلاف المعاقين غير القادرين على العمل، علق مستشار اقتصادي بارز بأن هذه الإبادات، وفرت مليون علبة مربى كان يستهلكها هؤلاء البشر دون إنتاج نظرا لإعاقاتهم! (4) في تلكم اللحظات، تمثلت الرحمة في أن يقتل الفرد قتلا رحيما، وحينها أيضا، كان يتم تعقيم الجنسيات غير المَرغوب فيها حتى لا تتكاثر، فاسم الرايخ يعلو فوق ما عداه.

   

 أدولف هتلر  (مواقع التواصل)

 

ينظر عبد الوهاب المسيري في كتابه "الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ" إلى الإشكالات التي نتجت عن هذه الإبادات باعتبارها إشكالات في قيم الحداثة العملية ذاتها، فهي متأصلة في بنيتها الداخلية وليست خارجة عنها. فالصهيونية والنازية ومذابح الشيوعية والحروب التي نشأت على ضفاف الرأسمالية إنما تنتمي في جوهرها إلى حقل قِيمي ومعرفي واحد وإن اختلفت أشكالها (5)، وهو ما عبر عنه زيجمونت باومان في كتابه "الحداثة والهولوكوست" باعتبار لحظة الهولوكوست ليست استثناءا في التاريخ الأوروبي كما يُصور، وإنما هي حالة مُتأصلة في النموذج المتوحش للا معنى الذي نشأ مع الحداثة، فالإبادات الجماعية التي أحدثها هتلر لليهود ليست نشازا عن نسيج الحضارة الغربية بحسب باومان، إلا أن ما دفع هذه الحادثة للأضواء، هو الرغبة باستثمار تلك الواقعة لأغراض سياسية.(6)

 

هذا عما يتعلق بعالم السياسة والنظم والأيدولوجيا في عصور الإنتاج النازية، فكيف بعالم الإنسان البسيط الذي يحيا بداخل هذه المعاناة كرقم في سِجل اعتقال كبير، ولا يدري من إحداثيات العالم شيئا؟! هذا ما سيخبرنا به فيكتور فرانكل في معاناته.

  

     

التحول إلى رقم.. ومحاولة فهم البديهي

"لم نستطع تنظيف أسناننا، ورغم نقص الفيتامينات فإن اللثة أصبحت أقوى من ذي قبل! والشخص خفيف النوم ملتصق الآن بزميله يغط في نومه رغم ضوضاء شخير زميله، لقد تغير المألوف"

(فيكتور فرانكل)

 

بين عشية وضحاها وجد فرانكل نفسه رقما في معسكرات يسير الناس فيها بأجساد تغطيها خِرق بالية، بالكاد تستر أجسادهم، يعيش الواحد منهم على رغيف يابس فوقه بقايا من شيء سابق يسمى طعام!، "لم أكن سوى الرقم 119 و104، ولم نكن نحمل أي وثائق، فيكفي كل فرد أن يملك جسده ورقمه" (7).

 

في لحظة البداية، وقف فرانكل مع ألف وخمسمئة آخرين مقيدين تحت سقيفة لا تتسع لأكثر من مئتي شخص حتى تم عرضهم على ضابط الاستقبال تباعا، ومع كل سجين جديد، كان يشير الظابط بإصبعه تجاه اليمين أو اليسار، وعلى السجين أن يذهب إلى الاتجاه المُشار إليه. يعتبر فرانكل نفسه محظوظا، إذ كان من الذين أُرسلوا إلى اليمين بيد أن صديقه أُرسل إلى اليسار، وحين حَلّ المساء سأل بعض المسجونين القدامى أين صديقي؟!

 

فسألوني: هل أُرسل إلى الجانب الأيسر؟!

فأجبتهم بنعم!

 قالوا: إذًا تستطيع أن تراه هناك.

فسألت: هناك أين؟

فأشارت يد أحدهم إلى مدخنة على بُعد مسافة قريبة، تُرسل عمودا من اللهب في سماء بولندا، تلك كانت الإجابة، وأردفها قائلا: "ذلك هو مكان صديقك، فهو الآن صاعد في السماء".

   

كانت هذه هي الإجابة، بيد أن فرانكل ظل عاجزا عن الفهم والإدراك حتى شرح له بكلمات صريحة بأن صديقه تم حرقه في أفران الغاز! بعد فترة قصيرة فقد فرانكل ورفاقه مقومات الحياة الطبيعية، فلم يعد للترفيه معنى في وجدانهم، يذكر فرانكل حين اقتادهم الحُراس للاستحمام تحت "الدُش البارد" ذات مرة والذي حُرموا منه شهورا طويلة، وما إن لمست المياه أجسادهم حتى شعر فرانكل بأن الوجود كله متعرٍّ أمامه، حتى قاده حب الاستطلاع إلى تساؤلات أوليّة ممزوجة بالمزاح: "لقد سيطر علينا حب الاستطلاع البارد في هذا المعسكر، وتحول حب الاستطلاع إلى الدهشة وطرحنا هذا السؤال: لماذا لم نُصب بالبرد في كل هذه الظروف؟"

   

 

هذه الدهشة، استندت على أفعال غاية في البداهة، إذ بات غير البديهي هو المألوف، فقد تغير الأمر بالنسبة إلى النوم واليقظة والطعام والموت والحياة لدى المسجونين، يتعجب فرانكل من فعلهم أمورًا عديدة تخبر الكتب بعكسها، فعلى سبيل المثال، تخبر الكتب أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بدون نوم عدد مقرر من الساعات، بيد أن فرانكل ورفاقه قد فعلوا أمورا كثيرة تخبر الكتب بعكسها واستطاعوا العيش بدون نوم عدًدا من الأيام، وقد كانت هذه المشاعر تُثير بداخلهم شعورا بالدهشة يوما بعد يوم.

   

الألم النفسي أعمق من الألم المعنوي

"كان السجين العادي يشعر أنه شخص منحط لا قيمة له بالكلية"

(فيكتور فرانكل)

 

كان العقاب ينزل بالسجين لأبسط الأسباب، وفي بعض الأحيان، دونما سبب على الإطلاق، لكن الألم الداخلي كان هو ما يجرح نفوسهم، لا مجرد الآلام الخارجية: "فمما يبعث على الاستغراب أن الصفعة التي لا تترك على الوجه علامتها تستطيع -تحت ظروف معينة- أن تسبب إيلاما وإيذاء أكثر من تلك الصفعة التي تترك على الوجه أثرا" (8).

عن الألم النفسي، يقص فرانكل أثناء عمله في درجة حرارة 2 فهرنهايت في غابة تابعة للمعسكر، إذ جاء رئيس العمال ونظر إليه ثم بدأ: "أنت يا خنزير! لقد كنت أراقبك طوال الوقت! سوف أعلمك أن تعمل وسوف تموت كالحيوان إن لم تعمل بجد!

ما مهنتك؟!

قلت: طبيب أخصائي!

قال: أنا واثق أنك كنت تجمع المال وتبتزه من الناس!".

  

 فيكتور فرانكل (مواقع التواصل)

 

لم يكن الألم الذي أصاب فرانكل جراء الضرب بأعظم من الألم الذي خلّفته كلمات الحارس، فقد عاش فرانكل حياته كفافا لا يتقاضى أجرا، فلِمَ تعمد هذا الحارس أن يسبه بكلمات قاسية دون سابق معرفة بينهما؟!

   

المعنى الذي يُولد من رحم المعاناة

"بين الحزن واللامبالاة سأختار الحزن"

(علي عزت بيغوفيتش)

  

مع الوقت، باتت المعاناة في سجون النازية هي الأصل، حتى أَلِفها السجناء، فالثياب رثة الهيئة التي يلبسها السجناء ستبدو مع الوقت أنيقة في عيونهم، ومشهد الإهانة سيصبح معتادا هو الآخر. حتى بات الشعور السَويّ متواريا، ولتتبدل معها المقاييس، ليصبح "رد الفعل غير السوي إزاء موقف غير سوي هو استجابة سوية". فبينما يجد السجين نفسه "في البداية لا يستطيع إلا أن يُدير وجهه عند أي عملية إهانة أو ضرب لزملائه، لكن مع الوقت سيصبح متبلدا ولا يُبدي أي حراك إزاء ما يراه، وأصبحت البلادة ميكانزما للدفاع عن الذات".

   

تبلدت مشاعر المساجين حتى بلغت حد التصالح مع حوادث الموت، يقول فرانكل: "قضيت فترة داخل كوخ مرضى التيفوس، وبعد أن لقي أحد المساجين حتفه، صرت أشاهد الموقف دون أي تأثر أو مشاعر مما تصيب الفرد مع مشاهد الموت المعتادة، وكان المساجين يدنون منه ليسرق أحدهم قطعة بطاطس كانت معه وآخر حذاءه ورابع سرواله، وكنت أشاهد كل هذا بغير اكتراث! ثم طلبت من التمرجي إبعاد الجثة بكل بساطة".

 

مع هذه البلادة، راودت كل واحد من المساجين في لحظة ما، فكرة التخلص من حياته، إن "فكرة الانتحار قد راودت كل شخص منا تقريبا ولو لفترة قصيرة"، وهو ما دفع فرانكل لأن يُوجه لمرضاه سؤال "لماذا لا تنتحر؟!" ليهتدي من إجاباتهم إلى خيط الحياة الناظم. وعلى هذا السؤال تباينت الإجابات، فمنهم من لم ينتحر بدافع الحب الذي يربط بينه وبين أبنائه، وآخرون شعروا أن لديهم موهبة عليهم أن يستخدموها هي الدافع للحفاظ على الحياة، بينما عبر غيرهم عن امتنانهم إلى الذكريات، والتي كانت عامل الأمان بالنسبة إليهم. إجابات قادت فرانكل ليعتبر أن العامل المشترك بين هؤلاء جميعا هو المعنى في الحياة، أيمّا كان هذا المعنى.ذلك المعنى الذي يُشكّل حالة تستحق المكابدة في سبيلها.

  

     

الحب في مواجهة الألم

"الحبّ اتصال بين النفوس في أصل عالمها العلوي"

(ابن حزم الأندلسي)

  

يحدثنا فرانكل عن قصة الحب التي عاشها مع زوجته في معسكر الاعتقال، قصة لم ير فيها أحد منهما الآخر، بيد أن كل مشهد كان يربط بينهما برباط خفي. إذ لم يدرك فرانكل حقيقة الحب إلا في سجنه: "فلأول مرة في حياتي أرى الحب بالحقيقة التي يتغنى بها الشعراء، وأنه خلاص الإنسان، فخلاص الإنسان في الحب ومن الحب" (9). يحكي فرانكل عن تكرار اللحظات التي شعر فيها أنه يُحدّث زوجته والتي ترد فيها عليه، وقد ناله قِسط من التعب لأجل هذا الحب من وراء الحجاب.

  


في أحد الأيام، كان ذهنه شاردا مع زوجته إذ شعر أنها تحدثه: "عقلي كان متعلقا بصورة زوجتي، والحب يذهب أبعد من الشخص البدني للمحبوب، أي إلى ذاته الداخلية، ولو كنت عرفت أن زوجتي ماتت لكنت استرسلت في التحدث العقلي معها بأسلوب يتسم بالحياة والحيوية والإشباع" (10)، وفي لحظة وأثناء الحديث الصامت مع زوجه، نهره الحارس لتأمله الطيور، وانهال عليه بالسباب والشتائم، لكن فرانكل وبعدما انصرف الحارس سرعان ما عاد إليه ذلك الشعور الجواني تارة أخرى، حتى شعر أنه قادر على لمس زوجته وعناقها.

  

اعتبر فرانكل أن الحياة الداخلية هي التي تُفرق بين سجين وآخر، فكثيرا ما كانت أحلام المساجين في المنام تدور حول الأمور اليسيرة التي حُرموا منها كالخبز والكعك والسجائر والحمامات الساخنة النظيفة، فالطعام الذي يُقدم في المعسكرات، حساء خفيف للغاية وكسرة خبز ضئيلة، ومع تعرض المساجين الدائم لجو بارد بملابس غير كافية، فإن ذلك كفيل بأن تدور أحلامهم كلها حول الدفء والطعام والشراب، إذ صار المساجين أشبه بالهياكل العظمية المغطاة بجلد وخرق بالية. فالحديث عن الطعام -فيما يذكر فرانكل- هو الموضوع الذي تدور حوله أكثر أحاديثهم حتى اضمحل الحديث عن الجنس تماما.

 

أما عن الشعور الديني فإن "الاهتمام الديني لدى المسجونين قد نما بسرعة وشدة وكان أكثر الاهتمامات صدقا، وعلى الرغم من كل مظاهر الانحطاط الجسمي والعقلي للحياة في المعسكر، فإن من الممكن للحياة الروحية أن تعمق وتقوى". ويذكر فرانكل "كلما صارت حياة السجين أكثر عمقا، صار السجين أكثر نزعة إلى أن يَخْبر جمال الفن والطبيعة بطريقة لم يعهدها من قبل".

   

  

وعليه، فإن أولئك الأشخاص الذين كانت حياتهم الداخلية ممتلئة وحيوية استطاعوا أن يحافظوا على المعنى بداخلهم: "عشنا في معسكرات الاعتقال نذكر أولئك الذين يمرون على الأجنحة لكي يهدؤوا من روع الآخرين، ويضحون بإعطائهم آخر كسرة خبز معهم".

 

"الشعور بالتسامي"، هذا هو ما عبر عنه فرانكل، وهو ما ذكره ديستوفيسكي مرة بقوله: "يوجد شيء واحد يروعني وهو: ألا أكون جديرا بآلامي". إذ كلما كانت الحياة أشق واستطاع الإنسان أن يُوجد لنفسه معنى بداخلها كان ذلك أمارة على غِناء حياته الداخلية، "فإذا كان هناك معنى في الحياة بصفة عامة، فإنه بالتالي ينبغي أن يكون هناك معنى للآلام والمعاناة، فالآلام والمعاناة جزء من الحياة، بل ويتعذر التخلص النهائي منها، شأنهما شأن حياة الإنسان ذاته!" (11). أما من يفقد حياته الداخلية فإنه "يفقد الثقة في المستقبل، بل قد حكم على نفسه بالفناء، ومع فقدان الثقة في المستقبل يفقد المرء تماسكه المعنوي، ويكون بذلك قد ترك نفسه للتدهور، وأصبح عرضة للانهيار العقلي والجسمي" (12).

  

العلاج بالمعنى وجوهر الوجود!
 

"ليس العالِم هو الذي يعطي أجوبة صحيحة، وإنما هو الذي يسأل الأسئلة الصحيحة"

(ليفي شتراوس)

  

في الفترة التي أُعتقل فيها فرانكل أُجبر على أن يبصر الحياة من جديد، وأن تنبثق أمامه رؤية جديدة للحياة لا تعبأ بما يعبأ به الناس، فبقدر ما طغى الألم في كثير من المشاهد فقد كان المعنى حاضرا وبقوة. حتى رسموا من معاناتهم صورة جديدة للحياة والوجود، يقول فرانكل: "وبعد فترة وجيزة في المعسكر بدا لي أني سأموت قريبا، وكان السؤال الشاغل للزملاء: هل سنبقى أحياء بعد الموت؟! حتى تكون لهذه المعاناة معنى! أما السؤال الذي شغلني: "هل لكل هذه المعاناة من حولنا معنى؟ وللموت من حولنا معنى؟ إذ لم يكن الأمر كذلك فليس لبقائنا أي معنى!".

   

يوضح فرانكل تصوره وينهيه بقوله "هذا المعنى المُضاف على الحياة هو الذي يجعل الإنسان قادرا على مواجهة آلامه التي لا يستطيع لدفعها سبيلا، "فحينما يجد الإنسان أن مصيره المعاناة، فإن عليه أن يتقبل آلامه ومعاناته كما لو أنها مهمة مفروضة عليه، وهي مهمة فريدة ومتميزة. وفي الحقيقة عليه أن يعترف بأنه وحيد وفريد في هذا الكون حتى في معاناته تلك، ولا يستطيع أحد أن يخلصه من معاناته أو أن يعاني بدلا منه، وتكمن فرصته في الطريقة التي يتحمل بها أعباءه ومتاعبه" (13)

_____________________________________________________________________________________________________________

الهوامش:

[أ] الرايخ: الحزب النازي الألماني والذي قاده هتلر منذ 1933 وتم القضاء عليه في الحرب العالمية الثانية 1945.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار