اغلاق
آخر تحديث: 2018/7/8 الساعة 15:20 (مكة المكرمة) الموافق 1439/10/25 هـ

انضم إلينا
أنت ببساطة لست شخصا مهما.. أليس ذلك مريحا؟

أنت ببساطة لست شخصا مهما.. أليس ذلك مريحا؟

Aeon

مجلة رقمية
  • ض
  • ض

هناك ميمية (Mimi) موجهة مباشرة إلى أولئك الذين لديهم حب أكبر من اللازم لذاتهم، وهي تقول شيئا من هذا القبيل: "يا أيها الدماغ: أرى أنك تحاول النوم. هل لي أن أقدم لك مجموعة من الذكريات الأكثر احراجا لك من السنوات العشر الماضية؟"

     

في البداية ، قد يبدو من الغريب أن هذه الفكرة تحظى بشعبية كبيرة بين أولئك الذين نسميهم "جيل الألفية"، أي أولئك الذين نشأوا في ذروة حركة تقدير الذات في التسعينيات. فلقد نشأنا على مبدأ أنه علينا أن نحب أنفسنا، لا أن نعذب أنفسنا بالذكريات السيئة. لقد نشأنا ونحن نعتقد أننا أشخاصا مميزين، وكانت النظرية السائدة هي أن تقدير الذات سيقودنا دوماً إلى النجاح.

 

ولكن على الرغم من كل ذلك، يتبين أن هذه النظرة لا تعدّ المرء إعدادا جيدا للتعامل مع الكفاح اليومي في الحياة. إذن، بدلًا من الإصرار العنيد على محبّة نفسك، نقترح عليك اتخاذ موقفاً ذاتياً أطلق عليه اسم "عكس الحب": أي اللامبالاة.

    

في بداية الألفية الثانية، مع تقادم أفكار حركة تقدير الذات، بدأ باحثو علم النفس في نشر سلسلة من الأبحاث حول ما يسمى بالتعاطف الذاتي، والتي عرّفتها كريستين نيف في جامعة تكساس في أوستن عام ٢٠٠٣ بهذه الطريقة: الانفتاح على معاناة الذات والتأثر بها، والإحساس بمشاعر الحرص واللطف تجاه الذات، واتخاذ موقف متفهم وغير متسرّع تجاه أوجه القصور والفشل الذاتي، والاعتراف بأن تجربة الفرد هي جزء من التجربة الإنسانية المشتركة.

     

   

في ذلك الوقت، سعى الكثيرون من أنصار هذا التفكير إلى تفضيل التعاطف الذاتي على تقدير الذات. في احدى الدراسات التي تتعلق بالميمية المذكورة أعلاه، طلب الباحثون من طلاب الجامعات أن يتذكروا ذكريات محرجة من أيام المدرسة الثانوية. بعد ذلك تم إعطاء بعض الطلاب تعليمات مكتوبة تهدف إلى إبراز جانبهم المتعاطف مع الذات إذ قيل لهم أن يعدّدوا الطرق التي قد يواجه بها أشخاص آخرون أحداثًا مماثلة وأن يعبروا عن التعاطف واللطف والاهتمام الى أنفسهم بالطريقة نفسها التي قد يعبرون بها عن قلقهم إلى صديق. وعلى النقيض من ذلك، تم إعطاء طلاب آخرين تعليمات مكتوبة تهدف إلى تحفيز تقديرهم لذاتهم: قيل لهم أن "يكتبوا خصائصهم الإيجابية" وأن يصفوا كيف أن حادثة ما في حياتهم ليست نتاج خطأ من قبلهم وأنه على أي حال، فإن الحادثة "لا تقول الكثير بما يتعلّق بشخصيتهم". 

   

كان المغزى كما يقول الباحثون في تلك المقالة  ذات العنوان الفرعي "آثار اللطف مع الذات"، هي أن مبادئ تقدير الذات سوف تجعلك تحاول إقناع نفسك بأن الشيء الغبي الذي فعلته لم يكن حقًا بهذا الغباء - أو إذا كان كذلك، فإنه كان ذنب شخص آخر. فتقدير الذات يجعلك تقوم بالتركيز على صفاتك الرائعة والإيجابية. على النقيض من ذلك ، فإن التعاطف مع الذات يحثّك على الاعتراف بدورك في لحظة محرجة. أي عندما يتم استذكار الأحداث في الليل، سيقول الشخص الذي يتعاطف مع نفسه لها: " نعم ، لقد كان هذا محرجًا جدًا بالفعل!" لكنه سيقول أيضا: "ولكن هذا ليس بهذا السوء". فلقد يحرج الكثير من الناس أنفسهم بطرق مشابهة. في النهاية ، أظهرت هذه الدراسة أن أولئك الذين تم حثهم باتجاه تقدير الذات شعروا بخجل أكبر بعد أن تذكروا الإحراج في المدرسة الثانوية مقارنة بأولئك الذين تم توجيههم نحو التعاطف الذاتي.

   

لقد تراجع تقدير الذات مع الوقت، ويبدو أن التعاطف مع الذات قد بدأ يأخذ مكانه، إذا ما نظرنا الى الكثير من عناوين المقالات والكتب حول الموضوع اليوم: "لماذا الحب الذاتي مهم وكيف يمكن تعزيزه" (ميديكال نيوز توداي ، ٢٣ مارس ٢٠١٨) ؛ "٨ خطوات قوية لمحبة الذات" (سايكولوجي توداي ، ٢٩ يونيو ٢٠١) ؛ "السر غير السري للسعادة: كن ألطف مع نفسك ، حسنًا؟" (ذا كات ، ٢٢ أبريل ٢٠١٦).

     

  

ولكن  التركيز في هذه التقارير حول علم النفس الشعبي يميل إلى الإبقاء فقط على الجزء الأول من تعريف العالمة النفسية كريستين نيف: أي "الانفتاح على معاناة الذات والتأثر بها، والإحساس بمشاعر الحرص واللطف تجاه الذات، واتخاذ موقف متفهم وغير متسرّع تجاه أوجه القصور والفشل". فمن خلال قراءة العديد من هذه المقالات، يتضح أن تعريفها للتعاطف مع الذات هو "اللطف مع الذات"، ولا شيء آخر.

  

ولكن الجزء الثاني من هذا التعريف هو الذي أثبت أنه الأكثر افادة بالنسبة لي، أي " الاعتراف بأن تجربة الفرد هي جزء من التجربة الإنسانية المشتركة." وهذا يعني إلقاء نظرة شمولية على نفسك ، وإدراك أنك أكثر شبهاً بالآخرين مما أنت تختلف عنهم، وإدراك كم أنت سخيف في كثير من الأحيان! وكما قالت نيف نفسها في مقابلة في عام ٢٠١٦: " عندما نفشل، لا تقل يا أسفاه على نفسي، بل قل حسنا، الجميع يفشلون ". الجميع يكافحون. هذا ما يعنيه أن تكون إنسانًا.

 

في الواقع، إن هذا الجزء من تعريف التعاطف الذاتي يجعلني أتساءل عما إذا كان ينبغي أن يطلق عليه هذا الاسم على الإطلاق. إن مفهوم نيف هو ليس عن حب الذات تماما ، بل هو يتعلق بالتذكير بأنك جزء صغير فقط من كلّ مترابط.

 

بالنسبة لي، فإن مصطلح "اللامبالاة نحو الذات" يوّضح هذا الجزء من مفهوم نيف بشكل أفضل من مصطلحها: فعندما يتعلق الأمر بلحظات محرجة ، مثلا،  فإن اللامبالاة تعني النظر اليها والاعتراف بأنها قد تكون فعلا بهذا السوء - ولكن بعد ذلك تقوم بالتغاضي عنها وتقبلّها. بالعودة إلى نقطتي السابقة فان اللامبالاة الذاتية تعني إدراك أنك لست كائنا فريدا من نوعك.

     

    

في الحقيقة، فإن اللامبالاة الذاتية والتعاطف مع الذات ليست سوى عبارات جديدة لمفهوم قديم: أي التواضع. نحن نميل إلى التفكير في التواضع كما لو كان يعني انتقاد الذات، وهو سوء فهم يبدو أنه تسلسل حتى الى مضمون دراسة حديثة في مجلة علم النفس التطبيقي بعنوان "القادة المتواضعون". فوفقاً للباحثين ، يُعرّف التواضع في المدير بأنه "الانفتاح على قبول حدود قدرته وأوجه قصوره وأخطائه". أن نكون متواضعين ، في نظر هؤلاء الباحثين ، هو أن نركّز على عيوبنا.

  

لكن العلماء المعاصرين الذين يدرسون مسألة التواضع يرون الأمر بشكل مختلف. فالأشخاص المتواضعون لا يركزون على عيوبهم بل أن الأشخاص المتواضعين لا يركزون على أنفسهم كثيرًا على الإطلاق. "هذا لا يعني أن الشخص المتواضع يفشل في الاكتراث لسعادته الخاصة أو السعي وراء مصالحه الخاصة – بل إنه ببساطة يرى السعادة والمصلحة على أنهما متشابكتين بعمق مع سعادة ومصالح الآخرين"، بحسب مؤلفي دراسة من عام ٢٠١٧ في مجلة علم النفس الإيجابي عن التواضع.

  

أنت مهم، وأنت تستحق الحب، تمامًا كما تعلمنا نحن جيل الألفية في المدرسة - ولكن هذا صحيح فقط لأن الجميع مهم، والجميع يستحق المحبة. وهذا يذكرني مرة أخرى بالطريقة التي تعرّف بها كريستين نيف ما تسميه بالتعاطف الذاتي، وما أسمّيه باللامبالاة الذاتية: "الاعتراف بأن تجربة الفرد هي جزء من التجربة الإنسانية المشتركة". ربما يكون الموقف الأكثر تعاطفا مع نفسك هو التوقف عن الهوس بنفسك. هذا الشعور بالارتياح الذي تجلبه اللامبالاة، وخاصة بالنسبة لأولئك الذين ترعرعوا في خضم حركة تقدير الذات. والحقيقة هي أنك لست بالأهمية التي تعتقد. ولكن أليس ذلك خبرا جيدا؟

     

-----------------

ترجمة (كريم طرابلسي)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار