اغلاق
آخر تحديث: 2018/9/26 الساعة 15:59 (مكة المكرمة) الموافق 1440/1/17 هـ

انضم إلينا
ما نقوله وما نعنيه.. كيف نفهم المقصد الحقيقي لحديثنا؟

ما نقوله وما نعنيه.. كيف نفهم المقصد الحقيقي لحديثنا؟

Aeon

مجلة رقمية
  • ض
  • ض

تخيل أنه طُلب منك مراجعة إحدى رسائل التوصية التي قدمها المرشحون للحصول على منصب مُحاضر في مادة الفلسفة، وبينما تقرأ تجد في إحدى الرسائل: "إن طالبي السابق، الدكتور جاك سميث، مهذب ودقيق وودود. تفضلوا بقبول فائق الاحترام، البروفيسور جيل جونز". ربما -باعتبارك محكما للقبول- تترجم هذه الرسالة أن جونز تشير إلى أن سميث ليس مدرس فلسفة جيدا وأنه غير مناسب لهذا المنصب. لكن كيف نقلت هذه الرسالة؟ من خلال ما لم تذكره جونز بالطبع، فإنها لم تقل (حرفيا) إنه سيئ، لكنها لم تذكر كونه مدرس فلسفة جيدا كذلك. ومع ذلك فقد كانت الرسالة سلبية وفقا للسياق التي أُرسلت فيه.

 

عندما ننقل رسالة بطريقة غير مباشرة كهذه، يقول علماء اللغة إننا نرسم تأويلا للمعنى، ويشيرون إلى المعنى المذكور باسم الصورة التأويلية. وصاغ هذه المصطلحات الفيلسوف البريطاني بول غريس (1913-1988)، الذي درس التأويل في بحثه الكلاسيكي "المنطق والمحادثة" (1975)، وفيه ميّز غريس أشكالا متعددة من التأويلات والمعاني الضمنية، وأهمها التلاعب بالكلمات والصورة التأويلية.

  

الفيلسوف البريطاني بول غريس (مواقع التواصل الاجتماعي)

   

ويقول غريس إن المعنى الضمني لا يعتمد على دلالة الكلمات المستخدمة وحدها، بل على طريقة استخدام الكلمات وتفسيرها عند المتلقي كذلك. وقال إنها تنشأ لأن المتكلمين يُتوقع أن يكونوا في علاقة تعاونية لإتمام المحادثة التي يتشاركون فيها. وبمعنى آخر، من المتوقع أن يتبع المتحاور أربع قواعد كلامية، يمكن تلخيصها على النحو التالي: أولا إعطاء كمية مناسبة من المعلومات (قاعدة الكمية)، ثانيا إعطاء المعلومات الصحيحة (قاعدة الجودة)، وثالثا إعطاء المعلومات ذات الصلة (قاعدة الصلة)، ورابعا إعطاء المعلومات بوضوح (قاعدة الطريقة).
 
وفقا لـ غريس، تنشأ الصورة التأويلية والمعنى الضمني عندما يخالف الكلام واحدة أو أكثر من هذه القواعد؛ في مثل هذه الحالات، يمكننا افتراض أن المتكلّم لا يكون متعاونا إلا بتفسير ما يقوله وإلا ستصل رسالة أخرى غير المعنى الحرفي، وهذا هو المعنى الضمني. وتُعدّ رسالة توصية جونز خير مثال على ذلك، فقد أتعبت نفسها بكتابتها لنفترض أنها تحاول تقديم مساهمة تعاونية، غير أن المعلومات التي تقدمها غير كافية ومختزلة بشكل واضح، ما يبيّن أنها قللت من قاعدة الكمية مثلا، ومن ثم نستنتج أنها تحاول نقل شيء آخر لا ترغب في قوله مباشرة، والاستنتاج الواضح هو أن ما تحاول قوله هو إن سميث غير مناسب لهذا المنصب.

 
وهناك أمثلة أخرى، كأن نقول: "طريقة تصرف لطيفة" (تجاهل قاعدة الجودة) في الإشارة إلى تصرف سيئ قام به أحدهم، أو تغيير الموضوع والانتقال إلى موضوع آخر (تجاهل قاعدة الصلة) للإشارة إلى أن ملاحظتك أو تعليقك غير مستساغ، أو وصف شيء بطريقة غير معتادة (متجاهلا قاعدة الطريقة) للإشارة إلى المعنى المناقض، مثل الإشارة إلى حصان متهالك بأنه "فرس". وفي الأمثلة المذكورة يتجاهل المتحدث إحدى القواعد فينشأ التأويل عند المتلقي.

 

في رأي غريس، إن الرابط بين الكلمات المنطوقة وأي صور تأويلية أخرى تحملها هو المنطق العقلاني، حيث يمكن استنتاج المعاني المتضمنة بكل سهولة بالنظر إلى القواعد الأربع وتماشيها مع المعنى الحرفي لكلماتهم وتفاصيل السياق والمعرفة الأساسية. ولا يدّعي غريس أن المستمعين يقومون بهذه العملية ومراحلها الطويلة عند اكتشاف تأويل مستتر ما -حيث قد يفهمونها بشكل حدسي- لكنه يصر على أنه يمكن دائما اكتشاف هذه التأويلات اعتمادا على هذه القواعد.

   

   

ويبرز العديد من السمات المميزة للصور التأويلية، بما في ذلك كونها قابلة للإلغاء، وغير قابلة للفصل، وغير محددة. يمكن إلغاؤها بإضافة عبارة أخرى توضح أن المتحدث قد "خرج" مؤقتا من اتباع القواعد. مثلا، إذا عدنا إلى رسالة جونز كان بإمكانها أن تضيف عبارة توضيحية تقول: "لكن هذا لا يعني أنه مدرس فلسفة سيئ". ولا يمكن فصلها حيث إنها (مع بعض الاستثناءات) مشتقة من محتوى ما يقوله المتحدث. وأخيرا، هي غير محددة لأنه قد يكون هناك عدد غير محدود من التفسيرات المختلفة التي يحافظ كل منها على افتراض أن المتحدث متعاون في كلامه. على سبيل المثال، في قوله: "جولييت هي الشمس"، يمكن تفسير جملة روميو بطرق عدة، فقد يعني أن جولييت جميلة، أو قد يعني أنها معطاءة، أو قد يعني أنها مشعة الوجه، وكل هذه المعاني تساهم في الصورة التأويلية التي ترتسم لدى السامع أو القارئ. وعادة ما يتم تصميم الاستعارات والمحسنات البديعية اللغوية الأخرى في كل لغة لتوليد هذه التأويلات والمعاني الجديدة والمتنوعة وغير المحددة.

  

إن التمييز بين ما يقال وما هو مخبأ ضمنيا في المحادثة ليس مجرد تمييز فلسفي أو تقني، بل إنه يسلط الضوء على مدى كون الاتصال البشري براغماتيا وغير حرفي. حيث نعتمد بشكل روتيني -يكاد يكون فطريا- على الدلالة والتأويل والصور لإكمال وإثراء تواصلنا، وبالتالي توفير الوقت وإنشاء طريقة سرية لنقل المعلومات الحساسة. لكن هذه الراحة تخلق مشاكل أخلاقية وقانونية. فهل يجب أن نُحاسب على ما نقوله ضمنيا كما نُحاسب على ما نفصح عنه؟

  

خلال جلسة استماع في قضية إفلاس في عام 1966، سُئل المنتج السينمائي الأميركي صامويل برونستون إذا كان لديه حساب مصرفي في سويسرا، فأجاب: "كان لدى الشركة حساب هناك لمدة ستة أشهر، في زيوريخ"، مما يدل على أنه هو نفسه لم يكن لديه حساب، وإلا فلماذا لم يقل ذلك مباشرة؟ وهذه الرسالة المتضمنة، التي كانت تأويلا من المستمع لم تكن صحيحة. فهل ارتكب برونستون شهادة الزور؟ لم يقل في الحقيقة أي شيء زائف، لكنه أُدين بشهادة الزور فعلا. (أبطلت المحكمة العليا الأميركية الإدانة في وقت لاحق).

  

وتُنشِئ مثلا هذه المواقف قضايا أخرى تخص الموافقة أو المشاركة في ارتكاب فعل ما؛ فأن يقول أحدهم لامرأة ما: "هل ترغبين في الصعود معي؟" فإن ما قاله حرفيا يختلف عما يحمله من معنى ضمني وهو دعوة لممارسة الجنس. فإذا وافقت المرأة هنا هل تكون موافقة على ممارسة الجنس؟ ألاحظت الصورة التأويلية أم لا؟
     

   
وقد يقول البعض إنه لتفادي الخلافات والارتباك ربما ينبغي لنا أن نستخدم التأويل بنسب أقل والتواصل بشكل أكثر وضوحا ومباشرة، ولكن هل هذه نصيحة مفيدة حقا؟ بالنظر إلى مدى اعتماد التواصل البشري على التأويلات والاستعارات والإشارات الضمنية؟

 
لا يقبل جميع الفلاسفة واللغويين تفسير غريس لكيفية عمل المعنى الضمني والصورة التأويلية، لكنهم جميعا يتفقون أنها ظاهرة حقيقة منتشرة بشدة في التواصل البشري، وأنها طريقة أخرى لتفكّر مليا في الفارق بين ما يقوله أحدهم وما يعنيه حقا.

----------------------------------------------------------

ترجمة: الزهراء جمعة

هذا التقرير مترجم عن: Aeon ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار