انضم إلينا
اغلاق
بوبي فيشر والعبقرية المدمرة.. الشطرنج كأحد أسلحة الحرب الباردة

بوبي فيشر والعبقرية المدمرة.. الشطرنج كأحد أسلحة الحرب الباردة

محمد السعدني

محرر فن
  • ض
  • ض

الساعة الخامسة مساء يوم الثلاثاء الموافق 11 يوليو/تموز 1972 يملأ الجمهور مقاعده في قاعة لوغاردشول في مجمع ريكيافيك الرياضي بآيسلندا، الروسي بطل العالم للشطرنج بوريس سباسكي البالغ من العمر 35 عاما يجلس وحده على رقعة الشطرنج، ليلعب بالأبيض، على رأس الساعة يضغط الحكم الألماني لوثار شميدا زر بدء المباراة. سباسكي يلتقط بيده اليمنى البيدق ويحركه مربعين إلى الأمام في محاولة للدفاع عن لقبه كبطل للاتحاد السوفيتي منذ ثلاثة أعوام ولقب بلاده دون انقطاع منذ الحرب العالمية الثانية. في الطرف الآخر من الرقعة كرسي دوار مكسو بالجلود السوداء فارغ تماما حتى الآن وقد يظل فارغا حتى نهاية المباراة. (1)

    

لحظة تاريخية يجلس فيها بوريس سباسكي وحيدا أمام كرسي بوبي فيشر الفارغ بالمباراة النهائية لبطولة العالم للشطرنج (مواقع التواصل)

   

بعد 6 دقائق من بدء المباراة يصل المنافس الأميركي بوبي فيشر، تنفس الجمهور الصعداء، بوبي كان من الممكن أن لا يظهر على الإطلاق، الآن يد كبيرة تصل إلى رقعة الشطرنج، تنقل فارس الملك الأسود إلى المربع f6 لتبدأ مباراة، تعد مباراة القرن من كل الجوانب. الحضور والجمهور والمحللون يعرفون الآن أنهم يحضرون مباراة هي الأهم عبر التاريخ. (1)

 

"إذا لم يكن بإمكانك شن حرب نووية، فبإمكانك إحراز بطولة العالم للشطرنج"

(جون فيدنو)

 

منذ بطرس الأكبر وروسيا هي الدولة الأكثر إنتاجا لأبطال الشطرنج في العالم، بدأت سيطرة الروس على اللعبة إبان الحرب العالمية الثانية، واستُخدم الشطرنج سياسيا في رسالة إلى العالم بأن "النظام الشيوعي هو الأقدر على إنتاج رجال مفكرين". كان الاتحاد السوفيتي آنذاك ممثلا في بوريس سباسكي، والولايات المتحدة الأميركية ممثلة في بوبي فيشر، وكان لا يخفى على الجماهير والمتابعين تأثير هذه المباراة ودورها في اللعبة السياسية، مما صنع زخما إعلاميا كبيرا. (2)

   

كانت المباراة غارقة في صبغة سياسية في ذروة الحرب الباردة، وكان لقب العالم حكرا على رجال الاتحاد السوفيتي، السوفييت يدعمون اللعبة ويدفعون بالموهبة تلو الأخرى، في حين أن فيشر درس الشطرنج في عزلته، كانت موارد الاتحاد السوفيتي كلها تحت قدم سباسكي، وكانت القيادة السوفيتية ورجال المجال الرياضي الروس جميعا مهتمين بقضية واحدة هي كيفية منع فيشر الأميركي من أن يصبح بطل العالم. (2)

   

لماذا تأخر فيشر عن المباراة؟

لم يكن فيشر قد وقّع أي أوراق توثق مشاركته في المباراة، أشياء كثيرة لم تعجبه ليضع شروطه عليها كالنسب المئوية لحقوق البث التلفزيوني، وقدر الجائزة المالية للفائز، حيث تبرع أحد محبي الشطرنج البريطانيين "بولي أوت" للجائزة آنذاك بـ 125.000 دولار، كما اتصل هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي وقتها بفيشر كل ذلك لإقناعه بالمشاركة: "نريدك أن تذهب إلى آيسلندا لتهزم الاتحاد السوفيتي". (3)

   

 

بدأت المباراة التي يجب الفوز فيها بأي ثمن من قِبل الطرفين، يخسر فيشر أول جولتين على نحو غير متوقع، فيشر الذي انشغل بنزاعه مع الكاميرات ورفض اللعب إلا إذا أزيلت كاميرات التلفزيون من قاعة اللعب. وافق سباسكي على رغبة فيشر أن ينتقل اللعب إلى غرفة صغيرة بجوار القاعة، الروس غاضبون من سباسكي، لا يريدون منه أن يوافق على شروط "بوبي"، كانوا يرون أنه بذلك يجعله هو محور الأمر ويجعل المباراة مباراته هو لا مباراة سباسكي، لكن سباسكي كان يريد للمباراة أن تتم، كان يثق بنفسه في الفوز، فتناسى تماما النصائح المقدمة إليه بأن: "لا تجعل كل شيء تحت سيطرته"، لكن يبدو أنهم كانوا على حق، يفوز فيشر بأول جولة على سباسكي للمرة الأولى له، لينتقل اللعب إلى القاعة الكبيرة مرة أخرى ولكن بدون الكاميرات ليفوز فيشر أيضا في الجولات الخامسة والسادسة والثامنة والعاشرة! فيشر أصبح طاغية الشطرنج الذي لا يُهزم، وصاحب أول لقب لبطولة العالم للشطرنج يحسب للولايات المتحدة وصاحب الحسم في إحدى معارك الحرب الباردة آنذاك. (3)

     

طفولة بوبي فيشر.. العبقرية أم الهوس؟
الشطرنج هو لعبة من أجل الملك، بستة عشر قطعة يبدأ كل لاعب جولته بهدف بسيط للغاية هو أن يأسر ملك الخصم، وإلى أن يحدث هذا فإن هناك ملايين الاحتمالات قائمة. لم ير الطبيب النفسي أي ضرر قد يأتي من هذا، يطمئن وقتها والدة بوبي فيشر البالغ من العمر 6 سنوات فقط والتي ذهبت به إليه خشية أن يكون ابنها مصابا بهوس اللعبة قائلا: "ليس هناك ما يمكن القلق منه بخصوص الشطرنج، اطمئني" (4)
  
   
إلى أي درجة كان رأي الطبيب صائبا؟ - سنعرف..

تعلم بوبي فيشر اللعبة بعد أن انتقل هو وأخته "جوان" مع والدتهم اليهودية "ريجينا" إلى بروكلين عقب الحرب العالمية الثانية بسبب تهديد الغزو الألماني لفرنسا، اشترت جوان فيشر رقعة شطرنج لم يتعد ثمنها دولارا واحدا، ثم قرأت القوانين وعلمتها للصغير بوبي ثم ما لبثت أن فقدت شغفها، لم تكن تعرف جوان وقتها أن تلميذها الصغير سيغدو بطلا للعالم في الشطرنج وصاحب لقب أميركا الوحيد في اللعبة. (4)

  

كان فيشر انعازليا تماما، تعلم اللعبة وازداد هوسا بها يوما تلو الآخر، كان يقول: "أنا والشطرنج لا يمكن أن نفترق، فالشطرنج بمنزلة ذاتي البديلة"، لم يترك الشطرنج موطئا لفيشر في عقله يصلح لشيء آخر، كان يصطحب الشطرنج في جيبه أينما ذهب، في بيته كانت رقعة الشطرنج محملة ببقايا الطعام، كان يلعب الشطرنج مع أي شيء وفوق أي شيء، يلعب بوبي فيشر الشطرنج وحيدا، لم يكن لديه أي موانع من هذا، فهكذا كان يلعب بعد أن فقدت أخته جوان شغفها باللعبة ولم تجد والدته الوقت للعب معه، كان يمضي الساعات والساعات يلعب وحيدا. (5)

   

والدة بوبي فيشر وهي تراقبه أثناء لعبه الشطرنج وحيدا أمام نفسه (مواقع التواصل)

    

لم يكن هذا مبشرا بالخير بالنسبة للأم التي أرسلت في المدائن بحثا عن لاعبين بعمر صغيرها ليشاركوه شغفه، إلى أن عرفت عن فعالية أقامها الشهير ماكس باقي لمواجهة مجموعة من اللاعبين في آن واحد، ذهب الصغير إلى هناك ليلتقي بخصم لا طاقة له به، صمد بوبي خمسة عشر دقيقة أمام ماكس حتى خسر المباراة ثم بكى، من الغريب أن يبكي طفل خسر للتو من بطل شهير في اللعبة، ولكن بوبي كان يمتلك نفسية تنافسية إلى حد يودي للجحيم. (5)

 

قرأ بوبي بعد ذلك كل ما وقع تحت طائلته عن الشطرنج، ولم تذهب مباراته الأولى سدى، فقد كان هناك مراقبون اهتموا بفيشر وبموهبته فبدأ طريقه نحو الاحتراف، انضم فيشر بعدها إلى أحد نوادي منهاتن الذي كان يعرف بأبطاله الثابتين في أماكنهم، سرعان ما زعزع فيشر ثقتهم بأنفسهم، كان يلعب بشهية لا حدود لها، ليس في هذا النادي فقط بل ذهب للأندية الأخرى ليلعب فيها بالتوازي، بدأت الشائعات تنتشر ببطء عن وجود طفل عبقري بدا صعوده لافتا بالنسبة للجميع "لم يُشاهَد صبي بهذه الإمكانيات منذ سنين". (5)

 

يتلقى فيشر الصبي ذو الـ 13 عاما بعدها دعوة لإقامة مباراة جماعية ليواجه مجموعة من اللاعبين في آن واحد، قدم عرضا خرافيا وفاز بعدها ببطل الولايات المتحدة تحت السن، انتقل فيشر بهذا اللقب من كونه لاعبا ينافس الصغار إلى صبي يهزم الكبار. (6)
 

في الرابعة عشرة من عمره لعب فيشر مباراة عمره ضد أستاذ الشطرنج الدولي دونالد بيرد في تحفة تكتيكية يضحّي خلالها بوبي بالوزير الذي هو القطعة التي يخسر دونها أي لاعب جولته ليحصل على مكسب تكتيكي على الرقعة، في لعبة وصفت بأنها لعبة القرن وتم تدريسها لأكثر من خمسين عاما إلى اليوم، عندما سُئل فيشر عنها قال: "أتتني الفكرة وقمت بتنفيذها، اعتقدت أنها الأفضل وحالفني الحظ". (6)

    

(فيديو بوبي فيشر أصغر شخص يتربع على بطولة الولايات المتحدة في الشطرنج)

  

لم يترك بوبي بعد ذلك دقيقة واحدة لم يقرأ أو يلعب أو يفكر فيها في الشطرنج، يقول فيشر عن نفسه إنه قرأ آلاف الكتب في الشطرنج واستوعب أفضل ما فيها، حتى إنه تعلم اللغة الروسية تحديدا ليقرأ ما كتبه الروس عن الشطرنج، إلى أن وصفه أحد القريبين منه: "فيشر كان لديه في الشطرنج ما يوازي مئة دكتوراة!". (5)

 

عناد فيشر الذي كلّفه حلمه

عام 1975 تأهل الروسي "كاربوف" لمباراة بطولة العالم أمام فيشر في الفلبين، كالعادة كان لفيشر بعض الشروط التي وافق على بعضها اتحاد الشطرنج ورفض البعض الآخر، لكن فيشر لا يساوم في رغباته، فبينما كان مراقبو اللعبة في روسيا أنفسهم يرون أن فرص كاربوف أمام فيشر ضئيلة للغاية، رفض فيشر اللعب بدون الموافقة على شروطه وغادر بعد ذلك الساحة. (7)

 

"كان بإمكانه الذهاب ولعب المزيد من مبارياته الجميلة، الله وحده يعلم كم كان سيبقى بطلا للعالم!"

 (روبرت بيرن - أستاذ الشطرنج الدولي)

  

ترك الشطرنج، بل وترك العالم كله ودخل في عزلة لم يعرف أحد له فيها طريقا. حصل كاربوف بعدها على لقب بطل العالم، ولكن لم تفت فرصة لم يذكر فيها اسم فيشر.. كان السؤال دائما يتهامس، هل ظهر فيشر؟ هل سيلعب مرة أخرى إذا عاد؟ لا أحد يعلم مكانه ولكنهم دائما كانوا يعرفون أن هناك أسطورة أقوى من كل ما لديهم قد تعترض طريقهم يوما ما.

  

 

كل هذه المشاعر السلبية نحو الوطن

في يوغوسلافيا البلد المعاقب دوليا بسبب الحرب الأهلية عام 1992 كان لا بد من صدمة، خرج فيشر إلى النور بعد 17 سنة لمواجهة منافسه الأشهر سباسكي مرة أخرى في مباراة جائزتها 5 ملايين دولار أميركي، ظهر مضطربا وبصق خلال المؤتمر الصحفي الذي سبق المباراة على التحذير الذي أرسلته إليه بلاده بعدم قانونية اللعب في يوغوسلافيا وما يترتب عليه من غرامة مالية 250 ألف دولار وعشر سنوات حبس قائلا: هذه إجابتي لمن يريد أن يمنعني من الدفاع عن لقبي، خرج فيشر إلى النور من أجل الـ 5 ملايين دولار ومن أجل أن يؤكد قائلا إنه بطل العالم الحقيقي بالانتصار مرة أخرى على منافسه التاريخي بوريس سباسكي، بالرغم من أن الصراع على اللقب وقتها كان بين "كاربوف" و"كاسباروف" الروسيين الجنسية اللذين كان يصفهم فيشر بالحثالة المجرمة لأنهما كما ادعى قاما بترتيب كل حركة في مبارياتها لتحديد بطل العالم. (5)

 

(كيف بصق بوبي فيشر على الدعوى المرسلة إليه من الولايات المتحدة بالامتناع عن اللعب في يوغوسلافيا باعتبارها بلدا معاقبا دوليا بسبب الحرب الأهلية)

    

الشخصية الأكثر احتراما والأكثر احتقارا في تاريخ الولايات المتحدة في الوقت ذاته!

في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول ظهر فيشر على محطة راديو غير مشهورة تسمى بومبو في باجيو سيتي وقال عن الهجمات على مركز التجارة العالمي والبنتاغون: "هذا خبر رائع! لقد حان الوقت للقضاء على الولايات المتحدة، أنا أحيي هذا بالفعل، أميركا وإسرائيل قاموا بذبح الأطفال الفلسطينيين لسنوات، والآن جاء الدور علينا". فبالرغم من كون والدة بوبي ريجينا يهودية فإنه كان يرى أن لليهود مؤامرة قذرة وأنهم بحاجة إلى الإبادة لما هم عازمون عليه من السيطرة على العالم وما فعلوه من جرائم ضد الإنسانية. (5)

 

عزلة فيشر وقلة اهتمامه بالرومانسية والجنس وتفكيره المستمر في إعادة إنتاج عبقريته كانت مجموعة من الأسباب التي قادته إلى اعتناق الكنيسة الإنجيلية التي كان يديرها واعظ ديني شهير والتنقل بعد ذلك من مذهب لآخر، لكن الشيء الثابت والمتنامي في هذا الوقت لدى فيشر كان عداءه لليهود بل وعداءه لبلده التي رأى أنها استخدمته للوصول إلى أغراض سياسية في ذروة الحرب الباردة ثم لم يتم تقديره كما كان يشعر. (5)

  

 

كان كل ذلك سببا في المرحلة المتقدمة من المرض النفسي التي وصل إليها فيشر، كان يعاني من جنون الارتياب، فكما نقل أحد خصومه أنه حذره من حقيبة مليئة بالحبوب الصينية التي كانت بالنسبة إليه بمنزلة ترياق ضد أي محاولة تسميم يقوم بها السوفييت ضده، حيث كان فيشر يعتقد بأن الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأميركية يخططون لاغتياله. (5)

 

البحث عن وطن جديد

عاش فيشر بعدها يتنقل من بلد لآخر، مرة في المجر وأخرى في الفلبين، هروبا من السلطات الأميركية التي تلاحقه آنذاك على خلفية لعبه في يوغوسلافيا متهمة إياه باللعب في بلد معاقب دوليا، لم يستطيع فيشر أن يحضر جنازة والدته ثم اعتقل في يوليو/تموز 2004 في اليابان 8 أشهر على خلفية استخدامه جواز سفر مُلغى من قِبل سلطات بلاده، ولم يطلَق سراحه حيث اعتبر بلا وطن حتى منحته آيسلندا حق اللجوء السياسي ثم الجنسية الآيسلندية كوسيلة للخروج من الأسر. (4)

 

ملك الفضاء اللامتناهي

توفي روبرت جيمس فيشر في السابع عشر من يناير/كانون الثاني عام 2008 في آيسلندا بعد صراع طويل مع مرض القصور الكلوي الذي رفض علاجه، حتى في مرضه كان فيشر نموذجيا بطريقة أو بأخرى، كان من الشخصيات التي لا تثق في أحد، وكان يتمتع بكاريزما تجذب إليه أنظار المحبين وغيرهم، حتى أولئك الذين لم يتفقوا مع فيشر أبدا لم يستطيعوا أن يكرهوه، طبيعة العبقرية قد لا يمكن تحديدها، لكن الجمع بين جموح الموهبة والقدرة على بذل كل تلك الساعات الطويلة من دراسة ولعب الشطرنج هي هدية فطرية عظيمة، موهبة فيشر هي ما صنعت منه نجما، ولكن كونه بلا هوادة هو ما صنع منه أسطورة، لم يكن فيشر متعلما ولا مثقفا، وكان أبعد ما يمكن عن الحياة الاجتماعية، عندما سُئل لماذا اخترت الشطرنج قال: "لأنه عمل لست فيه بحاجة إلى أن تتعامل مع الناس"، كان يحلل كل مباراة ويدرس الفرص والتحسينات الممكنة في كل خطوة، وكان يقرأ كل شيء عن الشطرنج حتى أنه تعلم الروسية لتوسيع نطاق مصادره، وهو ما يكمن القول من خلاله إن العمل الجاد في حد ذاته موهبة أخرى. (7)

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار