اغلاق
آخر تحديث: 2018/9/21 الساعة 12:02 (مكة المكرمة) الموافق 1440/1/12 هـ

انضم إلينا
قصة خديعة.. هكذا استجاب الإله لعقوبات الكهنة بالعصور الوسطى

قصة خديعة.. هكذا استجاب الإله لعقوبات الكهنة بالعصور الوسطى

Aeon

مجلة رقمية
  • ض
  • ض

دائما ما كان البحث عن العدالة الجنائية محفوفا بالشكوك. هل ارتكب المُدَّعى عليه الجريمة أم أنه ضحية لظروف تلفيق تهمة؟ هل هو مذنب في التهمة الموجهة إليه، أم أنه اتهم من قِبل مدعي عام مفرط التعصب؟  وإن كنا غير متأكدين تماما من الحقيقة ينتهي بنا المطاف إلى إصدار الحكم الخاطئ على المتهمين، إما أن نبرئ المذنب أو نُحمِّل الذنب من كان بريئا.

 
الشخص الوحيد الذي يعرف على وجه اليقين ما إذا كان المتهم مذنبا أم بريئا هو المتهم نفسه، والله فوقه. وإن سألنا المدعى عليه إخبارنا عن حقيقة الأمر سيكون الأمر عديم الفائدة؛ فاعترافات المذنبين العفوية أمر نادر. ولكن ماذا لو استطعنا أن نطلب من الله أن يخبرنا بدلاً من ذلك؟ وماذا لو فعلنا؟ وماذا لو نجحنا في ذلك؟

    

   

منذ أكثر من 400 عام، بين القرن التاسع وأوائل القرن الثالث عشر، كان ذلك بالضبط ما فعله الأوروبيون. في القضايا الجنائية الصعبة، وعندما كانت الأدلة "العادية" غائبة، طلبت أنظمتهم القانونية من الله إطلاعهم على الوضع الجنائي للمدعى عليه. وكانت طريقة طلبهم ذلك هي المحاكمات بالتعذيب.

  

اتخذت محاكمات التعذيب عدة أشكال واختبارات،  بداية بغمس المدعى عليه في بركة من المياه المقدسة وصولا لجعله يسير حافي القدمين على الجمر المشتعل. ولكن كان من بين الاختبارات الأكثر شعبية  هو اختبار الماء المغلي واختبار إمساك الحديد الحارق. في المحاكمة بالاختبار الأول، يدخل المدعى عليه يده في الماء المغلي ويخرج خاتمًا. وفي الثاني، كان عليه أن يحمل قطعة من الحديد المحترق ويمشي بها عدة خطوات.  ثم تُفحص يد المدعى عليه؛ وإذا كانت محترقة فذلك يعني أنه مذنب، أما إذا كانت غير محترقة فهو بريء!
 
كان الكهنة بالكنيسة هم من يترأسون محاكمات التعذيب هذه باعتباره جزء من قداس خاص. وخلال هذا القداس، يطلب الكاهن من الله أن يكشف للمحكمة ذنب المدعى عليه أو براءته من خلال الاختبار، أي أن يدع الماء المغلي والحديد يحرق  يد المدعى عليه إذا كان مذنبا،  أو يحدث معجزة تمنع يد المدعى عليه من أن يُحرق إذا كان بريئا.

 

 وعكست فكرة أن الله سيستجيب لطلب الكاهن بهذه الطريقة اعتقادا مشهورا في العصور الوسطى، حيث كانت هذه الاختبارات ونتائجها بمثابة "حكم الإله". ولكن كيف استطاعت المحاكم الأوروبية في القرون الوسطى أن تحقق هذا الأمر المستحيل علميا؟
    

   

بسهولة شديدة كما اتضح؛ فلنفترض أنك رجل أوروبي من العصور الوسطى تم اتهامك بسرقة قطة جارتك. تعتقد المحكمة أنك ربما ارتكبت السرقة، لكنها غير متأكدة، لذلك تأمرك  بمواجهة اختبار الماء المغلي. ومثل غيرك من الأوروبيين في العصور الوسطى، أنت تؤمن بحكم الإله، وأن الكاهن- عبر الطقوس المناسبة- يستطيع أن يدعو الله كشف الحقيقة وتحقيق معجزة تمنع الماء من حرقك إذا كنت بريئًا أو العكس.

 

وإذا تعرضت  لهذا الاختبار وأظهر الإله أنك مذنب، فعليك دفع غرامة كبيرة. وإذا أظهر أنك بريء، تُعفى من الغرامة ولا تدفع شيئًا.  وإذا أردت تجنب التعرض لهذه المحاكمة بالتعذيب عليك الاعتراف بذنبك وتدفع الغرامة مخفضة بعض الشيء بسبب إقرارك.
 

ماذا ستفعل؟

لنفترض أنك مذنب وتعرف أنك سرقت قطة الجيران، وكذلك يعرف الإله.  في هذه الحالة، تتوقع أنك إذا خضعت لهذه المحنة، فسيجعل الماء المغلي يحرقك، مما يثبت ذنبك. وبالتالي، يجب عليك دفع غرامة كبيرة بالإضافة لحرق يديك. ولكن إذا اعترفت فستوفر القليل من المال ناهيك عن إنقاذ يدك. لذلك، إذا كنت مذنبا، فإنك ستعترف بلا شك.

 

ولنفترض الآن أنك بريء تعلم أنك لم تسرق قطة جارك. في هذه الحالة، تتوقع أنك إذا خضعت لهذه المحاكمة سيحدث الله معجزة تمنع الماء المغلي من إحراقك، مما يدل على براءتك. وبالتالي  لن تضطر إلى دفع أي غرامة وستبقي يدك سليمة. لذا، إذا كنت بريئًا فستخضع لهذه المحاكمة.

 

هل فهمت الخدعة؟ بسبب إيمانك بحكم الله، فإن طيف الاختبار يقودك إلى اختيار طريق واحد إذا كنت مذنباً - وهو الاعتراف - وطريق آخر إذا كنت بريئًا - وهو الخضوع للاختبار- كاشفا الحقيقة عن ذنبك أو براءتك إلى المحكمة من خلال الاختيار الذي تقوم به. أي أنه بطلب العون من الله على كشف الحقيقة يجبرك النظام القانوني على الاعتراف وإظهار الحقيقة بنفسك تحت سطوة المعتقد. أمر ذكي أليس كذلك؟
    

   

هناك مشكلة واحدة فقط؛ عندما يختار البرئ أن يخضع للاختبار- وتعرف المحكمة أنه برئ- ستحرقه النار بلا شك فيظهر كما لو كان مذنبا! ولكن لتحقيق العدالة، يجب أن تظهر المحكمة للجمهور أنه برئ فعلا وأن في الأمر معجزة. وكان ذلك ببساطة بالتأكد من أن الماء المغلي لم يكن مغليا في الواقع.

 

قدم الكهنة الأوروبيين في العصور الوسطى لأنفسهم مجالا واسعا لتحقيق هذه المعجزة؛ حيث يُعد شخص معين النار المستخدمة للتسخين، ويقوم الكاهن "برش" الماء المقدس فوق الماء المخصص للتعذيب، مما يسمح له بتبريد الماء، ما يرفع القدر من على النار في مرحلة ما بين انشغال الجمهور، كما لم يتم إجراء الاختبار على المدعي عليه الا عندما ينتهي الكاهن من الصلاة، وكل هذه الأمور تضمن أن الماء ليس مغليا. كما يقف المتفرجون على التعذيب على مسافة محترمة من "مسرح" الاختبار، مما يمكّن الكاهن من تنفيذ تلاعباته دون أن يكتشفها أحد. كما أن الكاهن هو من يعلن النتيجة النهائية للجموع وهو من يخبرهم هل احترقت اليد أم لا!

 

وهكذا يُحرص على تأكيد " المعجزة" عمليا. على سبيل المثال ، في أوائل القرن الثالث عشر، تعرض 208 متهم في مدينة بالمجر لمحاكمات تعذيب باختبار الحديد الساخن. والمثير للدهشة أن ما يقرب من ثلثي المتهمين لم يصابوا بأذى رغم إمساكهم للحديد الساخن وبالتالي تم تبرئتهم.  وللأمر تفسيران فقط بلا شك؛ إما أن الإله تدخل فعلاً لكشف براءة المتهمين، أو أن الكهنة كانوا يحرصون على أن يكون الحديد غير ساخن.
     

   
في الواقع لم يكن المهم هو إثبات قوة الإله وأحكامه أم ذكاء الأنظمة  القانونية التي استفادت من قناعات المتهمين والناس لإظهار الحقيقة بشكل صحيح. ففي كلتا الحالتين، كانت النتيجة واحدة: وهي  تحسين العدالة الجنائية، بفضل الله.

-------------------------------------------------------

ترجمة (الزهراء جمعة)

هذا التقرير مترجم عن: Aeon ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار