انضم إلينا
اغلاق
ثقافة "الكراش".. مراهقة نفسية أم مشاعر حقيقية؟

ثقافة "الكراش".. مراهقة نفسية أم مشاعر حقيقية؟

إسماعيل عرفة

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

"الغالبية العظمى من الأطفال والمراهقين يخوضون تجربة الإعجاب أو "الكراش" مرة واحدة على الأقل".

(كيمبرلي هيرن، أخصائية الدراسات السلوكية)[1]

 

إذا لم تسمع عن عبارات من نوعية "أنا أراقب الكراش في صمت" أو "بينما أنت تلهو أحدهم يضبط الكراش" ولم تدرِ ما معنى كلمة "كراش"، فلن تحتاج إلى كثير من الجهد للبحث عن الكلمة، فمن البرامج التلفزيونية إلى لقاءات الشارع، ومن صفحات الفيسبوك إلى مجموعات الواتس آب، ومن حوارات الأصدقاء إلى نقاشات وسائل التواصل، ستجد أن ظاهرة "الكراش" قد فرضت نفسها على أغلب المنصات الإعلامية والعلاقات الاجتماعية داخل المجتمعات العربية.

   

الحديث عن الكراش، صار في كثير من الأوساط، حكاية شبه يومية، فما هو "الكراش"؟! وكيف نفهم كيميائيته وطبيعته؟ هل هو مشاعر حقيقية أم أنه مجرد أوهام؟ وهل يرتبط "الكراش" بمرحلة عمرية محددة كالمراهقة مثلا؟ وأخيرا، هل هناك فرق بين "الكراش" وبين الحب، أم أن "الكراش" هو طريق الحب؟

            

كيف بدأ الكراش؟

كلمة "كراش" هي كلمة إنجليزية ظهرت في القرن الرابع العشر الميلادي وتعني، وفقا لقاموس كامبريدج، السحق أو الطحن[2]. لكن في أواخر القرن التاسع عشر، اتخذ المصطلح معنى آخر فأصبحت عبارة "To have a crush on" تعني أن الشخص مفتون أو متيّم بشخص آخر[3]. وفي أواخر التسعينيات صارت الكلمة تُستخدم للتعبير عن إعجاب شخص بشخص آخر مع انجذاب عاطفي من طرف واحد فقط[4].

  

لا يمكن تتبع أول استخدام للكلمة في عالمنا العربي بشكل دقيق، لكن بالتركيز على مصر كمثال، وبالبحث في موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" على مصطلح "كراش" فإنه لا يظهر لنا أي نتائج للبحث قبل العام 2013م، ويبدو أن شهر مارس/آذار من العام نفسه هو العام الذي بدأت فيه صفحات مثل "كراش هندسة" و"كراش تربية" في الظهور والانتشار بقوة في كلّ جامعات مصر، وكانت مهمة هذه الصفحات أنها تقوم باستقبال "رسائل الإعجاب" من الطالب أو الطالبة وتنشر الرسالة دون نشر اسم الشخص المعجَب مع نشر اسم المعجب به، ممّا يضيف حالة من الغموض والإثارة ساعدت في رواج المصطلح وانتشاره.

 

فور ظهور هذه الصفحات انتشر المصطلح بقوة بين الشباب الجامعي، أحيانا بالقبول وأحيانا بالرفض، فعلى سبيل المثال: قوبلت صفحة "كراش هندسة" بجامعة الإسكندرية بهجوم شديد وأُطلقت حملة مضادة لها بعنوان "لا يدخل الجنة ديوث" أدّت إلى إغلاق الصفحة في النهاية[5]، وهو ما يعني وجود شريحة كبيرة من الرافضين لمبدأ تلك الصفحات.

 

لكن مع تعاقب التحولات الاجتماعية على المجتمع المصري، خفتت هذه الأصوات الرافضة شيئا فشيئا، فتوسع نطاق تداول وقبول المصطلح داخل مصر، وصار منذ العام 2016م مطروحا في مختلف النقاشات اليومية والوسائل الإعلامية، إلى حدّ ظهور عبارات تدلّ على ترسخ المصطلح بين الشباب وتلقيه بنوع من أنواع الفكاهة والسعادة، عبارات من نوعية "يراقب الكراش في صمت" و"بينما أنت تلهو أحدهم يضبط الكراش" وغير ذلك مما يوضح أن الكراش صار حديثا يوميا عند الشباب العربي.

 

والسؤال إذن: إذا كانت ظاهرة الكراش قد فرضت نفسها بالفعل، فكيف إذن نفهم حالة "الكراش" من الزاوية النفسية والعاطفية؟ ولماذا تنتشر في فئة الشباب خصوصا عوضا عن جميع الفئات الأخرى؟

    

    

أنواع الكراش

تخبرنا الأخصائية النفسية الأميركية إيفا هالستروم أن هناك ثلاثة أنواع من "الكراشات"، الأول تسمّيه "كراش الهوية" وسمي بذلك لأن الشخص يرى في شخص آخر انعكاسا لصفات وقيم يتمناها ويحلم بها، لذلك ينشأ هذا النوع من الكراش عندما يجد الشخص شخصا آخر يريد أن يصبح مثله ويعامله كقدوة أو كنموذج ينبغي اتباعه، وعادة يكون هؤلاء معلمين أو أشخاصا ذوي شعبية اجتماعية ملحوظة[6].

 

الأمر لا يتوقف على ذلك، حيث تضيف إريكا لوب، المتخصصة بعلم النفس التنموي بجامعة بنسلفانيا، أن إعجاب الفتاة بشاب صاحب مركز اجتماعي أعلى "يكون بمنزلة الفرصة للارتقاء بوضعها الاجتماعي أو ليجعلها محبوبة بشكل أكبر في محيطها الاجتماعي"[7].

 

أمّا نوع الكراش الثاني، وفقا لهالستروم، فهو الكراش الرومانسي الذي ينشأ عندما يكون لدى الإنسان مخزون عاطفي ورغبة قوية في الحب، فيلجأ إلى تفريغ هذه الرغبة في شخص ما بشكل شبه عشوائي، وتخبرنا هالستروم أن الكراش الرومانسي يختفي تماما عندما نكتشف أن الشخص الذي نُعجب به ليس هو الشخصية التي كنا نظن، هذا ما يجعلك تقول: "آه، كيف كنت أفكر في ذلك؟!"[8].

 

ويتفق كارل بيكهاردت مع هذه الرؤية ويخبرنا أن أغلب "الكراشات" الرومانسية لا تدوم طويلا لأنه عندما يُعرف الشخص المعجَب به بشكل أعمق فإن سحره سرعان ما يزول وتسقط صورته المثالية[9]. أمّا الكراش الثالث فهو الإعجاب بالنجوم والمشاهير، وهو انجذاب خيالي يعتبر بمنزلة رأس هرم الفانتازيا. بشكل عام إذن: ما مدى جدية "الكراشات"؟ هل يمكننا البناء على مشاعر الكراش وتحويلها إلى مشروع ارتباط جاد ودائم؟

 

هل تتطور فانتازيا الكراش إلى حب حقيقي؟

ترى إيريكا لوب أن الكراش ليس كالعلاقة الحقيقية، فالعلاقة الجادّة "تتضمن القرب والالتزام، بالإضافة إلى الانجذاب. لكن على الجانب الآخر، فإن الكراش لا يتضمن ارتباطا وثيقا أو معرفة متعمقة عن الشخص. فالشخص الذي ينشأ عنده كراش يميل إلى وضع الشخص المعجب به في صورة مثالية. وبدلا من معرفته بشكل عميق، يركز الشخص على صفات معينة ويضخمها إلى درجة أنه لا يرى فيه سوى هذه الصفات الحسنة القليلة"[10].

    

   

وبسبب هذه "الفانتازيا" الخادعة، يذهب الطبيب النفسي كارل بيكهاردت، صاحب رسالة الدكتوراه من جامعة تكساس ومؤلف 15 كتابا في علم النفس، إلى أن "الكراشات" لا تتعلق بالواقع قدر ما تتعلق بالخيال، ولأنها في الغالب يتضح أنها غير واقعية فإنها سرعان ما تذبل وتختفي[11].

 

لكن بيكهاردت يشير إلى أمر مهم، وهو أن تجربة "الكراشات" تضيف إلى رصيد خبرة الشاب أو الفتاة، ويعتبر أن الكراشات تساعد في نضج الشخص وانتقاله من مرحلة المراهقة إلى مرحلة الرشد، فالشخص السوي يتعلم من الأخطاء ويكتشف لاحقا الفرق بين الإعجاب اللحظي المراهق وبين مشاعر الحب الحقيقية[12]. فرغم أن "الكراشات" هي في الأصل تجربة خاصة بمرحلة المراهقة، فإننا نجد أن ثمة شبابا وفتيات يخوضون تجربة الكراش وهم في أوائل العشرينيات.

 

ويقدّم فريق بحثي نشر مقالا بدورية "The Lancet" الإجابة، فقد درس مرحلة المراهقة عند الشباب والفتيات في العصر الحالي، ونشر نتائج دراسته في يناير/كانون الثاني 2018م، وذكر الفريق فيها أن "استمرار الشباب في التعليم لفترة أطول، إضافة إلى تأخر الزواج والإنجاب، جعلا مرحلة المراهقة تمتد من 10-19 عاما إلى 10-24 عاما"[13].

 

فليس من المستغرب إذن أن يستمر حدوث "الكراشات" عند الشخص حتى أوائل العشرينيات، فالمراهقة هي البيئة الخصبة للكراشات حيث فوران المشاعر وقلة النضج، وها هنا يُطرح السؤال: ما الفرق بين "الكراش" وبين الحب؟ وكيف نفرق بين الكراش العابر وبين مشاعر الحب الصادقة؟

 

ابتذال المشاعر.. بين خردة الكراش وسموّ الحب

طبقا لموقع "SRCP – Sexual Resource Center for Parents"، القائم عليه مجموعة من المتخصصين بمجال التربية، فإن الكراش يحدث بشكل مفاجئ وفوري، بينما ينشأ الحب بشكل تدريجي عبر الزمن. ويتميز الكراش بقوته الشديدة لكن بقصر مدته، في حين أن الحب يبدأ هادئا ويصبح أقوى وأعمق مع مرور الوقت[14].

      

    

وثمة فرق مهم بين مشاعر الإعجاب والكراش وبين مشاعر الحب والرومانسية، إذ إن الكراش يركز على جوانب إيجابية معينة في الشخص المعجب به فحسب، ويخفي جميع الجوانب الأخرى، ولذا فإنه يزول إذا تم التعرف على الجوانب السلبية للشخص عن قرب. أما الحب، فإنه اعتراف بالنقص الموجود لدى الطرف الآخر وقبول للشخص ككل في الوقت ذاته[15].

 

وبعيدا عن الكراش كظاهرة محددة، تطرح أسئلة عديدة، حول أسباب ظهور ما يمكن أن نطلق عليه ب "الموضة الاجتماعية" بين آن وآخر، والتي تقود الشباب للسعي نحو الدخول في تلك المساحة بهدف تعريف أنفسهم ضمن الشريحة المشاركة فيما يتفاعل معه عموم الأفراد، فالجاذبية كثيرا ما لا تتجسد في الفعل نفسه، بقدر ما تكون قيمتها في أن تجد نفسك تقوم بما يفعله الآخرون!

      

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار