هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
الهوس بالمكانة.. كيف أمرضنا انتظار رضا الآخرين؟

الهوس بالمكانة.. كيف أمرضنا انتظار رضا الآخرين؟

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

في ليلة ضبابية من ليالي باريس، بالقرن التاسع عشر، يصف لنا "مارسيل بروست" في روايته "البحث عن الزمن المفقود" مشهدا لبرجوازي ذهب لتناول العشاء في مطعم باريسي فاخر مع صديقه الماركيز "جي سان لوب"، والذي وصل متأخرا بعض الشيء مما اضطر صديقه البرجوازي لانتظاره بمفرده تحت أنظار العاملين في المطعم. وفي معطفه الرث، كان الرجل يختبئ من البرد، إلا إنه لم يفلح في الاختفاء أمام نظرات العمّال إليه كشخص غير مرموق ذي اسم مجهول، الأمر الذي لم يعفِه من تعاملهم المتعالي واقتياده لطاولة في ممر الهواء البارد، متكاسلين عن خدمته أو تقديم أي ترحيب إليه.

  

وبعد ربع ساعة من التجاهل يدخل الماركيز من باب المطعم، ويتوجه رأسا نحو صديقه ذي المعطف الرث الذي ينتظره، وما هي إلا لحظات حتى يتبدّل كل شيء. يطلب الرجل الخبز، فيقرقع المدير بكعبي حذائه قائلا: بكل تأكيد سيدي البارون. يخبره الرجل بنبرة حزينه أنه ليس بارونا، فيجيبه: أستميحك العفو سيدي الكونت! فيسكت الرجل ولا يعلق حتى لا يرفعه المدير إلى رتبة الماركيز[*].

  

في كتابه "قلق السعي إلى المكانة.. الشعور بالرضا أو المهانة"، يُضمّن الكاتب السويسري "آلان دو بوتون" ذلك المشهد، معلقا عليه بأن نكوص المدير على عقبيه وارتداده عن نظرته المحتقرة -مهما بدا ذلك مرضيا- فإنه قد قيّم الرجل في النهاية وفقا لمعاييره الظالمة: المظهر الخارجي والمكانة الاجتماعية.

         

    

ذلك الأمر الذي جرح صاحب المعطف الرث هو ما نقابله كثيرا في روتيننا اليومي، حين يغفلنا التقدير أو تخطئنا محبة الآخرين، لكننا لا نمتلك دائما السيد الماركيز الذي يزيل عنا الإهمال ويمنحنا بوجوده بعض الحفاوة اللازمة. الرغبة التي تراودنا كثيرا لكسب محبة الناس والسعي إليها مهما كلفنا الثمن من التزين أو التصنع، تلك الرغبة لها ثمن يخبرنا "دو بوتون" في كتابه عنه، ويأتينا في نهايته بحلول يمكنها أن تخفف من حدة رغبتنا لأن يقدّرنا الغير.

 

فلِمَ نصبو من الأصل لهذا التقدير والحب المشروط من محيطنا؟ وكيف يؤثر هذا الاهتمام البالغ بمشاعر الآخرين تجاهنا على معتقداتنا صوب أنفسنا وثقتنا بها، وما يستتبعه ذلك من الهوس والتكلّف؟ هل نحن قلقون في الحقيقة، أم أنه الفراغ الذي يشغل حياتنا؟ وهل نحتاج إلى هذا التقدير بهذا القدر من الاهتمام به، أم أن أشياء أخرى يمكنها أن تغنينا وتصنع لنا اكتفاء من نوع خاص؟

 

لأننا نحب أن نُحَبّ

يرى "دو بوتون" أن حياة كل شخص بالغ تحكمها وتحددها قصتا حب كبيرتان، الأولى في سعيه وراء الحب الطبيعي من الجنس الآخر بالزواج، والثانية هي قصة سعينا وراء حب الناس. لكنه يعلق على ذلك قائلا، إننا لو اعتبرنا القصة الأولى طبيعية ومنطقية، فإن القصة الثانية المتعلقة برغبتنا في حب الناس تبدو مخجلة لنا حين نطلبها أو نتحدث حولها، كما أن تحقيق المكانة بين الناس يرتبط غالبا بمعنى اقتصادي وحسب.

  

لكنه يضيف في النهاية أن تلك القصة الثانية ليست أقل عاطفية ولا أهمية عن الأولى، كما أن إخفاقها لا يقل ألمًا، فهنا أيضا تتحطم القلوب. ذلك الأمر الذي توافق مع رؤية "آدم سميث" منذ قرنين ونصف، حين قال إننا نحب كثيرا التموقع تحت أنظار الآخرين وعنايتهم، نحب أن نُرَى بعين التعاطف والرضا؛ لأنه "من شأن شعورنا بأننا غير مُلاحظين أن يحبط أكثر الرغبات احتداما للطبيعة الإنسانية"[1].

         

 

فالدافع الذي يهيمن على رغبتنا في الارتقاء على درجات السلم الاجتماعي لا يشترط أن يكون دافعا اقتصاديا للثراء، بل إنه قد لا يشترط فيه ذلك من الأصل -كما يقول "دو بوتون"- بقدر ما يرتبط "بمقدار الحب الذي نريد أن نتلقّاه نتيجة للمكانة العالية". فالحب هنا، مهما اختلف عن الحب بين الزوجين أو بدا أصحابه ذوي مكانة ثانوية لدينا، إلا أن "المحبوبين بسبب المكانة -شأنهم شأن المحبوبين في الغرام الرومانسي- سوف يشعرون بالأمان تحت النظرة الحانية لمن يقدرونهم"[2].

  

في هذا السياق يخبرنا "وليم جيمس" أنه لا يمكن ابتكار عقاب أشد قسوة -إن كان ذلك ممكنا ماديا- من أن ينطلق المرء في المجتمع دون أن يلاحظه أحد بالمرة. ذلك العقاب القاسي المؤلم الذي يبدو حين يتجاهلنا الآخرون، فلا يلتفتوا إلينا حين ندخل مكانا أو يجيبوننا حينما نتكلم. فإذا "ما تجاهلنا كل شخص -كأننا موتى- وتصرف كما لو كنا كائنات لا وجود لها، فسرعان ما سينمو داخلنا نوع من الحنق واليأس العاجز، مقارنة به: سيكون أقسى تعذيب بدني مصدرا للراحة"[3].

  

ثم يسألنا "دو بوتون": لماذا نتأثر بغياب الحب؟ ولماذا يقودنا التجاهل إلى حال من الحنق يكون معها التعذيب البدني مصدرا للراحة إذا ما قارنّاه بهذا العقاب؟ ويجيب الكاتب السويسري عن سؤاله بأن أهمية هذا الاهتمام تنبع من انعدام يقيننا تجاه أنفسنا وقيمتنا الخاصة، "ونتيجة لهذه البلوى فإننا ندع تقييمات الآخر لنا تلعب دورا حاسما في الطريقة التي نرى بها أنفسنا"[4]. فماذا يمكن أن يتبع ذلك؟ هل يمكن أن يؤدي ذلك إلى ضرر أكبر؟

  

مانشاوسن؟

في ألمانيا القرن الثامن عشر، برزت سمعة بارون شهير كان يخترع الأعاجيب والقصص التي تمجّد قدراته بقصد جذب الانتباه. ذلك السيد هو "بارون مانشاوسن" (Baron Munchausen) الذي نُسِبت له متلازمة باسمه لتصف كل من يعاني من أعراض مشابهة. ومتلازمة مانشاوسن (Munchausen’s syndrome) "هي حالة نفسية وسلوكية؛ حيث يتظاهر الشخص بكونه مريضا أو يستعرض بعض الأعراض لأمراض معينة لنفسه، وفي بعض الأحيان تعرف باسم الاضطراب المفتعل"[5].

  

يعاني أصحاب هذه المتلازمة من عدة أعراض اضطرابية دافعها الأول هو كسب اهتمام الغير، وتتبدّى في التظاهر بأعراض مرضية -نفسية أو جسدية- لجذب انتباه الآخرين وتعاطفهم بصورة اضطرابية غير صحية كتلك. كما ترجع بعض التفسيرات هذه المتلازمة إلى التجاهل الأبوي للطفل أو سوء المعاملة، مما يجعل الادعاء بالمرض هو ملجأه الوحيد للحصول على اهتمام كافٍ[6].

    

    

لكن هل يمكن قياس الأمر على شيء آخر، أو اعتبار "مانشاوسن" ممتدة لمساحات أخرى يتصنّع فيها الإنسان لينال التقدير والحب؟ هذا ما أخبرنا به "آلان دو بوتون" حين رأى أن الإنسان قد يقتني سلعا لا يحتاجها، أو يبالغ في مظاهر الثراء فقط ليحصل على مكانة اجتماعية بين البشر، وهو الأمر الذي عززته الثورة الاستهلاكية والاقتصادية في العصر الحديث بسبب ما خلعته على القيمة والمكانة.

  

ذلك الأمر الذي تناوله عالم الاجتماع البولندي "زيجمونت باومان" في سلسلة "السيولة"[7]، وخاصة في كتابه "الحياة السائلة"، إذ يقول إن مجتمع المستهلكين "يستجوب أعضاءه باعتبارهم مستهلكين في المقام الأول، أو في المقام الأول والأخير، إنه مجتمع يحكم على أعضائه ويقيمهم بما لهم من قدرة استهلاكية وما يتبعونه من سلوك استهلاكي".

  

الحال الذي يضع المشكلة في صورة متلازمة استهلاكية عند الأفراد -شبيهة بمتلازمة مانشاوسن- تربط القيمة الاجتماعية بشيء مصطنع لا نحتاج إليه، وقد ندعيه ونتكلفه، فسياسة العلاقات بين الأفراد -وفقا لـ"باومان"- يعاد تشكيلها "على غرار وسائل الاستهلاك وموضوعاته، ووفق الخطوط التي ترسمها متلازمة الاستهلاك"[8]، تماما كما عبرت من قبل الفنانة الأميركية "باربرا كروجر" بلوحتها: "أنا أتسوق، إذن أنا موجود".

     

    

يعزي "دو بوتون" تلك الرغبة الاستهلاكية إلى احتمالية الخوف؛ ذلك لأن "الواثقين في قيمتهم الذاتية لن يتسلوا بتحقير الآخرين. فوراء الاختيال والغرور يكمن ذعر مقيم" ذلك الخوف الذي "يتدفق منتقلا عبر الأجيال.. فينقل كل جيل للجيل التالي العدوى ذاتها، التي تعتبر المكانة المتواضعة طامة كبرى"[9].

  

ذلك لأن ما يدعيه العصر الحديث من جدارة كل شخص بأن يصبح غنيا ومشهورا وناجحا، وما تمتلئ به المكتبات من الكتب التي تحفز على ذاك، وهو ما يُصطلح عليه بـ"الجديروقراطية"، لا يجعل فقط الثراء والخيلاء أمورا مستحقة، بل إنه يجعل الفقر -وبصورة عكسية- مستحقا ومعبرا عن قيمة المرء، ومن هنا ينشأ الخوف.

   

هذا الاهتمام -المعتمد على شروط خارجية- يصدمنا بقوة؛ لأننا -كما يقول "دو بوتون"- كنا نتلقى الرعاية في طفولتنا ونحن في حالة من العري والاحتياج الكامليْن. أما في هذه المرحلة، تعتمد عاطفة الآخرين تجاهنا على ما ننجز وعلى ما نحقّقه من منزلة ووجاهة اجتماعية، وهي الطرق التي قد تنجح في جذب اهتمام الآخرين؛ غير أن التعطش العاطفي الأصيل داخلنا لا يتعلق بأن نبهر الناس بأعمالنا بقدر ما يرمي إلى استعادة إحساس التدليل السخي والبريء.

  

لأننا نخاف الفراغ

في كتابه "بحث الإنسان عن نفسه" يرى عالم النفس الأميركي "رولو ماي" أن القلق الدائم من آراء الغير والاهتمام الشديد بوجهات نظرهم ينبع أحيانا من الخواء الداخلي، إذ إن الوحدة هي مرحلة تالية للخواء؛ لأن المرء حين يفقد إحساسه الداخلي بالمعنى والهدف من حياته؛ يشعر بالخطر ويتجه للآخرين، لعلّه ينال منهم بعض الطمأنينة، أو يتلاشى بهم إحساسه بالوحدة والخوف.

  

فسعي الإنسان نحو الآخرين عند الشعور بالخواء ليس سببه حتما البحث عن حماية الآخرين، وليس سببه ملء احتياج داخلي -طبيعي وأساسي- للتعامل مع الآخرين، بل إن الفكرة السائدة هي أن "القبول الاجتماعي هو الطريق للتخلص من هذا الفراغ وهذا الشعور، الأمر الذي يدفعه لتشغيل برنامج (إرضاء الآخرين) الذي يؤدي لمزيد من الفراغ"[10].

      

    

فالخوف من الوحدة -كما يقول "ماري"- هو رفيق دائم في كل مراحل الحياة، لذلك يسعى المرء لطمأنة ذاته من خلال أن فلان وفلان يحبونه ويدعونه لمناسباتهم. إن المرء هنا يدرك ذاته من خلال الآخرين، لكن الحاصل -نتيجة لهذا- أن اعتمادية الفرد على ما يقوله الآخرون ستزيد، ومن ثم إحساسه بالواقع سينطلق من خلالهم، ليصير في النهاية مثل العميان الذين يتلمسون طريقهم في الحياة عبر سلسلة من البشر الآخرين.

  

فالقبول الاجتماعي صارت له السطوة الغالبة، الأمر الذي يرى عالم النفس الأميركي قدرته على إراحة الفرد لكونه يشعره بالدفء الاجتماعي المريح ممن حوله؛ لكنه -نتيجة لذلك- يكلفنا ثمنا باهظا وهو التخلي عن وجودنا كذوات خاصة متميزة متفردة، أي إن الخواء -في رؤية "ماي"- أدى إلى الشعور بالوحدة، والوحدة ستتم معالجتها بالقبول الاجتماعي على حساب أحلام وأفكار المرء الخاصة به، والنتيجة؟ مزيد من الخواء.

  

لكن هل يتوقف الأمر هنا؟ ربما لا؛ لأن "ماي" يرى عيبا أكبر لهذه الظاهرة يتمثل في تحويل المجتمع المرء إلى نسخة أخرى مما يريده المجتمع وليس ما يريد هو أن يكونه، وأننا سنصل في النهاية إلى نسخ يشبه بعضها بعضا لننال الرضا عن أنفسنا وننال رضا الآخرين، والنتيجة هي مزيد من الملل، والعزلة، والسلبية في الحياة. النتيجة أننا ننمِّي خواءنا الجماعي بتقزيم أنفسنا وإفقارها "واستسلامنا لسلطوية ديكتاتورية مدمرة"[11].

  

الموت همًّا

"من راقب الناس مات همًّا!"

(الشاعر سلم الخاسر)

 

على شبه الجزيرة اليونانية في القرن الخامس قبل الميلاد، ظهرت مجموعة من الأفراد ذوي لحى، وقد تحرروا من مخاوف المكانة التي كانت تعذب معاصريهم وتقتلهم أحيانا. ولم تزعج هذه المجموعةَ التبعاتُ النفسيةُ أو الماديةُ لشغل مكانة متواضعة في مجتمعهم، واحتفظوا بهدوئهم في مواجهة الإساءة والاستنكار والعوز.

  

هكذا يروي "دو بوتون" حكاية الفلاسفة الذين هربوا من مأزق المكانة، فلم تشغلهم رؤية الآخرين لهم بقدر ما اهتموا هم بحقيقتهم، "فعندما رأى سقراط كومة من الذهب محمولة في موكب عبر شوارع أثينا صاح: ما أكثر ما وُضِع هناك من أشياء لا أريدها! وبينما كان الإسكندر الأكبر مارًّا للقاء الفيلسوف ديوجين، عثر عليه تحت شجرة يرتدي ملابس بالية، فسأله الإسكندر إن كان بوسعه أن يفعل شيئا لمساعدته، فقال له ديوجين: نعم، سوف تساعدني إذا ابتعدت قليلا، فأنت تحجب الشمس عني"[12].

    


  

يساعدنا هنا "دو بوتون" بأداة الفلاسفة لتجنب السعي المحموم لإطراء الغير حتى لو بالغنا في حجم ذاتنا أو تصنّعنا أشياء لجذب هذا الاهتمام. تلك الأداة هي العقل الذي وضعته الفلسفة وسيطا بين الرأي الخارجي والرأي الداخلي بالذات، وتخيلته صندوقا نجمع فيه وجهات نظر العامة ثم نرسلها إلى الذات إذا كانت صحيحة، أما إذا كانت خاطئة فتُلفظ دونما قلق ونودّعها بضحكة أو هزّة منكبين.

  

فقد لاحظ الفلاسفة منذ أمد طويل أننا حين نشرع في تقصي آراء الآخرين وامتحانها، نتوصل غالبا إلى اكتشاف ما يحزننا، وحينها "سنفطن إلى أن آراء أغلب الناس حول أغلب الموضوعات تحفل بثغرات استثنائية من الخلط والخطأ"، فالفلاسفة يرشدوننا إلى اتباع العلامات الداخلية لوعينا وضمائرنا قبل الانجراف وراء الإشارات الخارجية للاستحسان أو الاستهجان، "فليس المهم ما نبدو عليه في أعين جماعة عشوائية من الناس، بل ما نعرف نحن أننا عليه في داخلنا"[13]

  

أمثلة أرسطو في كتابه "علم الأخلاق" للحدود القصوى والدنيا للسلوك الإنساني وكذا السلوك الطبيعي الذي يجب أن يكون عليه المرء، ويضيف عليها "دو بوتون" مثالا

  

كما إنه يرى الفن، والأدب كمثال، أداة أخرى قادرة على المساعدة؛ ذلك لأن الحياة ظاهرة تحتاج إلى النقد، فالبشر -كمخلوقات قاصرة- عرضة لمخاطر دائمة، مثل العجز عن فهم المرء لنفسه وإساءة تأويل سلوك الأشخاص الآخرين، وسيطرة القلق والرغبات عليهم بصورة هدامة. وهكذا فإن الأعمال الفنية تستطيع أن تكون وسيلة تفسر لنا وضعنا الإنساني بحيلها وطرقها المستترة. وقد تكون أعمال الفن دليلا نحو فهم العالم بصورة أصدق وأرشد وأذكى، أو كما يقول "جورج إليوت": إنه لو لم يوسع الفن حدود التعاطف الإنساني فلا نفع له من الناحية الأخلاقية.

  

فقد قدمت الروايات العظيمة خلال القرن التاسع عشر والعشرين "نقدا لاذعا للمعايير التي تُبنى عليها التراتبية الاجتماعية في ذلك الوقت، أو على أقل تقدير شككت في هذه المعايير، واقترحت إعادة ترتيب لدرجات سلم الأفضلية وفقا لاعتبارات أخرى غير المال والسلطة والممتلكات، أهمها الاعتبار الأخلاقي". إذ كشف الرواية عما خفي من جوانب الشخصيات، إنها تذكرنا بأن "أفضل ما في الآخرين من الصعب أن يكون ظاهرا بشكل واضح في إنجازات خارجية تجذب الانتباه".[14].

      

    

ثم، وعلى جانب مختلف وبعيد، يرى "دو بوتون" أن التفكير في الموت قد يرشدنا جيدا للحياة، إذ إن استحضاره قادر على تبصرتنا بأهم الأشياء لدينا، ويشجعنا على تقليل اهتمامنا بأحكام الآخرين وآرائهم. كما يرى الكاتب السويسري أن تأمل الموت يمنح أفئدتنا القيمة الأكبر التي تستحق أن نحيا لأجلها، وقد يعطينا بعض الراحة من قلق المكانة؛ لأننا "مهما عانينا من النسيان والتجاهل، ومهما حظي آخرون بالسلطة والتبجيل، فإن مآلنا سوف ينتهي في آخر المطاف إلى المادة الأكثر ديمقراطية: التراب"[15].

  

ففكرة الموت -كما يخبرنا "دو بوتون"- تعيد ترتيب أولوياتنا عن طريق الابتعاد عن العالم الدنيوي والاقتراب من البعد الروحي. إنه شيء شبيه بفهم "تولستوي" الحاد لهذه الظاهرة حين سأل نفسه ذات مرة، بعد شهرته البالغة، عن الغرض من الحياة. حينما أدرك أنه لم يعش حياته وفقا لقيمه الخاصة، أو وفقا للقيم التي وضعها الله، بل عاشها وفقا لقيم المجتمع التي أضرمت فيه رغبة لا تهدأ بأن يصبح أقوى من الآخرين، لكنه في مواجهة فكرة الموت أخذ يتشكك في صحة وفاعلية أهدافه السابقة.

  

وفي عمله "اعتراف" يسجل الأديب الروسي سؤاله: "لا بأس، سنمتلك آلاف الأفدنة من الأراضي في محافظة سامارا وثلاثمائة حصان، وماذا بعد؟ حسن جدا، ستكون أشهر من "جوجول" أو "بوشكين" أو شكسبير"، أو من جميع كتّاب العالم، فما نفع هذا؟" لكن فيما يبدو أن الإجابة الأخيرة التي أسكتت أسئلته، كما يخبرنا "دو بوتون"، هي: الله.

    

تولستوي، الأديب الروسي (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

فعند تأمّل مسألة مغزى الحياة من منظور الموت، يرى "دو بوتون" أننا سنجد تأكيدا إيجابيا وصادما على أهمية المحبة والعلاقات الاجتماعية الصادقة والإحسان، وإدانة للسعي نحو السلطة والقوة والثروة والمجد لحصد الإعجاب والمكانة الاجتماعية، حيث تبدو تلك الغايات والأنشطة -وأخرى غيرها- في العالم كله بلا قيمة أو شأن في مقابل فكرة الموت، أو بكلمات أخرى: تبدو غير ذات معنى ننتفع به من الحياة فلا داعي للتصنع أو القلق بشأن تقييمات الناس وثنائهم.

 

فحينما يفقد الحب، المتوقف على شروط وظروف خارجية، أهميته عندنا، "ربما نفقد حينها الاهتمام بعدة أمور كافحنا في سبيلها كي نحصل على ذلك الحب المشروط"، فما دامت الثروة والتقدير والسلطة تشتري لنا نوعا من الاحترام لا يدوم إلا بدوام مكانتنا الاجتماعية، "فإننا حينها سنمتلك سببا واضحا لكي نركز طاقتنا على تلك العلاقات التي ستبقى على ما يرام، حتى بعد أن تبلى مواقعنا الاجتماعية"[16].

  

ففي عالم مثالي "سنكون أشد مناعة إزاء تلك المؤثرات الخارجية، فلن نهتز سواء تلقينا التجاهل أو الانتباه، الإعجاب أو التسفيه. إذا امتدحنا شخص وهو غير صادق، فلن نسلم أنفسنا للغواية دونما استحقاق. وإذا أجرينا تقييما نزيها لمواطن قوتنا وحكمنا بأنفسنا على قيمتنا الخاصة، فلن يجرحنا افتراض الآخرين بأننا بلا شأن"[17].

-------------------------------------------------

الهوامش:

[*]: البارون والكونت والماركيز هي ألقاب نبيلة أرستقراطية -متدرجة في مراتبها- في الأنظمة الملكية الإقطاعية.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار