هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
هل نستطيع فهم شخصيتنا الحقيقية من خلال ما نمتلكه؟

هل نستطيع فهم شخصيتنا الحقيقية من خلال ما نمتلكه؟

Psychology Today

مجلة عملية
  • ض
  • ض
مقدّمة

ترتبط ممتلكات الإنسان بهويته بطرق قد لا ندركها حتى نحاول التخلص منها. يدفعنا الضغط الشعبي المتزايد باتجاه تبسيط حياتنا من خلال تقليص ممتلكاتنا إلى مواجهة الذات "المادية" لدينا، ولا يوجد سوى عدد قليل من الحلول الناجعة لتجاوز ذلك.

  

تشعر ماكس دانيلز بالبؤس. بعد أن اضطرت إلى العيش لمدة عامين مع الضوضاء المتواصلة من جراء أعمال البناء في حيّها في كامبردج، بولاية ماساتشوستس، أصبحت أعصابها متوترة، فقررت الرحيل عن المدينة والانتقال إلى منزل جديد في مدينة ماربلهيد الساحلية الهادئة والوديعة. لكن عند توضيب ممتلكاتها من أجل الانتقال، أجبرت نفسها على التخلّص من الكثير من الممتلكات، مستلهمة شعار الشاعرة اليابانية ماري كوندو، التي تحث كتبها الأكثر مبيعا القراء، قبل كل شيء، على التخلص من أي ممتلكات لا تجلب لهم "الفرح". ولكن بعد أن استقرّت في منزلها الجديد المكون من ثلاث غرف نوم، وجدت دانيلز نفسها بقلب مليء بالندم: "لماذا تخلصت من العديد من الكتب القريبة إلى قلبي؟ لماذا رميت جهاز الراديو المفضل الذي كان يملكه والدي الراحل؟ أدركت عندها أنه لم يكن لدي سبب لتوفير المساحة فأنا لا أعيش في طوكيو!".

    

   

كانت دانيلز، وهي مدربة حياة، قد وجدت في البداية مغزى جيدا في الكثير من عناصر نظام الحياة المبسّطة التي تشرحه كوندو في كتابيها "سحر الترتيب المغيّر للحياة" و"شرارة الفرح"، وتقول إنها لا تفتقد ٩٥% من الأشياء التي تخلصت منها. لكنها تدرك أيضا أن مزاجها أثّر كثيرا في اتخاذها لذلك القرار. "بالنسبة لشخص مثلي، لديه شخصية تحبّذ التخلص من الأشياء دفعة واحدة، فإنه من السهل الاعتقاد أن اتخاذ إجراء شامل مباشرة سيجعلك تشعر بتحسن"، تقول: "ولكن إذا كنت تشعر بالكآبة، فلا شيء سوف يجلب لك الفرح".

  

ليست دانيلز الوحيدة التي تشعر بأنها قد بالغت في الرغبة في التخلص من ممتلكاتها. ففي جميع أنحاء العالم، يدفع "جنون كوندو" الناس للتخلص من محتويات الخزانات والأدراج لديهم بأكملها، على أمل أن يبسّطوا مقتنياتهم ويحتفظون فقط بالقليل من الأغراض المهمة والثمينة. إن هذا جزء من ظاهرة أكبر نحو تفضيل البيوت الصغيرة والبسيطة التي تحتوي على مفروشات عالية التنظيم، بعد التخلص من العديد من الأغراض الموروثة. تذهب هذه الأغراض القديمة، التي غالبا ما تكون ذات وزن ثقيل مثل مجموعات الصحون ولوازم المائدة، إلى محلات بيع البضائع المستعملة حيث تجلس لوقت طويل فيما يقوم المستهلكون الأصغر سنا بشراء الأثاث الأنيق والخفيف الذي يمكن نقله أو التخلي عنه بسهولة أكبر.

  

يقول باكو اندرهيل، الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة الأبحاث السلوكية إنفيروسيل، إن هذه الظاهرة ليست عابرة، بل هي نتيجة لمراوحة من العوامل الاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية التي من المحتمل أن يطول تأثيرها. فمع تحويل الكثير من الأشياء المادية إلى العالم الافتراضي، فإننا لا نحتاج إلى العديد من أرفف الكتب وأبراج الأسطوانات المدمجة مثلا. وفي الوقت نفسه، فإن الرواتب والأجور قد راوحت مكانها، فيما بدأت الحدود بين المكتب والمنزل تختفي، وأصبحت النساء الآن تمثّل نصف القوى العاملة تقريبا. ونتيجة لذلك، لا تمتلك العائلات الموارد العقلية أو الوقت الكافي لإدارة وصيانة ممتلكاتها التي تجمع الغبار، فمن الأسهل تنظيف الأسطح الفارغة والمفروشات البسيطة. كما تمنح الحياة المهنية المستجدة النساء منافذ متنوعة للتعبير الشخصي أكثر مما كان يتوفر لأمهّاتهن وجدّاتهن، اللواتي ربما استثمرن طاقة كبيرة في الرعاية بالمنزل.

   

قد يجعل ذلك مهمة عالم النفس في جامعة تكساس في أوستن سام غوسلينج أكثر صعوبة. يركّز غوسلينج أبحاثه على تقييم الشخصية على أساس الطريقة التي يستخدم بها الأفراد مساحاتهم وتزيينها، لكن البيوت المؤثثة بشكل مبسّط تشكّل تحديا لفريق عمله نظرا لأن القليل من الأشياء تعني وجود كمية أقل من المعلومات والبيانات للدراسة والتقييم.

  

 أوستن سام غوسلينج (مواقع التواصل الاجتماعي)

   

النفس وأشياؤها

نحن نعرض أشياءنا لنخبر العالم من نحن، يقول غوسلينج، مؤلف كتاب "Snoop: What Your Stuff Says About You" (ما تقوله أغراضك عنك). وسواء أتت تلك الرسالة من خلال لوحة زيتية لا تقدر بثمن أو ملصق على زجاج السيارة، ما هو مهم بالنسبة لنا هو أن تصل الرسالة هذه إلى الآخرين. يقول غوسلينج: "يميل الناس إلى أن يكونوا أكثر سعادة وأكثر إنتاجية عندما يكونون قادرين على إقناع الآخرين برؤيتهم كما يرون أنفسهم". وهو يستشهد بعمل زميله في تكساس وليام سوان حول نظرية التحقيق الذاتي، والتي ترى أن رؤيتنا من قبل الآخرين كما نرى أنفسنا هي أكثر أهمية لمعظم الناس من أن ينظر إليهم بشكل إيجابي.

  

عندما يعتقد الآخرون أننا أكثر تفاؤلا، أو أننا رياضيون أو مثقفون أكثر مما نحن عليه في الحقيقة، فإن هذا يجعلنا نشعر بأنه قد أُسيء فهمنا، كما يقول غوسلينج، وقد يؤدي إلى أوضاع متوترة، إذ نحن ندرك أنه في مرحلة ما سيصاب الآخرون بخيبة أمل نتيجة لتصوراتهم غير الدقيقة عنا. يقول: "عندما لا تشعر بأن الآخرين لا يفهمونك، فإن العالم يصبح مكانا لا يمكن التنبؤ به…".

  

نحن من خلال عرض شخصياتنا بواسطة الملابس والمفروشات، نحاول أن نجعل الآخرين يفهمون من نكون. بالطبع، في منازلنا، كما هو الحال مع صفحات وسائل الإعلام الاجتماعية لدينا، نحن أيضا نرتب وننتقي الأفضل والأجمل. يقول غوسلينج: "الأمر معقد… نحن ندرك أن جزءا من المعيار الاجتماعي اليوم هو محاولة إعطاء صورة جيدة عن نفسك. لكن هناك أيضا فرق بين تحسين صورتك وبين إعطاء انطباعات خاطئة عن نفسك. قد تقوم باستعراض كتب ذات ذوق عالٍ في غرفة المعيشة الخاصة بك، ولكن هذه هي أيضا الكتب التي تقدرها حقا".

  

إن الرغبة في إبراز شخصياتنا من خلال ممتلكاتنا هي أحد الأسباب التي تجعل من الصعب التخلص منها. تقول غيل ستيكيتي، عميدة كلية العمل الاجتماعي في جامعة بوسطن، التي تقدم المشورة للأشخاص الذين يعيشون مع اضطراب الاكتناز: "هناك قدر كبير من التعلق بالأشياء يتعلق بتحديد الهوية الشخصية". قد يفتخر عشاق الأدب بأكوام الكتب الكبيرة في مكتباتهم ويشعرون أن التخلص حتى من كتاب واحد يعني فقدان القليل من أنفسهم. وقد يحرص عشاق الطهي بشغف على تخزين القدور والمقالي، حتى لو لم يستخدم سوى عدد قليل منها. لمواجهة هذه النزعات والميول، تحث ستيكيتي الناس على التركيز على النشاط نفسه -من خلال الانضمام إلى نادٍ للقراءة أو استضافة حفل عشاء- بدلا من التركيز على الأدوات. "إن الفنان يكون في وضع أفضل بكثير إذا أمضى وقته في إنجاز الأعمال الفنية عوضا عن تجميع المزيد من المواد والأدوات الفنية"، كما تقول.

    

   

بساطة استعراضية

يتباهى الكثير من أولئك الذين ينجحون في التخلص من كثرة الأغراض والممتلكات التي تسبب الفوضى بـ "إنجازهم". قبل عشر سنوات اشترت جانيت مونرو وزوجها منزلا مساحته ٨٨٠ قدما مربعا قرب بحيرة صغيرة في بليموث بولاية ماساتشوستس، بنيّة هدمه لبناء منزل أكبر منه. فالفرق في الحجم مع منزلهما السابق كان كبيرا، إذ كان حجم خزانة غرفة النوم وحدها ٦٤٠ قدما مربعا. لكن بعد مرور خمس سنوات من التأجيل المستمرّ لمشروع البناء، أدركا أن حياة غير مليئة بالأشياء قد تركتهما أكثر قناعة واسترخاء. "لدينا خزانة واحدة في المنزل بأكمله"، كما تقول مونرو، وهي مديرة برنامج لوكالة رعاية الأطفال. "إنه أمر رائع. في كل مرة نتحدث فيها عن البناء، ندرك أننا لسنا بحاجة إلى كل ذلك".

  

وكما يعلم أي شخص حاول نقل أغراض له في أكياس القمامة إلى الجمعيات الخيرية المحلية، فإن التخلص من الفوضى يعطي المرء شعورا جيدا. ولقد وجدت دراسة شارك في تأليفها أستاذة علم التسويق في جامعة أريزونا كاثرين رستر أن الفوضى الناتجة عن الزيادة في الأغراض "لها علاقة سلبية مباشرة مع الإحساس المرء بالرفاه والسلامة والهوية الذاتية في الفضاء الخاص به".

  

بالطبع، فإن موضوع الفوضى هذا هو ذاتي لا موضوعي. فقد يعطي منظر أرفف الكتب المكتظة بالتذكارات شعورا بالراحة والطمأنينة لشخص منا، فيما قد تجعل شخصا آخر يشعر بالاختناق. وفي الوقت نفسه، قد تبدو غرفة مجردة من أي إشارة إلى الوجود البشري نقية بشكل يدعو للاسترخاء لشخص منا فيما قد تكون منظرا مؤلما لشخص آخر. الأسئلة الرئيسية هنا هي: هل تتدخل أشياؤك -أو عدم وجودها- في مجرى حياتك؟ هل تجعلك تشعر بالإرهاق؟ هل تزعج الأشخاص الذين تعيش معهم لأنك تترك ممتلكاتك في كل مكان، أو لأنك تقوم بترتيب أشيائهم دون إرادتهم؟

  

لا ترغب الفنانة والكاتبة كارليتا جونسون في العيش في منزل يشبه استوديو اليوغا. "لدي أغراض كثيرة"، تقول. "لدي وظائف متعددة، حيوات متعددة، ومجموعات متعددة من الأدوات. أعيش في منطقة بها أربعة فصول. لدي كتبي، ولوحاتي، ولوازمي الفنية، وحتى أغراض لكلبي. أنا إنسانة. أنا لا أعيش في فندق". جونسون سعيدة في منزلها في كنغستون، نيويورك، لكنها تلاحظ أن زوارها يميلون إلى تقديم مواعظ لها عن فضائل التخلص من الأغراض: "يقولون، لديك الكثير من الأشياء. لا يحب اقتناء الكثير من الأشياء. ستشعرين بحرية أكبر دونها".

    

   

أما جنيفر جاكيه، أستاذة الدراسات البيئية في جامعة نيويورك، فهي ترى وجود الكثير من الوعظ في مطالب حركة التقليص من الأغراض. تقول جاكيه، مؤلفة كتاب "هل العار ضروري؟": "في السابق كان لدينا التباهي بالاستهلاك، والآن لدينا المباهاة بالبساطة بالاستهلاك". وهي تعتقد أن هذا الاتجاه مستوحى جزئيا من زيادة الوعي الحقيقي بضرورة شراء مواد مستدامة ومعرفة الظروف التي تم فيها صناعة أشياء مثل الأحذية الرياضة والهواتف الذكية الخاصة بنا، ولكنها تقول إن هذا الاتجاه أيضا يأتي من فكرة أننا نمارس سلطتنا وتأثيرنا من خلال عادات الاستهلاك، وليس من خلال الانخراط المدني. "عندما تنظر إلى كل هذه السرديات، ليس من المستغرب إذن عندما يقول الناس "يجب أن أركز على تطهير حياتي أولا""، كما تقول. "إنها محاولة للسيطرة على عالم فوضوي".

  

ولكن، كما تضيف، فإن اقتناء الأرائك الدنماركيّة الحديثة أو طاولات القهوة ليس أمرا فعّالا من ناحية حماية البيئة. ولقد أبرزت هذه النقطة مؤخرا لأعضاء قسمها الأكاديمي، حيث ستتم إعادة تصميم مكاتبها قريباً بمفروشات خشبية أكثر بساطة. وبينما ستستخدم القطع الجديدة مواد مستدامة، تقول جاكيه بأن الخيار الأقل إضرارا بالبيئة هو الحفاظ على الأثاث القديم. لم تنجح في إقناع القسم بحجتها وهي الآن تتحسر على فقدان أريكتها المفضلة في المكتب. "إنها فخمة ومصنوعة من الريش، لكنني الآن سوف اضطر لاستبدالها بأثاث رديء من إيكيا لأنها من الناحية الجمالية لن تتناسب (مع الديكور الجديد)".

  

كما تقول إن رغبة زملائها في تغيير الأثاث كطريقة لإظهار أهميتهم تشكّل تناقضا تقول إن العديد من الشركات والعائلات يقعون فيه. "هل نحتفظ بأشيائنا القديمة لأننا نريد تقليص حجم النفايات، أم أننا نقوم بتحسين الأثاث لأننا نريد أن يفكر الناس في أنه لدينا مجموعة من القيم المعينة، في حين إن هذه القيم غير متأصلة في مثل هذه القرارات؟".

   

على الرغم من أن الاستدامة أصبحت مصطلحا شعبيا، فإن دراسة أجراها أستاذ الإدارة والتسويق إيان ديفيز من جامعة باث وجدت أن حماية الكوكب ليس هو الدافع الرئيسي لشراء سلع صديقة للبيئة لدى الناس. أجرى ديفيس مقابلات مع ٣٩ امرأة اشترت في كثير من الأحيان الملابس من تجار التجزئة الذين يركزون على الاستدامة. وفي حين قال المستهلكون إنهم كانوا يرغبون في تقليل النفايات ودعم البيئة، لم يعرب أي منهم عن رغبته في الانضمام إلى حركة بيئية، بل على العكس من ذلك، ما أرادوه هو أن يكون مظهرهم متميزا وهم يرتدون مثلا الثياب المصنوعة من ألياف الخيزران.

     

   

"ليس هناك شهية كبيرة لدى هؤلاء المستهلكين لتغيير السوق"، كما كتب ديفيز في مجلة سلوك المستهلك. "إنهم لا يتصرفون فعلا كناشطين ويظهرون تردّدا حول فكرة تغيير سلوك الآخرين. كما يرون خيارهم الاستهلاكي كشيء يميزهم عن الأعراف الاجتماعية ويحبون الفردية التي يخلقها. تفسيرنا هو أنه إذا تحول أسلوبهم إلى موضة جديدة فإن العديد من هؤلاء المستهلكين يشعرون بالاستياء من المستهلكين العاديين الذين قد يسيرون في خطاهم"!

  

موت الأغراض المتوارثة

خلال نشأتها لم تقم باتي تشانغ بالربط بين منزلها وهويتها. عاشت أسرتها المهاجرة الصينية في شقة صغيرة مستأجرة مع القليل من الزخارف والأمتعة. أنكر هي اليوم كاتبة ولقد تحدثت عن حياتها المتنقلة في كتابها، تقول: "الكثير من أغراضنا كانت أشياء تلقّيناها من الآخرين أو تم شراؤها خلال الحسومات. كان لدي غرفة بها أربعة جدران بيضاء ولم يسمح لي بتغييرها سوى بوضع ملصقات عليها".

  

بعد فقدانهم لممتلكاتهم التي تركوها في الصين، قام أهل أنكر بالادخار بشق الأنفس لابتياع أغراض يمكن أن تشكل "إرثا" يورّث إلى أطفالهم وأحفادهم، فمنحوا أنكر مكتبا ثمينا ومجهزا بشكل جيد، لكنها أدركت لاحقا أنه لا يناسبها. أخبرتهم بشيء من الخوف أنها سوف تستبدله بمكتب من متجر بوتري بارن للأثاث الجاهز، وتنفست الصعداء عندما لم يغضبوا منها، وتقول: "أنا مسرورة لأن العلاقة لم تكن بهذه الهشاشة، ولأن والديّ أظهرا القدرة على التطور والمضي قدما".

  

وتتردد أنكر الآن على مزادات الأثاث بالقرب من منزلها في بليزنتفيل، نيويورك، حيث اكتشفت أنها ليست الوحيدة التي تقوم بالتخلص من أغراض قديمة متوارثة من الأهل، وتقول: "أنت ستدرك أن جميع الأشخاص البالغين الذين تُوفّي أهلهم لا يريدون تلك الأشياء"، "إنهم لا يحتاجون إلى ثلاث مجموعات للوازم المائدة. من يحتاج حتى إلى غرفة طعام رسمية؟ لا أحد يعيش بهذه الطريقة اليوم".

  

إن الطريقة التي نستخدم بها منازلنا اليوم مختلفة تماما عما كانت عليه منذ جيل مضى، كما يقول أندرهيل. مثلا فالمنازل المعاصرة التي تحتوي على غرفتي نوم رئيسيتين هي الآن أكثر طلبا لأن العائلة النووية التقليدية -والدان متزوجان وأطفالهما- أصبحت تشكل أقلية: إذ يقوم عدد متزايد من الناس بتقاسم المنازل مع رفقاء السكن أو الأشقاء أو الآباء المسنين. وداخل هذه المنازل، لم نعد نفصل الأنشطة بحسب نوع الغرفة أيضا. نقوم بمشاهدة الأفلام في السرير، ونتلقى مكالمات جماعية من البلكونة الخلفية، ونشجّع الأطفال على القيام بالواجبات المنزلية على طاولة المطبخ، بدلا من تركهم يلعبون على الإنترنت في غرفهم.

     

   

"أحب تناول فنجان من القهوة والخبز المحمص في السرير"، يقول أندرهيل، الذي يستمتع بوجبة الإفطار أثناء تصفح بريده والإنترنت قبل بدء يوم عمله. لكن زوجته التركية احتاجت بعض الوقت لتقبّل هذا الاتجاه الجديد. "عندما كانت صغيرة، لم يكن أحد يأكل في غرف النوم"!

  

فوضى أو راحة؟

بالنسبة لشخص كتب كتابا يدافع عن الفوضى، فإن العالم الاقتصادي البريطاني تيم هارفورد إيجابي بشكل غريب تجاه مبادئ ماري كوندو. يقول هارفورد إن فلسفتها ساعدته في توضيح علاقته العاطفية بالعديد من الأشياء عندما قام التخلص من فائض الأغراض في منزله بأكسفورد، إنجلترا. أثناء عملية تطهير مؤخرة لبيته، وجد كتابا مدرسيا قديما لم يعد له قيمة كمادة مرجعية -حيث إن المشروع الذي استشاره من أجله كان قد اكتمل قبل ذلك بسنوات- لكنه احتفظ به لفترة طويلة بعد التخلص من العديد من الكتب المشابهة. السبب: كان الكتاب يذكره بأمه.

  

ففي الوقت الذي كان يقرأ هذا الكتاب، يقول هارفورد، كانت أمه تحتضر. يقول مؤلف كتاب "قوة الفوضى في تحويل حياتنا": "لقد كان وقتا عاطفيا، ولدي ذكرى جلية جدا عن الجلوس على المقعد وقراءته في المستشفى".

  

في حين أننا نستخدم بعض الممتلكات للتعريف بشخصيتنا أو تراثنا أو قيمنا، فإننا نحتفظ بأشياء أخرى لأنفسنا وحدنا. صورة العائلة على منضدتك أو مكتبك تخدم غرضا مختلفا عن تلك التي تضعها في غرفة المعيشة. يقول غوسلينج: "هذه منظمات للفكر والشعور ونستخدمها لجعلنا نفكر ونشعر بطرق وأشياء معينة".

  

إن أغراضا مثل الأشرطة القديمة أو بطانيات الأطفال لديها القدرة على نقلنا إلى الوراء في الزمن في الوقت المناسب، وهذا هو سبب صعوبة التخلص منها، كما يقول أستاذ علم النفس بجامعة سميث راندي فروست (...). يقول: "تملك الممتلكات والأغراض خصائص سحرية، ولها جوهر يتعدى خصائصها المادية". "إذا أخذنا مثلا ذيل تذكرة (حفل موسيقي)، فلا يوجد شيء مميز حول خصائصه المادية، ولكن هناك ذاكرة ترتبط به. إنه يستدعي تلك التجربة بطريقة مكثّفة تذهب أبعد من ذاكرتك المجردة حول الحفل".

    

   

تكمن المشكلة عندما يثير كل غرض تملكه مثل هذه الذكريات، ولذا فإننا نحتفظ بها جميعا خوفا من فقدان تلك اللحظات، أو إهانة أصحابها السابقين. هذا ما حصل مع ماكس دانيلز التي أظهرت تعلّقا بجهاز راديو والدها. كانت تعرف أنها لن تشغّله أبدا، أو حتى تعرضه في منزلها، لكنها شعرت بالذنب بعد التخلص منه. "والدي لا يعيش داخل الراديو، إنه في قلبي"، كما تقول. "لذلك أنا لا أعرف لماذا أركز على هذا الراديو الغبي. ربما يتعلق الأمر بمشاعر معينة مثل الشعور بأنه كان بإمكاني أن أكون ابنة أفضل له".

  

تقول ستيكيتي: "إن الكثير من الأطفال الثكالى يقعون في هذه الحلقة. يعتقد الناس أنهم إذا رموا بإبريق الشاي الذي ورثوه من والدتهم، فهم كأنهم يعترضون عليه. ولكنها إذا كانت متوفية، فهي لن تهتم، وإذا كان لأمك مكان خاص في قلبك فإن هذا الغرض ليس مهما حقا. إن الشعور بالذنب هو عاطفة مفيدة إذا فعلت شيئا خاطئا، ولكنك إذا لم تخطئ فالذنب هو فقط عقبة في طريقك".

  

عندما تُبقي العاطفة الناس متشبثين بالأشياء التي لا تخدمهم، يقوم راندي فروست بتشجيعهم على سرد قصة كل منها -كيف حصلوا عليها، وماذا تعني لهم- ثم أن يفكروا بكيفية تناسبها مع حياتهم الآن. في حين إن هذه العملية تستغرق وقتا طويلا، فإنه يمكن لها أن تعزز مهارات صنع القرار. "في نهاية المطاف سوف تكون قادرا على اتخاذ هذه القرارات على نطاق أوسع"، يقول.

  

لا تحتاج إلى معالج نفسي للاستماع إلى قصتك عن مجموعة الحلوى أو مجموعة بطاقات البيسبول، أي شخص يمكنه فعل ذلك، بمن فيهم الشخص الغريب الذي قد تبيع أغراضك إليه. "حتى إذا كان المشتري لا يهتم بالقصة، فهو يساعدك على إحياء الذاكرة والقول وداعا لها"، يقول روستر.

  

بالنسبة لهارفورد، فإن إدراك سبب إبقائه على ذلك الكتاب المدرسي ساعده في وضعه خلفه. "إن كتابا عن الاقتصاد ليس ذكرى مناسبة عن أمي، لذلك أصبحت قادرا على القول"، هذا الشيء كان جزءا من لحظة في حياتي، شكرا. "ثم تبرعت به دون الشعور بأي ندم".

    

   

جاذبية المنزل المثالي

سارة آشمان جيليسبي مهووسة بكاتالوغات التسوق المنزلي. حاولت جاهدة طوال حياتها أن تطوي مناشفها بشكل متقن ومثالي للصور الفوتوغرافية، وقد خصصت ساعات لا حصر لها لترتيب الخزانات والأدراج في منزلها. تقول جيليسبي، وهي مسؤولة تنفيذية متقاعدة في مجال النشر تعيش في ضواحي نيويورك: "يمكنني أن أجعل درج المطبخ جميلا جدا، حيث كل شيء أنيق ومفصول بفواصل جميلة… لكن بعد ثلاثة أشهر، سوف يتم تكديسها بالكامل مرة أخرى".

 

ليس كل شيء في منزل الشخص له معنى عميق أو بُعد عاطفي. الكثير منها هو مجرد أشياء. عندما تترك فرشاة شعر في الحمام أو تعلّق قميصا فوق "الدرابزين"، فأنت على الأرجح لا تعبر عن قيمك أو شخصيتك. أنت على الأرجح لا تفكر في هذه القضايا على الإطلاق. مثل هذه الآثار المادية لأنشطتنا هي ما يطلق عليه غوسلينج مصطلح "الرواسب السلوكية" إذ يقول: "هذه الفوضى تعكس فقط حقيقة أننا لا نعيد توضيب الأشياء عندما ننتهي منها".

  

وكما يعلم أي شخص عاش مع إنسان آخر، فإن حجم الرواسب السلوكية التي نتركها في أعقابنا يختلف بشكل كبير من شخص لآخر. يرتبط ميلنا نحو الترتيب بالسمات الشخصية مثل الوعي الضميري، والتي هي ثابتة نسبيا في الأفراد. يقول غوسلينج: "إن الأشخاص الذين لديهم وعي عالٍ يرون الأشياء التي لا يراها الآخرون". هل سبق لك أن زرت منزل أحد الأصدقاء وهو في حالة جيدة ونظيفة وطلب منك على الرغم من ذلك أن تسامحه على الفوضى؟ يقول: "لا أعتقد أنهم يبالغون، ففي نظرهم، كل شيء فوضوي".

  

يقارن جوسلينج مكتبه غير المرتب بمكتب زميلة له، حيث تم ترتيب المجلات المرتبة أبجديا، يقول: "إذا حرّكت أحد أقلام الرصاص في مكتبها، فسوف تلاحظ ذلك على الفور. لكن يمكنك قلب أكثر من نصف الكتب في مكتبي، ولن ألاحظ ذلك لفترة طويلة".

    

   

بعبارة أخرى، من المحتمل أن تكون جهود جيليسبي لجعل منزلها شبيها بمجلة تسوّق قضية خاسرة، وهو استنتاج تقول إنها استوعبته أخيرا. الآن، بدلا من محاولة ترتيب كل أدواتها بشكل مثالي، تسعى جاهدة لتكريس وقتها للأنشطة التي تستمتع بها حقا، مثل الرقص والغناء. "مع تقدمي في السن، أصبح وقتي أقصر. كيف أريد أن أنفقه؟ ربما ليس في خلق درج مطبخ مثالي".

  

وجوه مختلفة، مساحات مختلفة

باستخدام طريقة كوندو في التقليص من العدد المفرط من الممتلكات، نجح هارفورد في الحفاظ على نظافة وترتيب مطبخه وغرفة نومه. غير أن الأسطح في مكتبه في المنزل تغطيها الصحف، ولقد اعتاد على ملامة نفسه بسبب هذا "الفشل". ولكن بعد قيامه بدراسة الموضوع أكثر، أدرك هارفورد أن مساحات العمل يجب أن تكون مختلفة تماما عن غرف النوم أو المطابخ لأنها أكثر ديناميكية. فالصحون والملابس تعود دوما إلى مكان التخزين نفسه. لكن يجب أن تكون أسطح المكتب، المادية والرقمية، أكثر مرونة. "لا يمكنك أن تأخذ كل بريد إلكتروني وتقول: هل يثير هذا الفرح أم لا؟"، يقول هارفورد في إشارة إلى طريقة كوندو. "الكثير من الأشياء التي تصل إلى سطح المكتب ليس لديها مكان أو فئة واضحة. يمكن أن تكون شرارة فكرة ستتحول إلى شيء كبير، ولكن الأمر يستغرق بعض الوقت لمعرفة ذلك".

  

لذلك فهو، مثل معظمنا، يضع هذه الأشياء في كومة، وهو عمل يبدو وكأنه فوضوي، ولكنه قد يكون في الواقع أكثر الطرق حكمة للتعامل مع أغراض المكتب. فلقد وجدت دراسة أجراها عالم النفس في جامعة كاليفورنيا في سانتا كروز ستيف ويتاكر أن الأشخاص الذين يضعون الأوراق في مجموعة غير مرتّبة لفترة (ولكن ليس إلى الأبد) عملوا بشكل أكثر فاعلية من أولئك الذين قاموا بترتيب كل شيء على الفور، إذ يميل هؤلاء المرتّبون القهريون إلى إخفاء الأمور عن الأنظار قبل فهمهم الكامل لأهميتها.

  

كيف يمكننا معرفة ما إذا كنا بحاجة إلى تغيير عاداتنا؟ يشجع روستر الترتيب والتبسيط، ولكنه يقول إن شريحة صغيرة فقط من السكان هي على استعداد للذهاب إلى آخر الطريق نحو التبسيط المتطرف. يقول: "إن الفوضى أمر طبيعي… في جميع دراساتنا، وجدنا أن معظم الناس لديهم درجة معينة من ذلك. يختلف الحد التي يصبح ذلك غير صحي فيه بين فرد وآخر".

    

   

يمكن أن تساعد المبادئ والأدلة الإرشادية، ولكن من المهم أن نتذكر أن العديد من الناس يعيشون حياة غنية ومنتجة، حتى مع وجود فوضى في غرفهم ومطابخهم. من جانبه، وجد هارفورد أنه ليس الوحيد الذي يعاني من الفوضى العارمة في مكتبه. في جولة لترويج كتابه عن الفوضى، اكتشف أن العديد من المراسلين الذين أجروا معه مقابلة أعربوا عن ارتياح ملموس عندما شارك نتائجه حول فوائد امتلاك مكتب غير مرتب.

  

يقول: "لا أستطيع أن أحصي عدد الصحفيين الناجحين ومضيفي التلفزيون الذين قالوا: "أوه، أشعر بتحسن كبير الآن"، لقد كان الأمر غريبا، وكانوا أشخاصا ناجحين، وكانوا يعرفون أنهم أشخاص ناجحون، ومع ذلك كانوا ما زالوا يلومون أنفسهم حول هذا الأمر".

  

يلاحظ هارفورد أن بنجامين فرانكلين كتب بالقرب من نهاية حياته أنه أصيب بخيبة أمل لأنه لم يتقن فضيلة التنظيم. "أنا أحب فكرة فرانكلين وهو يلوم نفسه لأنه لا يستطيع ترتيب مكتبه"، يقول. "لو كان فقط لديه مكتب أنيق، ربما كان قد حقق شيئا حقيقيا في حياته" يضيف ساخرا.

  

فرانكلين كان قد سبق زمنه في فلسفته كما في "قلقه". لو كان على قيد الحياة اليوم، كانت سوف تنصحه ستيكيتي بأن أفضل طريقة للحفاظ على نمط حياة أكثر بساطة هي عدم شراء الكثير من الأشياء في المقام الأول، لأنه سيكون دائما "من الأسهل تعلم كيفية التحكم في الاقتناء".

    

   

هذا صحيح بالنسبة لدانيلز، التي لم تشترِ أي ملابس جديدة لمدة عام وقلّصت أيضا من مشترياتها الأخرى. "أنا أعرف طبيعة هذه الحلقة، لذلك من السهل التحكم بها"، كما تقول. "أنا أسأل نفسي، أين سأضع هذا الغرض؟ إلى متى سأستمتع به؟ كم من الوقت قبل أن يذهب إلى التخزين في العلية؟ ثم كم من الوقت قبل أن أتخلص منه؟".

  

لكن جونسون لم يغير شيئا: "في العصور الوسطى، كانت أول علامة على القداسة هي التخلص من ممتلكاتك، والتوقف عن الحاجة إلى تناول الطعام أو الشراب… يمكنني أن أؤكد أنني لست قديسا".

------------------------------------------------------

ترجمة (كريم طرابلسي)

هذا التقرير مترجم عن: Psychology Today ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار