انضم إلينا
اغلاق
بوح الجدران.. بين قبوله في الأدب والفن ورفضه

بوح الجدران.. بين قبوله في الأدب والفن ورفضه

  • ض
  • ض

"قد لا توجد طريقة لفهم الإنسان إلا من خلال الفن"، من حيث تدري أو لا تدري تُضمر الأدبية نادين غورديمير في جملتها تلك غريزة إنسانية يشترك بها معظم البشر؛ إنه الفضول في كشف الخفايا، وكشف ملامح الشخصيات وقراءتها، حيث تكاد تكون من أبرز ما يميل إليه الإنسان في تعاملاته اليومية مع من يقابلهم من أشخاص، فنسعى وراء خط نُقش هنا أو إيماءة ظهرت هناك لنفهم ما وراءها. والفن واحد من الأدوات التي ترضي فضول أولئك الأشخاص، فتقدم قراءة لما يعتمل في الوجدان على طبق من ذهب.

   

كثيرة هي الطرق التي يعبر فيها الإنسان عما في وجدانه من أفكار ومعانٍ، وهو كائن يميل إلى الإفصاح عن مشاعره بطرق شتى؛ فإن خانه لسانه يسعفه قلمه، وإن عزّ قلمه انتشلته ريشته، أو نسمعه ينشد أبياتا من الشعر أو يعزف لحنا على وتر، وغيرها الكثير من أساليب ترجمة المشاعر. ويعود الاختلاف بين الناس في التعبير عن مشاعرهم إلى عوامل كثيرة كالخلفية الاجتماعية والثقافية والدينية، إلى جانب الجنس ذكرا كان أم أنثى.

       

        

بهذا، يعتبر الفن انفعالا بشريا يشترك فيه جميع الناس، منه ما هو قصدي ومنه ما هو عشوائي غير منظم. ومن الفنون التي انتشرت بين بيئات مختلفة رغم اختلاف الثقافات فن "الكتابة على الجدران"، وهو فن ظهر منذ القِدم وظل يتطور حتى وقتنا الحاضر إلى أن وصل إلى ما يُعرف بالـ "جرافيتي"، ذلك الفن الذي يضم الرسم أو الكتابة على الجدران العامة، فأصبح عملية منظمة مقصودة تخرج بشكل فني منمق بألوان وتصاميم مميزة.

    

لكن ماذا عمّن لا يملكون ريشة ولا ألوانا ولا سُلطة؟ ماذا عمّن كانت المشاعر ألوانهم وكان دافعهم الكبت؟ ماذا لو اقتربنا ممن لا يملكون إلا موهبة البث العشوائي على صفحات الجدران بخطوط ذات لون وبُعد واحد أبعد ما تكون عن التزيين والإتقان؟

     

جدران صنعت ثورة

"اجاك الدور يا دكتور"، من كان يتوقع أن هذه الجملة التي كتبها أطفال درعا في سوريا على جدار مدرستهم ستشعل ثورة دخلت حتى الآن عامها الثامن[1]، فقد نفضت هذه الكتابة الجدارية الغبار عن ملفات عقود خلت من الظلم والاستبداد، ولم تجد فضاء أرحب من جدار لا يسأل عن اسم ولا عنوان، بعيدا عن سطوة الرقيب وسلطة التحرير واستجوابات الجهات الأمنية، فالجدار ليس صحيفة لا ترضى إلا أن يذيّل المقال بتوقيع اسم الكاتب، فيكفي لـ "محرر الجدار" أن يطلق بنات أفكاره تتراقص على جدر صماء ولا تترك وراءها إلا بصمة الشعور ونفثات الروح.

 

وفي أجواء الثورات العربية التي ارتفعت خلالها نبرة المطالبات بحرية التعبير عن الرأي، وجد الثائرون في الجدران مساحة ينثرون عليها مشاعرهم المتناقضة، بين رغبة في الحياة بحرية والموت من أجل الوطن، فانتقلت التجربة بين البلاد الثائرة وأصبح التعبير على الجدران سمة من سمات تلك الثورات، التي منحت ذاك السلوك الذي ينكره البعض هالة من الجمال وبُعدا أيقونيا للحرية والتمرد.
      

    

ويستشهد أستاذ الفنون في الجامعة الأردنية الدكتور غسان أبو لبن على ما أحدثه فن الجرافيتي في الثورة المصرية من حالة أثرَت الثورة وأثّرت فيها، ويقول إن الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة استطاع أن يخلق من الحالة العشوائية للكتابة على الجدران في بداية الثورة فنا واعيا له هدف استقر في الشارع المصري، لأن كل حالة تتعلق بحراك ما تصبح قيمتها الفنية أعلى، وفيما يخص الجرافيتي، تصبح قيمته البصرية أعلى، وهذا سبب شهرة رسومات عبلة الجرافيتية والصدى الذي أحدثته في الثورة المصرية.

  

"اللي اتمسح هنعيده تاني"، جملة كتبها فنانو الثورة المصرية بُعيد إزالة الكتابات والرسومات التي ملأت ميدان التحرير وشارع محمد محمود أثناء ثورة 25 يناير[2]. حيث كان لفنون الجدران في مصر -ولا يزال- حضور في التعبير عن آمال الشباب وأحلامهم بـ "كرامة.. حرية.. عدالة اجتماعية".

  

وليس ببعيد عن مصر نجد غزة التي لم يمنعها الحصار من تلون الفنون وتنوعها، وتعتبر الكتابة على الجدران فيها ظاهرة تعبر عن كم المشاعر والآمال التي يحياها القطاع في ظل الحصار والحرب، تترجمها حروف شبابه ضاربين غضب مالكي الجدران أو المساءلة من الجهات الأمنية عرض الحائط[3].

   

لكل مقال جدار

كثيرة هي الدوافع التي تقود الإنسان إلى التعبير؛ يأتي في مقدمتها دافع التعبير عن الذات. وفي مجتمعات يغلب عليها طابع التحفظ على المشاعر كمجتمعنا العربي، ويتوه الإفصاح في منعطفات التقاليد والأعراف فيها، لم يزل التعبير عن بعض المشاعر، كالحب مثلا، نوعا من "العيب" أو المحظور، فنتجت أنواع مختلفة من طرق التعبير تماما كما نتج عن الظلم والاستبداد ظاهرة الكتابة على الجدران. ولم يمنع تعدد الوسائل الحديثة كمنصات التواصل الاجتماعي وتنوعها من اختفاء هذه الظاهرة لتكون بديلا حديثا للتعبير عن المشاعر، بل أصبحت -أي المنصات- نافذة جديدة لنشر ما يُرسم على الجدران، كنوع من أنواع الثورة على المألوف واستدعاء حالة شعورية مشابهة، حتى إن هناك من يؤكد أنها ظاهرة لن تنتهي حتى مع ظهور "السوشال ميديا"[4].

   

    

إن كان لا يسعفنا الكلام فإن التعبير الخطي والرمزي هو من أبسط طرق التعبير، هذا ما يراه الدكتور مصطفى حسن في كتابه "سيكولوجيا التعبير الفني"[5]، فهي إلى جانب كونها غير مكلفة فإنها تحفظ للشخص مساحته مع نفسه للتعبير دون رقابة. وإذا ما رصدنا الكتابات على الجدران في الطرق والشوارع العامة، نجد أن أغلبها لا تكلف صاحبها سوى لون واحد وخط متواضع لا يهمه إن كان متقنا أم لا، وهذا سبب رئيس من أسباب انتشار الكتابة على الجدران.

 

والكبت كأحد الصفات العامة للمجتمعات العربية، وهو ما يعرفه الدكتور مصطفى فهمي في كتابه "الدوافع النفسية"[6] بأنه "الوسيلة التي يتقي بها الإنسان إدراك نوازعه ودوافعه التي يفضل إنكارها"، وإذ تفيض هذه النوازع والدوافع بالنفس البشرية فلا بد أن تخرج بشكل يتواءم مع بيئته التي يحيا بها.

  

ما نشهده على الجدران العامة من كتابات بخطوط عشوائية هي نوع من أنواع التنفيس عن هذا الكبت؛ فالأحلام والرغبات والحريات التي سُلبت لم يجد الشباب لها مأوى إلا على صفحات الجدران لتشكل حالة اجتماعية لا يمكن إنكارها في جميع المجتمعات، وعلى رأسها المجتمعات العربية.

          

   

وبين قبول ورفض لهذه الظاهرة يرى الدكتور غسان أبو لبن أن الكتابة على الجدران عبارة عن حالة فنية لا تخلو من الإبداع، ويصف من يكتب على الجدران بأنهم "خلقوا حالة خاصة من التعبير الإيجابي، فيه خلق لموضوع بصري حديث".

   

كما يرى أن الكتابة على الجدران تؤخذ على محملين؛ أولهما التعبير عن المشاعر والأفكار التي تعود للشخص كفرد ترجع آثار هذا التعبير إلى ذاته، وثانيهما أنها وسيلة تواصل مع المتلقين من أفراد المجتمع، وهذا ما يُعرف بالمشاركة الوجدانية التي يتحدث الدكتور مصطفى فهمي في كتابه عن أهميتها في سلوك الأفراد: "القدرة على مشاركة الناس فيما يحسون به من فرح أو حزن عامل مهم من العوامل التي تمكن الفرد من ملاءمة نفسه في البيئة التي يعيش فيها".

 

ولأن الكتابة على الجدران ناتج عن المجتمع ويعبر عنه كما يوضح أبو لبن، فهو يشكل مصدر إلهام لكثير من أفراد المجتمع سواء الفنان منهم أو الإنسان العادي.

      

    

فن أم تخريب؟

لا تزال الكتابة على الجدران موضع نقاش فكري بين من يعتبره فنا يعبر عن حالة جمالية ذات معنى، وبين من يعتبره تخريبا للممتلكات العامة و"فوضى" تخلو من أي قيمة جمالية. وفي حين يعتبر أبو لبن أن الكتابة على الجدران "فن" تزداد قيمته إذا تحول إلى شيء أيقوني، يعتبره أستاذ علم الاجتماع الدكتور إبراهيم أبو عرقوب[7] سلوكا اجتماعيا غير مقبول ولا يعبر عن فن، إذ يعتبر أن الفن كل ما يرتبط بالأخلاق.

  

في زمن أصبح من السهل فيه اعتبار أي حالة فنا، يربط أبو عرقوب مدى قبول الكتابة على الجدران كفن وبين محتوى هذه الكتابة؛ فهو يعتبر أن غالب الكتابات على الجدران تكون "فارغة المضمون ليس لها معنى سوى التنفيس عن ضغوط نفسية"، إضافة إلى كونها لا تعدو أن تكون "تخريبا" للأماكن العامة يجب أن يحاسب عليها القانون.

  

ولأن الثورات حالة اجتماعية تنشأ مع مبرراتها ضد التابوهات والمألوف، فإن كل ما يرتبط بها يكتسب هذه الصفات ويصبح مقبولا بعرف الثورة، لذا يستدرك أبو عرقوب ويبرر الكتابة على الجدران والجرافيتي بشكل عام بوجود حالة ثورية تستخدم هذه الأداة للمطالبة بالحريات والتعبير عن مطالب الثورة.

   

فمثلا الانتفاضة الفلسطينية كما يرى، لها أن تستخدم كافة الوسائل لرفض الاحتلال والسياسات التي يفرضها عليه منها الكتابة على الجدران التي في معظمها "كتابات ثقافة وطنية تحريضية ضد العدو وهذا شيء إيجابي"، وأخرج ما سوى ذلك من دائرة التبرير معتبرها "ثقافة فوضى" تنم عن الفراغ الذي يعيش فيه الشباب العربي الذي يبحث عن الحريات منتهكا حريات أخرى حسب رأيه، فالكتابة على جدار بدون استئذان صاحبه سلوك سلبي لا يعبر إلا عن مجتمع فوضوي بعيد عن التحضر.

    

    

يخالف هذا المنطق الأديب والفيلسوف الروسي ليو تولستوي في كتابه "ما هو الفن؟" إذ يعرّف الفن بأنه نشاط إنساني يكمن في أن يقوم إنسان ما بوعي وبوساطة إشارات خارجية معروفة لنقل الأحاسيس التي يعاني منها إلى الآخرين، والآخرون يعدون بهذه الأحاسيس ويعايشونها[8]. وينظر تولستوي إلى الفن من منظور أوسع ليشمل مساحة أكبر من النشاط البشري؛ إذ يعتبر أن الأحاسيس على تنوعها قوية كانت أم ضعيفة، خاصة جدا أو عامة، سيئة أو جيدة، فإنها إن انتقلت إلى المتلقي وتماهى معها فإن هذا التفاعل يحيلها فنا.

  

وربما يلتقي هذا الرأي مع رأي الفيلسوف الألماني إمانويل كانت الذي لا يشترط الجمال لقبول الفن، بل اعتبر الجمال "ما يفوز بالإعجاب دون مفاهيم أو دونما فوائد عملية".[9]

   

   

يُسهب تولستوي بدعوته إلى ضرورة التوقف عن النظر إلى الفن كوسيلة للمتعة والتلذذ! بل يجب أن ننظر إليه "كشرط من شروط الحياة البشرية"، وأن "الناس الذين يعدون أن هدف الطعام وأهميته يكمنان في اللذة لا يستطيعون أبدا إدراك مغزى الطعام الحقيقي"، كذلك مغزى الفن وأهميته اللذان سيدركان عندما يكف الناس عن جعل هدف هذا النشاط الجمال أي التلذذ، بحسب رأي تولستوي، الذي يدافع عن فكرة "ظهور المتطلبات الأخلاقية تجاه الفن غير صحيح"، وهذه الفكرة لاقت جدلا كبيرا بين أوساط الفنانين في عصر تولستوي إلى وقتنا الحاضر.

  

ربما يدعونا هذا الموقف إلى استدعاء أفكار تولستوي وإسقاطها على كثير مما يطلق عليه اسم فن في هذه الأيام، وهل لو كان موجودا سيبقى ينافح عن فكرته؟!

  

فنٌّ مزاجه أدب

لا تخلو الكتابات الجدارية من حالة شعورية مهما كانت بسيطة، وهي بهذا تعكس ملامح المزاج العام لمجتمع ما، وتبوح بأسرار القلوب وخلجات النفوس ومنحنيات الشعور.

  

ينظر الأديب والشاعر الأردني الدكتور أيمن العتوم[10] إلى الكتابات الجدراية بأنها "حالة أدبية" وإن كانت لا ترقى لأن تكون مدرسة ذات أصول وسمات، وهو يعتبر أن تسميتها بـ "أدب الجدران" مسألة ذوقية ذات بُعد جمالي، فهو يحب أن يراقب هذه الكلمات والجمل باعتبارها توحي بمعانٍ لطيفة وشغف شبابي غير متكلف.

  

**ورغم الواقع الذي فرضته مواقع التواصل الاجتماعي من إيجاد منبر لكل ذي رأي أو فكرة أو خاطرة لا تخضع لقواعد لغة أو فن، فإن فكرة الكتابة على الجدران لا تزال تلقى استحسانا واسعا في أوساط الشباب، وكما روجت الثورات لهذه الفكرة وبدأت ثورية رافضة لاستبداد السلطة والعسكر، بدأت تأخذ شكلا جديدا فأصبحت مرآة تعكس ثورات الشباب العاطفية، لتصبح هذه الكتابات معبرة عن مشاعر الحب والفراق والشوق ورفض سلطة الأعراف، وشاع تناقل صور الجدران المبثوث على صفحاتها لوعة عشق المحبوب أو الوطن وأصبحت ضربا من ضروب "الموضة" التي يتناقلها مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي.

      

     

الحب والحرب، ثنائية علا صوتها فأصبحت من أبرز المواضيع التي تفيض بها جدران الشوارع باعتبارهما ثورة شعورية مليئة بالتمرد والمشاعر المتناقضة، فعكستها أحيانا جدران بلاد هُجر أهلها وآثروا أن يتركوا من أرواحهم أثرا على جدار، أو بلاد غشاها صاروخ فدمر الأخضر واليابس وهشّم الحلم، ولم يبقِ إلا شعارات وأشعار ورسائل كسهام مسوّمة لمن يلقي لها الفؤاد، تعطي حياة أخرى غير تلك التي سلبتها الحرب، وأحيانا أخرى نرى جدران المدينة تُخبر عن خبايا القلوب والهواجس التي يحيا بها ساكنو المدينة، ورغم خصوصيتها في قلب من كتبها فإنها تُفصح عن همّ جامع، فلا تلبث أن تصبح صورا يتناقلها كل من تجرع من ذات الكأس لتملأ الشاشات الذكية، فتثبت أن الإنسان مهما نزع إلى الحداثة يبقى متمسكا بمعانيه البسيطة البعيدة عن التكلف، فهي خطوط ترجمت أحلام شباب العالم العربي الذي باعدته الحدود وجمعته ذات الظروف، فتشابهت الجدران عليهم فأصبح عنوانها فكرة عابرة للحدود. 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار