انضم إلينا
اغلاق
منذ الأساطير والروايات وحتى أفلام هوليوود.. لماذا نهوى القصص؟

منذ الأساطير والروايات وحتى أفلام هوليوود.. لماذا نهوى القصص؟

مها فجال

محررة فنية
  • ض
  • ض

عندما نُقلّب الصفحات الأولى في رواية وننعزل معها عن العالم، أو ندخل قاعة يلفها الظلام من كل جانب ونشاهد الخيالات المتتابعة فوق الشاشة، أو نجلس في قاعة مختلفة قليلا ونرقب أشخاصا يتقمصون أشخاصا آخرين فوق الخشبة، فإننا بهذا نُعيد إحياء طقس رافقنا نحن البشر منذ الأزل. فطالما عشقنا أن نخلع عن أنفسنا الواقع والحياة ونتركهما على عتبات الخيال لندخل معا العوالم السحرية للقصة.

  

فقبل أن نألف ظلام السينما بنحو عشرة آلاف عام، اعتدنا ظلام الكهوف حيث ينبع النور من شعلة واحدة يمسكها الراوي ويأخذنا معه لعوالم أخرى يبنيها صوته في مخيلاتنا، وفوق الجدران رسوم لحيوانات هم على الأرجح أبطال القصة. تلك الرسومات هي وحدها ما قاومت الزمن وبقيت إلى الآن فوق حيطان كهوف لاسكو وألتميرا.*(1)

   

رسمة للخيول فوق أحد جدران كهوف لاسكو بفرنسا عمرها يقدر بـ17000 عام (مواقع التواصل)

  

وقبل أن نقرأ حكايات الأبطال المغاوير الذين يصارعون الوحوش ويقتلون الأشرار، كان هنالك "جلجامش" في الألفية الثانية قبل الميلاد. ذلك البطل الذي بدأ القصة وهو نفسه شرير ظالم، وأنهاها كبطل خيّر جاب بقاع الأرض بحثا عن سر الخلود، ولم يجد في النهاية سوى التسليم بالفناء وهشاشة الحياة. وتبقى لنا "ملحمة جلجامش" أول قصة كاملة موجودة في التاريخ، وأثرا خالدا على ولعنا الذي لا يموت بالقصص والحكايات.(2)

  

 

فمنذ فجر التاريخ وربما منذ أن وُجدَ الكلام، ظلت القصص رفيقتنا التي نقضي معها أوقاتا ليست بالقليلة كل يوم؛ فتبدلت وتغيرت الأشكال التي تحويها من ملاحم ومسرحيات شعرية وروايات وأفلام، وتبقى هي الأساس الذي تقوم عليه كل فنون السرد. وحتى في حياتنا الشخصية، كثيرا ما نستعير البناء القصصي لنصوغ به الأحداث؛ فنحكي لأصدقائنا عن ذلك اليوم الغريب الذي عشناه ونؤخر الذروة للنهاية لنُبقي على حماسهم، أو نروي لهم قصص أشخاص آخرين صادفناهم ونتحدث عنهم كما لو كنا نتناول قصص شخصيات في أفلام، وعندما نغمض أعيننا لننام، تسبح في رؤوسنا الأحلام كقصص أخيرة نختتم بها اليوم. ويبقى السؤال، ما السر يا ترى وراء ولعنا الشديد هذا بالقصص؟

 

أرسطو: القصص تطهرنا

يظل كتاب الفيلسوف اليوناني أرسطو "فن الشعر" واحدا من أوائل الكتب التي تناولت بالشرح والنقد والتحليل فنون الدراما، وفيه نجد ما يشبه الإجابة عن سؤالنا السابق، وإن كان أرسطو قد قصر حديثه حينها على التراجيديا بشكل خاص، فإن ما قاله يمكن تعميمه بسهولة على شتى أنواع القصص والفنون السردية.

 

يرى أرسطو أن القيمة الأساسية من القصص الخيالية، وبالذات تلك ذات الطابع الحزين، تكمن في قدرتها على تطهيرها إيانا من المشاعر السلبية. فعندما نسمع أو نشاهد قصة ما، نتماهى تدريجيا مع أبطالها ونندمج معهم، وشيئا فشيئا، ينكسر الحاجز بيننا وبينهم حتى يسوؤنا ما يسوؤهم ويسعدنا ما يسعدهم. وفي القصص الحزينة أو المرعبة، دائما ما ينقلب القدر على البطل ويجد نفسه في موقف مأساوي، فتموت حبيبته مثلا أو يصاب بمرض خطير لا شفاء له. في تلك اللحظة، يشعر المشاهد بانقباض في صدره يُحاكي صدمة البطل وقد تسيل الدموع على وجهه حزنا عليه.

 

ثم، حتما، تنتهي القصة. يُكسر ذلك الاندماج الذي عاشه المُشاهد طوال فترة العرض ويعود لواقعه وحواسه التي تنبهه أن كل ما شاهده كان محض خيال، وأن أيًّا مما رآه ليس حقيقيا البتّة، لكن كل المشاعر التي شعر بها والدموع التي ذرفها كانت، على العكس، حقيقية جدا. وهنا يكمن ما قصده أرسطو بالتطهير، فعبر معايشة حدث خيالي والاندماج معه نستطيع التخلص من شحنات المشاعر السلبية من حزن وخوف في ظروف آمنة دون أن نضطر لخوض المِحن نفسها التي عايشها الأبطال. (3)((4 (5)

   

ميدان - القصص تطهرنا من المشاعر السلبية. مشهد موت ديدمونة من مسرحية "عطيل" لشكسبير (مواقع التواصل)

  

يقول أحمد خالد توفيق عن مفهوم التطهير: "التطهير مفهوم مهم جدا لدى أرسطو.. إنه الهدف الأساسي للدراما بالنسبة له.. يجب أن يتطهر المشاهدون من عواطفهم، وحين ينتهي العرض يكونون أفضل وأنظف. يقول "ستيفن كينغ" إن أدب الرعب هو دائرة سحرية يرسمها حول نفسه وأسرته كي لا يمسهم سوء. هذا هو التطهر.. والقارئ يقرأ الرعب آمنا ويتوحد مع البطل، هكذا يتطهر من مخاوفه دون أن يمسسه ضر".

   

ومع أهمية مفهوم التطهير، فإنه لا يجيبنا عن سر شغفنا بكل أنواع القصص. وهنا، تأتي نظريات أخرى أعمّ وأشمل.

   

روبرت مكي: السرد يعطينا المعنى الذي نفتقد

في أحد فصول كتابه "القصة"، يناقش الكاتب روبرت مكي كيف أن لكل فن مواد ملموسة يستخدمها: فمادة النحت هي الحجارة، ومادة الموسيقى هي النوتات والآلات، ومادة الرقص هي الجسد، ثم يتساءل، والقصة، ما مادتها؟ وفي فصل آخر وسياق مختلف بعض الشيء، يكتب جملة تعطينا الإجابة: "القصة هي مجاز عن الحياة"؛ ما يجعل الحياة نفسها هي مادة القصة.

 

فالقصص تحاكي الحياة؛ لا تأخذ كل التفاصيل الدقيقة والمملة، وغالبا لا تلتفت للمكرر والمعاد حد السأم، بل تختار لحظات بعينها من حياة ما وتسلط عليها الضوء، تصوغها في قالب مُرتّب وشيّق، غاضة البصر عن كل ما لا يصب في الاتجاه العام للسرد، وحاذفة كل ما يخرج عن السياق، لتخرج لنا في النهاية حكاية مكثّفة وممتعة تثير فينا المشاعر ونستخلص منها معنى ما في الوقت نفسه.

 

يكتب مكي: "إن منبع كل الفنون هو حاجة النفس الإنسانية البدائية والسابقة حتى على اللغة إلى إزالة التوتر والتنافر عبر الجمال والتناغم، إلى استخدام الإبداع لإحياء حياة أماتتها العادة والروتين، إلى تحقيق تواصل مع الواقع عبر شعورنا الغريزي، عبر حساسيتنا للحقيقة. مثل كل الفنون، فالقصة هي أولا وآخرا تجربة الشعور الجمالي، مقابلة الفكر والشعور في آنٍ معا".

 

 

 

ويستطرد: "الحياة وحدها بلا فن ليشكلها تتركك في ارتباك وفوضى، لكن الشعور الجمالي يخلق تناغما بين ما تعرفه مع ما تحس به، يضفي عليك وعيا متزايدا ويقينا من مكانك في الواقع. باختصار، فإن قصة مروية بشكل جيد تعطيك الشيء ذاته الذي تفتقده في الحياة: تجربة عاطفية ذات معنى. ففي الحياة، يضفي الزمن على التجارب معناها، أما في الفن، فيصير للتجارب معنى بشكل آني، في نفس لحظة وقوعها".

 

لتوضيح ما سبق، يضرب مكي المثال الآتي: تخيل أنك تقود سيارتك في يوم ما ثم حدث فجأة أن صادفت جثة ملقاة في وسط الطريق، ماذا سيكون رد فعلك؟ بالتأكيد ستشعر بالهلع وتسرع في الاتجاه المخالف بأقصى سرعة لتفادي ذلك المنظر المُروّع. ومع مرور الوقت، ستهدأ وتبدأ في التفكير فيما رأيت. قد يتخذ تفكيرك المـتأني حينها منحى فكريا، وتتساءل عن حياة ذلك الغريب وكيف مات، عن حياتك أنت وكيف لو كنت أنت من مات ذلك الصباح مكانه، عن الموت بشكل عام وحقيقة كون حياتنا أقصر مما نتخيل.

 

هنا، يحدث بالضبط ما قصده مكي، هنالك انفصال في التجربة بين الشعور وبين التفكير والمعنى: ففي حرارة المشاعر في الحياة لا نستطيع غالبا أن نفكر بشكل منطقي حول ما يحدث، يكون علينا فقط أن نتخذ التصرف السليم بشكل سريع. وبعد مرور التجربة وشعورنا بالهدوء فقط نستطيع أن نجلس لنفكر ونتأمل ما حدث ونحاول أن نستخلص من ورائه معنى ما. أما في القصة، فالشعور والتفكير يحدثان معا في الوقت نفسه. وهذا حسب مكي أحد أهم أسباب ولعنا بالقصص.

 

ولا تقتصر أهمية القصص بالنسبة إلينا على هذا فقط، فحياة كل منا هي غالبا فوضى من الحواشي والتفاصيل الكثيرة التي لا تنتظم معا في سياق واحد يسير في اتجاه ما وراء غاية بعينها. أما في القصص، فلا وجود لكل تلك التفاصيل الزائدة، هنالك فقط ما هو مهم ومحوري، فتتحرك الأحداث في سلاسة، وكل ما يحدث يحدث لسبب، لتسير القصص بشكل منظم من البداية للوسط للنهاية وتحمل في طياتها معنى ما، فنشبع عبرها ما نفتقده في الواقع من افتقاد للسياق والوجهة. (6)

  

 

والحقيقة أن البشر طالما لجأوا إلى السرد حتى يضفوا معنى على كل ما عجزوا أن يفهموه. فقديما، والإنسانية وحيدة وسط طبيعة تحنو عليها حينا وتقسو عليها أحيانا كثيرة، لم يستطع البشر أن يفهموا بشكل واقعي وحقيقي أسباب ما يحدث لهم. وهنا، لجأ الإنسان إلى مخيلته الخصبة وجعل كل ما حوله من قوى الطبيعة أناسا مثله يملكون وعيا وإرادة، وليس هذا فقط، بل نصّبهم أيضا أبطالا وآلهة لقصص صاغها هو بنفسه وصرنا نسميها أساطير. فالفيضانات تُمثّل ذروة غضب إله النهر الذي لا يهدأ سوى بتقديم أضحية، وكسوف الشمس وخسوف القمر يحدثان لابتلاع وحش مخيف لهما، والحياة وكل ما فيها جاءت نتيجة لتزاوج إلهة الأرض وإله السماء المتحابين وإنجابهما للوجود بأكمله. (7)

 

والآن وقد تقدمت البشرية كثيرا عن تلك الأزمنة بالغة القدم، وصرنا نمتلك علما يفسر كل ما استعصى علينا من ظواهر، علينا أن نتساءل، ما قول العلم يا ترى حول ولعنا بالقصص؟

  

علم الأحياء التطوري: القصص تمنحنا تجارب بلا عواقب أو مخاطر

أي نظرة أولية سريعة تبحث عن أهمية وظيفية لشغفنا بالقصص لن تصل إلى شيء البتة، بل على العكس من ذلك، فمن وجهة نظر تطورية بحتة، سيبدو قضاء الوقت في استماع أو مشاهدة سرديات خيالية مضيعة خالصة للوقت. ففي الساعات الطويلة التي قضاها أجدادنا حول الرواة، وفي الساعات الطويلة التي نقضيها نحن في قاعات السينما وأمام شاشات التلفاز، ألم يكن من الأجدر أن يقوم أجدادنا بنشاط أكثر إنتاجية مثلا كاصطياد الحيوانات وننطلق نحن لما سيعود علينا بالنفع من عمل أو دراسة؟ أليس تشتيت انتباهنا بعيدا عن الهدف الأسمى، وفقا لنظرية التطور، في البقاء شيئا غير منطقي على الإطلاق؟ إذن، وإن كان تلقي القصص الخيالية نشاطا غير مفيد للبشرية فلماذا بقي إلى يومنا هذا؟

 

  

 

الحقيقة أن الإجابة عن هذا السؤال ستحتاج إلى نظرة أعمق كثيرا من تلك المتسرعة التي حكمت على القصص بأن لا جدوى لها، أو على الأقل، هذا ما يقوله الباحث "براين بويد" في كتابه "حول أصل القصص"، والذي يسرد في أحد فصوله الوظائف الكثيرة التي تؤديها السرديات الخيالية والتي جعلت من تلقي القصص نشاطا مستمرا ومحببا للجميع إلى الآن.

  

فالقصص، وفقا لبويد، تقوم في الوعي والإدراك بمثل ما تقوم به الألعاب في تطوير مختلف المهارات. فممارسة الألعاب الحركية على سبيل المثال تعطي الصغار فرصة للتدرب على شتى الأنشطة التي تعطيهم خبرة ومقدرة فيما بعد على ممارسة نشاطات أخرى أكثر جدية بمهارة. فتُحسّن ألعاب الفيديو من سرعة التلقي البصرية وتدرب ممارسيها على اتخاذ القرارات وردود الأفعال بشكل سريع، لدرجة أن أحد الأبحاث أشار إلى كون أفضل مؤشر على مدى نجاح جرّاح ما في المستقبل ليس السنوات التي قضاها في التدريب أو عدد العمليات التي أجراها، بل مدى مهارته وسرعة بديهته في ألعاب الفيديو. فالألعاب بأنواعها المختلفة تمثل مساحة آمنة وممتعة لممارسة شتى النشاطات بلا أي عواقب حقيقية، فأسوأ ما قد يحدث في لعبة ما هو ألا تربح، ويمكنك مع هذا أن تعيد اللعب عددا لا نهائيا من المرات حتى تحقق الفوز، الأمر الذي لا ينطبق إطلاقا على الواقع، حيث عدد الفرص محدود للغاية، وكل قرار بالضرورة له عواقب.

 

وما ينطبق على الألعاب ينطبق على القصص الخيالية. فالقصص تعتبر نوعا من أنواع الألعاب التي يمارسها الوعي والإدراك عوضا عن الجسد، وفيها يتفاعل العقل مع شتى السرديات الخيالية ويندمج معها كما لو كانت حقيقية. فمع طول قضاء الوقت مع القصة، يتمثل العقل شخصياتها كما لو أنهم أشخاص حقيقيون يعرفهم عن قُرب، ويتماهى المتلقي مع أبطالها فينفعل مع انفعالاتهم ويشعر بمشاعرهم ويشاركهم التفكير في القرارات والخيارات الصعبة.

  

مئات الأشخاص يصطفون لمشاهدة أحد أجزاء فيلم "حرب النجوم" (مواقع التواصل)

 

وفي هذا، تمثل القصة مساحة آمنة لمحاكاة الحياة بشتى تجاربها وعيش مختلف خبراتها دون أن يضطر الفرد لأن يخوض غمارها ويذوق من عواقبها. تعطينا القصص إذن ما يشبه فرصة لـ"التدرب" على الحياة، فتُضيف إلى مخزوننا المعرفي والشعوري وتثري ذاكرتنا بمختلف المواقف التي نستطيع العودة إليها بسهولة حال حدث في حياتنا موقف مشابه كنا قرأناه أو شاهدناه في قصة من قبل.

 

ولا تقتصر وظائف القصص الخيالية على هذا فقط، فتدعونا القصة لترك منظورنا الشخصي وأحكامنا الضيقة جانبا والنظر إلى الحياة من منظور شخصياتها. وفي حالة كون الكاتب شديد البراعة، تصير دوافع كل الشخصيات وأفعالها وتفاصيلها الدقيقة على مستوى الإقناع نفسه، ما يجعلنا وإن لم نتفق معها في كل ما تقترف، نمتلك حسا قويا بالتعاطف والشفقة حيالها. وبعد أن تنتهي القصة، ومع طول دخولنا في عوالم الخيال، نأخذ تلك العادة معنا لأرض الواقع، فنصير أكثر تعاطفا مع كل من حولنا من أشخاص ونتوقف عن إصدار الأحكام المطلقة عليهم وإن لم نعرف تماما حقيقة دوافعهم كما في عالم القصة. (8)(9)

 

يُعيد هذا كله إلى الذهن ما قاله عباس العقاد يوما ردا على سؤال لماذا يعشق القراءة، والذي ينطبق تماما على ما تضيفه لنا القصص في الحياة، قال العقاد: "أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة، والقراءة دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الإنسان الواحد، لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تطيلها بمقادير الحساب". (10)

 

لم يبق عليك الآن سوى أن تسأل نفسك، لماذا تهوى القصص؟ فمن يعلم؟ ربما تجد سببا إضافيا لم يسبقك إليه أحد بعد.

    

 ____________________________________________

هامش

(*) كون الرسومات في كهوف لاسكو وألتميرا جزءا من طقس قصصي هو أحد التفسيرات. هنالك تفسيرات أخرى تجعلها جزءا من طقوس دينية. 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار