اغلاق
آخر تحديث: 2018/8/29 الساعة 16:46 (مكة المكرمة) الموافق 1439/12/18 هـ

انضم إلينا
لماذا يحتاج الخير دوما لقليل من الشر في تنفيذه؟

لماذا يحتاج الخير دوما لقليل من الشر في تنفيذه؟

Aeon

مجلة رقمية
  • ض
  • ض

تخيل أن شخصا ما تهتم به يقوم بالمماطلة والتسويف قبل موعد امتحان مهم. إذا فشل فيه، فلن يكون قادرا على الذهاب إلى الجامعة، وهو ما سيكون له عواقب وخيمة جدا في حياته. إذا لم ينجح التشجيع الإيجابي في حثّه على الكف عن عادته السيئة، فيمكنك اعتماد نهج آخر وحمل صديقك على الشعور بالذنب والقلق والخوف، بحيث لا يبقى أي خيار لديه سوى أن يبدأ بالمذاكرة بجنون!

  

بعبارة أخرى، فإنه في بعض الأحيان، يبدو أن الطريقة الوحيدة لمساعدة شخص ما هي اتباع نهج قاسٍ أو سيئ معه، وهي إستراتيجية قد تترك "فاعل الخير" يشعر بالذنب والملامة. يسلط البحث الذي أجراه فريقي في جامعة ليفربول هوب في المملكة المتحدة الضوء على هذه العملية.

    

     

نحن عادة ما نربط بين العواطف الإيجابية والنتائج الإيجابية، وهناك أبحاث تدعم هذا الأمر. إذ تؤكد العديد من الدراسات حول تنظيم العواطف بين الأفراد -أي كيف يمكن لشخص ما أن يغير أو يؤثر على مشاعر الآخرين- على قيمة تكثيف المشاعر الإيجابية وتقليل العواطف السلبية. لكنّ دراسات أخرى تُظهر أن جعل شخص ما يشعر بالسوء يمكن أن يكون مفيدا: إذ إن الغضب مفيد عند مواجهة الخيانة والغش، وإيذاء مشاعر الآخرين يمكن أن يمنحهم ميزة في بعض جوانب الحياة.

   

في الوقت الحالي، فقد قام فريقي بتوثيق الاستخدام الروتيني للقسوة لأسباب تتعلق بالإيثار. للتحقق من صحة هذه الظاهرة، افترضنا ثلاثة شروط: يجب أن يكون الدافع وراء تعكير مزاج شخص ما هو الإيثار، ويجب أن تساعد العواطف السلبية الشخص الآخر على تحقيق هدف معين، ويجب أن يشعر الشخص الذي يسبّب هذا بالتعاطف مع المتلقي.

 

ولاختبار ما نسميه "تعكير الحالة العاطفية الإيثارية"، قمنا بتجنيد ١٤٠ شخصا بالغا، وأخبرناهم أنه تم إقرانهم مع مشارك آخر مجهول للعب لعبة كمبيوتر مقابل الحصول على جائزة محتملة بقيمة ٥٠ جنيها إسترلينيا في شكل قسائم شرائية على موقع أمازون -على الرغم من عدم وجود هذا الشريك-. قبل اللعب، طُلب من المشاركين قراءة بيان شخصي كتبه ظاهريا خصمهم حول انفصال رومانسي مؤلم. طُلب من بعض المشاركين وضع أنفسهم في مكان الخصم. وطُلب من بعضهم الآخر البقاء بعيدين، وبالتالي تم التلاعب بدرجة التعاطف التي يشعر بها كلٌّ من المجموعتين تجاه المنافس المفترض. ثم لعب المشاركون واحدة من اثنتين من ألعاب الفيديو: في الأولى، سولدجير أوف فورتشن (جندي القدر)، كان على اللاعبين قتل أكبر عدد ممكن من الأعداء حيث هدف اللعبة هو المواجهة؛ أما في اللعبة الأخرى، الهروب من الجزيرة الميتة، كان على اللاعبين الهروب من غرفة مليئة بالزومبي دون أن يقتلوا، وكان هدف اللعبة هو تجنب المواجهة.

 

بعد التدرّب بمفردهم لمدة خمس دقائق، طُلب من المشاركين أن يقرروا كيفية تقديم اللعبة لخصومهم. أولئك الذين كانوا يتعاطفون بقوة مع خصومهم طلبوا من المشرفين أن يجعلوا الخصم غاضبا قبل لعبة المواجهة وأن يجعلوا الخصم خائفا قبل لعبة الهروب، وكلتا الحالتين الذهنية من شأنها أن تمنح الخصم فرصة أكبر للفوز بالجائزة.

    

   

تُظهر دراستنا أن الميل إلى جعل شخص آخر يشعر بالسوء لمساعدته على النجاح هو أكثر انتشارا عندما يشعر الشخص المستفز بالتعاطف مع هذا الشخص. والأكثر إثارة للدهشة هو أن استخدام هذه المقاربة لا يبدو أنه عشوائي. ففي لعبة تبادل إطلاق النار، اختار المشاركون المتعاطفون الموسيقى والصور التي تهدف إلى تحفيز الغضب. وفي لعبة الزومبي، اختاروا الموسيقى والصور التي تثير الخوف. في كلتا الحالتين، أعطت هذه التأثيرات للخصوم دفعة من أجل الفوز.

 

باختصار، لدى البشر غريزيا شعور ممتاز يجعلهم يدركون أيًّا من المشاعر السلبية سوف تعمل بشكل أفضل كمحفّزات. كانت تصرفات المشاركين إيثارية بشكل مطلق: فقد اختاروا إثارة المشاعر التي كانوا يعلمون أنها ستكون مفيدة لخصومهم ولتحقيق أداء جيد في اللعبة، بما يحد من فرصتهم هم في الفوز بالجائزة.

 

لا تزال هناك أسئلة كثيرة: هل تبدأ هذه العملية في مرحلة الطفولة والمراهقة؟ إن كان الجواب بلا، ما العوامل التي تسهم في بلورتها؟ ما الإستراتيجيات التي يستخدمها الأشخاص لتعكير مزاج الآخرين في التفاعلات الحقيقية؟

 

لقد ركّزت دراستنا حول الظاهرة على الغرباء، ولكن ماذا يحدث عندما يكون "البطل" و"الخصم" صديقين حميمين أو أقرباء؟ تشير أبحاث أخرى إلى أنه في هذا الظرف، قد يكون الدافع لاستخدام الإستراتيجية أكثر قوّة. ويمكن للدراسات التي تستعمل من التدوينات اليومية أو الفيديو، أن تلقي الضوء على كيفية عمل ظاهرة "تعكير الحالة العاطفية الإيثارية" بين الأشخاص في الحياة الواقعية.

 

أخيرا، ما حدود تعكير الحالة العاطفية؟ وهل يمكن حتى للشخص الأكثر إيثارا وذي النيّات الحسنة أن يتسبب في الضرر من جراء هذا؟ قد يكون من غير الضروري أن نكون قساة، وقد نكون مخطئين في الاعتقاد بأن الشخص الآخر يجب أن يشعر بالسوء من أجل تحقيق الرفاهية على المدى الطويل. أو قد تؤدّي النتيجة التي نريدها إلى تأزم حياة الشخص الآخر عوضا عن تحسينها. بالعودة إلى قصتنا الافتتاحية حول الطالب والامتحان، ربما يدخل الصديق إلى الجامعة بعد أن نحثّه على ذلك من خلال "تعكير الحالة العاطفية الإيثارية"، لكنه لاحقا يستنتج أن الدراسة الجامعية كانت الطريق الخطأ بالنسبة له. أو ربما يكون الصديق ضعيفا، والإستراتيجية التي تساعده على تحقيق هدف تقلل أيضا من سعادته واحترامه لذاته، وتنتج حلقة مفرغة من الفشل بعد ذلك.    

   

    

حتى لو كانت القسوة فعالة، هل هي بالفعل الإستراتيجية الأكثر فعالية؟ في دراستنا الأصلية، لم يكن لدى المشاركين خيار الحث الإيجابي للخصم المفترض. وبالتالي، لم نتمكن من اختبار ما إذا كان المشاركون الذين كان لديهم تعاطف أكبر ربما كانوا يريدون زيادة رفاهية خصومهم عن طريق إثارة مشاعر إيجابية أو سعيدة بدلا من تلك السلبية. يستمر بحثنا، لكن هناك أمر واضح هنا: أن التعاطف مع الآخرين لا يؤدي فقط إلى المساعدة والدعم بل قد يؤدي أيضا إلى القسوة. لكن نحتاج إلى المزيد من الدراسات لتحديد كيف -وإذا- يمكن أن تكون القسوة فعالة وغير محفوفة بالمخاطر بالنسبة لأحبائنا وأصدقائنا.

-------------------------------------------------------------

ترجمة (كريم طرابلسي)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار