اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/4 الساعة 17:50 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/16 هـ

انضم إلينا
"العبقري المجنون".. لماذا يفقد المبدعون صوابهم عند منتصف العمر؟

"العبقري المجنون".. لماذا يفقد المبدعون صوابهم عند منتصف العمر؟

فريق الترجمة

مجموعة من المترجمين
  • ض
  • ض
مقدمة الترجمة
كان ألكساندر غروتينديك أحد نوابغ الرياضيات في عصره، إلى أن اعتزل العالم. الآن يمكن لعلم الأعصاب إلقاء الضوء على السبب وراء تحولات منتصف العمر الجذرية التي تتخذها العقول النابغة.

  

نص التقرير
تقع قرية لاسير (Lasserre) في أحضان أحد التلال الفرنسية في أقصى الجنوب، قرية من المباني الحجرية في قبضة أسمنتية يعود عمرها لقرون خلت. البيت الواقع هناك هو الذي قضى فيه ألكساندر غروتينديك، عالم الرياضيات، العقدين الأخيرين من حياته في عزلة شبه كاملة، هادئ مثل البيوت المجاورة. الطريق الصاعد إليه تحفه أشجار الكروم باتجاه المصاريع البيضاء والسقف الطيني. من ضمن بقايا ما بعد الحرب القليلة الباقية يقف صندوق بريدي معتاد. ترك الزوار فيه ملاحظات لم يطالب بها أحد، الخطابات المرسلة بالبريد حملت ختما بردها للمُرسِل. علم السكان المحليون أن عليهم تركه وشأنه، لكن حين وصل عالم رياضيات شاب إلى القرية في مطلع التسعينيات أملا في الحديث إليه، لم يقابله سوى الباب الذي أغلقه غروتينديك في وجهه وهو يصرخ. 

  
أحرق غروتينديك العديد من أوراقه في 1991 قبل أن ينتقل إلى لاسير، بالرغم من ذلك هناك عشرات الآلاف من الأوراق الباقية غير المنشورة. لأعوام سبقت وفاته في 2014، عن عمر يناهز 86 عاما، كان بالإمكان رؤيته عبر نافذة الطابق الأرضي وهو يقضي قسطا كبيرا من الليل في الكتابة. كشفت هذه الصفحات عن هوس بنهاية العالم البيئية. وقيل كذلك إنه هتف بسكان القرية متحدثا عن الله وعن الشيطان ومتخليا عن كل عمله الرياضي السابق. وهو ما يبقى عصيا على القبول من طرف من عرفوه، فبالنسبة لهم كان غروتينديك هو أعظم علماء الرياضيات في القرن العشرين. غيَّر ألكساندر غروتينديك من الرياضيات بسرعة لا يمكن تخيلها، وبشكل عصي على الفهم. استخدم غروتينديك الجبر التبادلي لحل المسائل الهندسية المعقدة، ووضع حجر الأساس لحلول حدسيات فايل ومبرهنة فيرما الأخيرة، ورغم أن ابتكاراته كانت تحت مظلة الرياضيات البحتة فإن عمله كان له تطبيقات في مجالات التشفير ونظرية الترميز. وباستخدام أدوات من الهندسة الجبرية ونظرية الأصناف والطوبولوجيا (أو علم المكان) تمكّن من إنشاء نموذج جديد كليا.

   

عالم الرياضيات "ألكساندر غروتينديك" والشخصية الرئيسية وراء تأسيس النظرية الحديثة للهندسة الجبرية

مواقع التواصل
      

منذ اللحظة التي وضع فيها غروتينديك قدمه في الدوائر الرياضية في نهاية الأربعينيات تفوق على معلميه وأذهل زملاءه. في المقال الذي نشره مجتمع الرياضيات الأميركي (في إصدار إعلامات مجتمع الرياضيات الأميركي) العام الماضي تكريمًا له، قال عالم الرياضيات الفرنسي، ميشيل ديمازور: "بدا غروتينديك مختلفا بشكل جوهري على الدوام، وكأنه كان فضائيا". أما مارفين جاي غرينبرج، أستاذ الرياضيات الفخري بجامعة كاليفورنيا في سانتا كروز، فردد ما قاله صدى الانطباع السائد عن غروتينديك في أوساط الرياضيات: "في المرة الأولى التي رأيته فيها محاضرا كان انطباعي الأول أنه قد نُقل إلينا من حضارة فضائية متقدمة في نظام شمسي بعيد بغرض تسريع تطورنا الفكري".
    

مثَّلت عقلية غروتينديك ما وصفه آلان تورينغ بالمنطق الرياضي نفسه: "مزيج من وسيلتين، يمكننا وصفهم بالحدس والإبداع". كان النهج الخاص بغروتينديك هو "إذابة" المسائل المطروحة عبر إيجاد المستوى المناسب من التعميم لتأطيرها. يستعيد عالم الرياضيات باري مازور، الأستاذ بهارفارد حاليا، النقاشات التي خاضها مع غروتينديك، قائلا: "كانت عادة، أو ربما حصرا، عن وجهة النظر، وليس عن التفصيلات الدقيقة. كان ما سعى إليه هو "الوجهة الصحيحة"، أي السبيل لرؤية الرياضيات، وباهتمام أقل تجاه آثارها ونتائجها الثانوية".
   

أسهمت وجهة غروتينديك الفريدة ونمطه الفكري في نبوغه، وفي انهياره كذلك. لطالما مثلت احتمالية الجنون الرياضي مادة للنقاش منذ فيثاغورس، الذي وُصف بأنه أول علماء الرياضيات البحتة، والذي تزعم طائفة غريبة خلال حياته. وهناك الكثير غيره أيضا، حظي كل من إسحق نيوتن وكورت غودل ولودفيغ بولتزمان وفلورنس نايتينجيل وجون ناش بقدر واضح من الوجاهة الرياضية قبل أن يقع كل منهم فريسة لنوع من الأمراض النفسية، بما في ذلك الاكتئاب والهلاوس ونوع من التصوف الديني المرتبط بالذهان.

   
وبالرغم من ذلك، لا توجد بيانات قاطعة تربط بين القدرة الرياضية والمرض العقلي، وهو ما دفع العديد إلى تجاهل هذا الرابط باعتباره افتراضا رومانسيا. تضرب حياة غروتينديك مثالا واضحا على هذه الجدلية، هناك أشخاص ما زال الحزن يملؤهم لما آلت إليه العقود الأخيرة من حياته، بشكل يمنعهم من مناقشتها، وهناك أولئك الذين يعزون سلوكه الانعزالي التائه إلى تنشئته، وهناك آخرون يجادلون بأنه لا يقبل التصنيف من الأصل. لكن بفضل التقدم الذي يشهده هذا المجال الوليد الخاص بدراسة علم الأعصاب المرتبطة بالإبداع وعلم النفس المرضي هناك مجموعة من الأبحاث التي قد تلقي الضوء على السبب وراء انحدار بعض نوابغ الرياضيات إلى حالات من الاختلال العقلي.

   

إسحاق نيوتن، جون ناش، ألكسندر غروثنديك، هم عقول ذات تردد منخفض وتأثير هائل، أسهموا في تقدم الحضارة في المجالات التي دربوا فيها أشعتهم المرتفعة

رويترز
   

تقع أنماط التفكير في سلسلة متصلة، على أحد طرفيها يقع التفكير الآلي القائم على القواعد، والذي يتجسد في العقول التي تنجذب إلى الرياضيات والعلوم والهندسة وغيرها من المهارات ذات المستوى المرتفع من التقنية. يتسم الإدراك الآلي بالعملية، ويهتم بقواعد الطبيعة وبالأغراض الموجودة في الكون، ويقف على طرفي النقيض من التفكير الذهني. أما التفكير الذهني فهو أكثر شمولية وإنسانية، ويهتم -بشكل عام- بالأشخاص لا الأشياء، ويعمل على فهم عقول الآخرين والتفاعل معهم على صعيدي العلاقات الشخصية المتبادلة والقوى الاجتماعية الأكثر ضخامة. وتصل هذه العقلية عادة إلى استنتاجات فضفاضة وذات مرجعية ذاتية أحيانا لما يحدث في الواقع. إذا اتصفت العقلية بالتفكير الذهني المفرط فيسفر ذلك عن تحميل الأحداث الكثير من المعاني، أي إن كل المصادفات ذات معنى وكل الأحداث تتصل ببعضها.

  
يقع كل عقل في مكان ما على هذا الطيف المعرفي الثنائي. ومثل العديد من الأطياف الأخرى، يعكس أقصاه وجود نمط التفكير المقصود بشكل شديد التطرف يمنعه من أداء وظيفته على الوجه الأكمل. وباستخدام هذه الصياغة التصورية يمكننا أن نرى أن التوحد هو شكل متطرف من التفكير الآلي، وهو ما يقف على النقيض من الاضطرابات الذهانية، التي تتصف بوجود اعتقادات خاطئة بشأن إحساس الأشياء الجامدة والهلاوس حول النفس وحول الآخرين. تُعد قراءة العقول هي لغة التواصل المشترك للإدراك الذهني، وأعراض الذهان هي في جوهرها قراءة مُنشَطَة للعقل. 

   

ترتبط الأنماط المعرفية المتطرفة بالعبقرية، ولذا يرتبط التوحد أحيانا بالذكاء المرتفع. في نهاية المطاف، يتضمن الذكاء العام القدرة السريعة على إتقان التفكير المجرد القائم على القواعد. تُشخَّص الاضطرابات الذهانية بشكل غير متكافئ في الأفراد شديدي الإبداع (قيست غالبا في حالة الفنانين والموسيقيين والكتاب)، أو في أقاربهم من الدرجة الأولى، وتشمل هذه الاضطرابات الاضطراب ثنائي القطب والفصام. يعكس نمط التفكير الذي تميز به غروتينديك ذكاء فائقا وإبداعا غير متناهٍ. قد تقبع العبقرية داخل هذا الفضاء المعرفي، لكن الانطلاق الجامح تجاه أي من القطبين أو كليهما قد يفضي إلى الاضطراب العقلي.

         

أدمغة الرياضيين العباقرة ذات سحر دائم. لكن في العصر البازغ لعلوم الأعصاب الكيميائية وإعادة التشكيل الجينومية فإن إمكانية تداخل العبقرية مع الأمراض العقلية تحظى بأهمية كبيرة. إذا تمكن العلماء أخيرا من تطوير العقول الحية أو تعديل الأجنة البشرية بهدف تخفيف ظروف مثل التوحد والفصام، فهل نخاطر باستئصال المتفردين العباقرة من مجموع الجينات؟ إسحاق نيوتن، جون ناش، ألكسندر غروثنديك، هم عقول ذات تردد منخفض وتأثير هائل، أسهموا في تقدم الحضارة في المجالات التي دربوا فيها أشعتهم المرتفعة. يستحق الأمر تسليط أشعة البحث العلمي على نفس هذه الأدمغة غير الاعتيادية.

    

 

       

تصف حياة غروتينديك مآسي القرن العشرين في أوروبا. كان والده ألكسندر شابيرو يهوديا روسيا، وتحمّل باعتباره مهندسا معماريا خلال الثورة البلشفية محنة يمكن وصفها بأنها محنة دوستوفيسكية بامتياز. وُضع دوستويفسكي أمام فرقة الإعدام مرة من قبل، لكن شابيرو الذي كان مراهقا في ذلك الوقت أُخذ إلى السجن من قبل النظام القيصري واقتيد إلى منصة الإعدام كل يوم لثلاثة أسابيع، ليحصل على إرجاء بتنفيذ العقوبة كل مرة. شابيرو كان الوحيد من بين زملائه الذي أُخلي سراحه على الأرجح بسبب سنه. حُكم عليه بالإعدام لكنه هرب بعد عقد كامل وبعد أن خسر ذراعه اليسرى.

 

والدة غروتينديك هانكا، التي أخذ منها اسم العائلة، كانت زوجة كاتب وصحفي ألماني. يقال إن شابيرو التقاها في برلين وأعلن لزوجها قائلا: "سأسرق زوجتك". بعدها بخمس سنوات هرب العاشقان وابنهما الذي تكنى باسم مستعار يدعى شوريك من النازيين الألمانيين وأصبحوا مقيمين في فرنسا بلا جنسية.

 

بعد أن تلقى تعليمه الريفي البسيط أثناء فترة الحرب التي قضى معظمها في معسكر الاعتقال اكتشف غروتينديك قدراته الرياضية حين كان طالبا في السنة الأولى في جامعة مونبلييه، عندما قام بشكل مستقل بصياغة قاعدة تسمى "تكامل لوبيغ" (Lebesgue Integral). كتب بعدها بسنوات "دون أن أعرف ذلك، تعلمت العناصر الأساسية للعمل الرياضي، وهي العناصر التي لا يستطيع أي أستاذ تعليمها". حقق إنجازه الحقيقي الأول عندما طلب منه المشرف على رسالة الدكتوراه والذي كان هو نفسه حاصلا على ميدالية فيلدز، وهي أكثر الجوائز المرموقة في مجال الرياضيات، أن يحل 14 مسألة غير محلولة. خلال عام واحد حلّ غروتينديك جميعها. ازدهرت سمعته وساد مجموعة بورباكي، وهو اتحاد نشأ بعد الحرب العالمية بهدف إعادة تأسيس الرياضيات.

 

في خمسينيات القرن العشرين كان لغروتينديك بنية جسدية مشابهة للشاب مارلون براندو، بفم جذاب ووجه مستدير قليلا كأنه خارج من إحدى لوحات مايكل أنجلو الجدارية. كانت محاضراته في هارفارد وإم آي تي والمعهد العالي للدراسات العلمية المنشأ حديثا جنوب باريس أسطورية، ليس فقط بسبب محتواها ولكن أيضا بسبب إثارتها الأوبرالية. السرعة التي يكتب بها على لوحة المحاضرات لساعات كانت دليلا على قوة العقل الذي يشغل تلك اليد. يتذكر الرياضي ستيفان ليشتباوم الذي تتلمذ على يديه في هارفارد في بواكير العقد السادس من القرن العشرين قائلا: "اعتدنا القول إنه يكتب رياضيات جديدة أسرع مما قد نقرأها نحن".

         

       

كان كرم غروتينديك بنفس حدة ذكائه. استضاف زملاءه وعائلاتهم وكذلك الغرباء. في عقد الستينيات بينما كان يعمل في المعهد العالي للدراسات العلمية سمح لعائلة كبيرة بالعيش في الطابق السفلي وساعدهم في تركيب آلات لصناعة التاراماسالاتا ليستطيعوا تحقيق دخل مالي، حسبما قال مازور. كان شخصا ذا جاذبية ورحيما لكنه لم يكن سهل المراس يوما. كاد أن يُطرد يوما من سفينة بحرية لأنه رفض أن يرفع قدميه على المقعد. في تعبير أكبر عن استعلائه، عندما كان يسعى للحصول على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة لزيارة أولية لهارفارد رفض التوقيع على قسم ينص على أنه لن يعمل على إثارة ثورة مسلحة. أصر على أنه سيكون سعيدا بالعمل مع زملائه من السجن، وكل ما أراده هو السماح بدخول الزوار والكتب.

 

كانت حياة غروتينديك العاطفية معقدة: كان لديه ثلاثة أطفال من زوجته ميراي دوفور وطفلان خارج منظومة الزواج مع مجموعة متنوعة من العشيقات، دعا بعضهن إلى العيش مع العائلة النووية. لونت حياته الجنسية الفاسقة رسائل الحب بعدة لغات في عدة قارات. عندما سلم عقد الخمسينيات زمام الزمن للعقد الأكثر صخبا الذي يليه كان غروتينديك قد انخرط مع ذوي الياقات السوداء من مثقفي اليسار. كانت هذه سنواته الأكثر إنتاجا. قضاها في عقد ورش العمل في الضواحي الباريسية حيث وضع النظريات التي منحته أخيرا ميدالية فيلدز. هنا حيث أصبح نمط تفكير غروتينديك المتميز ـوهو القدرة على التفكير بشكل عام في الجانب النظامي من أي موضوع رياضي يدرسه- أمرا واقعا. أعاد تأطير الهندسة الرياضية بالطريقة التي أطّر فيها نيوتن علم الفيزياء. قبل غروتينديك، كانت محاولات دمج الجبر مع الهندسة الكلاسيكية بمساعدة عدد من النظريات تتخذ مظهر آلات روب جولدبيرج، بحسب ديفيد مامفورد، أستاذ الرياضيات التطبيقية المقيم بجامعة براون. أصلح غروتينديك الفرع بقلبه رأسا على عقب، وأوجد المستوى المناسب من التعميم الذي يجب أن تؤطر فيه المسائل الرياضية.

  

يتذكر هيمان باس الرياضي بجامعة ميتشيجان قائلا: "كنا نشعر أن أحداث هذه الفترة كانت جزءا مهما من قصة البشرية والرياضيات، والمحزن في الأمر أنه لم يكن هناك مؤرخ ذو قدرة تقنية تمكنه من التقاط أبعاده الثقافية الإنسانية". كان غروتينديك محبوبا من كل من عرفوه. لكن هناك نوع من الذكاء الخارق يكون مخلصا للأفكار أكثر من البشر، وقد كان ذكاؤه من ذلك النوع. في عام 1960، وهو في عمر 32 عاما، انسحب من دائرة بورباكي، وكتب أنه يتساءل حينها ما إذا كانت شخصيته الملتهبة "ونفوره الشخصي الذي يتغلب على أي شخص آخر يمنعانه من التعاون المثمر مع الآخرين". قضى عقدا من الزمان تقريبا في إنضاج ميول رافضة للحرب والعنف ومعادية للأسلحة النووية ومطالبة بحماية البيئة. في 1966 رفض حضور احتفالية موسكو الذي كان من المقرر أن يُمنح فيها ميدالية فيلدز. كان يعارض سجن موسكو للكتاب.

  

اعتنق غروتينديك حب التجوال الثقافي مع قليل من العناد الذي كبر مع تقدمه في العمر. أخبر مازور وآخرين أنه سيتقاعد ببلوغه سن الأربعين وسيصبح شاعرا أو كاتبا أو رجل أعمال أو عالم أحياء. كان كتابه المفضل هو موبي ديك. إن تغير مجالك هو أمر معتاد في منتصف العمر. من منا لا يرغب في رسم صورة قبل وبعد انتصاف عمره، ليجد كل التفاصيل مروية من خلال سرد واضح ومتشعب؟ في عام 1970 في عمر 42 استقال من المعهد العالي للدراسات العلمية، والذي بدا ظاهريا بسبب أن جزءا كبيرا من تمويله كان من قِبل وزارة الدفاع الفرنسية. بدا القرار للوهلة الأولى مبدأيا، كرفضه دخول الأراضي الروسية أو رفع قدمه من على المقعد في السفينة. بدأ بالانخراط بشكل كلي في نشاطات معاداة الأسلحة النووية. كتاباته التي دعت في البداية بقوة إلى حماية البيئة تحولت إلى شيء آخر لاحقا.

      

     

خرج نقاش الجنون والعبقرية عن مساره بالسؤال عن إن كان الأشخاص المبدعون أكثر عرضة لخطر الإصابة بالأمراض العقلية من أقرانهم غير المبدعين. بعضهم كذلك وبعضهم لا. الأمر متعلق بدرجة الإلهام. في حين يكون الأشخاص المبدعون أكثر استقرارا من الناحية العقلية من غير المبدعين، تنقلب هذه العلاقة عندما تزيد الإبداعية عن الحد المعتاد. يرى دين كيث سيمونتون أستاذ علم النفس بجامعة كاليفورنيا في ديفيس أن الأشخاص المبدعين بطريقة غير اعتيادية أكثر عرضة للإصابة بالأمراض النفسية من غير المبدعين. يسمي هذا الأمر بمتلازمة العبقرية المجنونة.

  

تعتبر عدم القدرة على استبعاد المعلومات، التي تبدو ظاهريا أنها غير ذات أهمية، علامة مميزة لكل من الأفكار الإبداعية والأفكار المضطربة. هذه الحالة المعروفة بانخفاض المثبطات الكامنة تسمح لمزيد من المعلومات بالوصول إلى الوعي والذي قد يجد الرابط بين المفاهيم غير المترابطة. ويعد هذا الأمر مسؤولا عن الأفكار غير المعقولة عند المرضى النفسيين وعن التفكير الإبداعي.

  

على مر القرون ارتأت العقول الرياضية والفنية (وتلك التي تحظى بالهبتين، مثل الكاتب ديفيد فوستر والاس) أن إنجازاتهم تنبع من نفس الفضاء الذي تنبع منه مشكلاتهم الكبرى. قال جون ناش عندما سُئل مرة عن سبب اعتقاده سابقا بوجود الكائنات الفضائية: "الأفكار التي كانت لدي عن الكائنات غير الطبيعية جاءت إلي بنفس الطريقة التي جاءت منها الأفكار الرياضية". ومع ذلك فإن التفكير المتشعب غير الاعتيادي وإن كان ضروريا للقفزات الإبداعية فإنه غير كاف. في ذلك الاتجاه أيضا يكمن تفكك العقل. يجب أن يكون هناك تحكم إدراكي وذكاء وافر للتحكم في المعلومات المتشعبة والاستفادة منها بطريقة إبداعية. تقول عالمة النفس شيلي كارسون التي تحاضر عن الإبداع في جامعة هارفارد: "هناك بعض الشذوذ العقلي الذي إن وُجد مع قدرات إدراكية معينة يسمح بحدوث أفكار إبداعية".

 

يقول ريكس يونج، أستاذ علم النفس العصبي الذي يحاضر عن الإبداع والذكاء بجامعة نيومكسيكو في ألباكركي: "الإنتاجية العالية مرتبطة بالذكاء والإبداعية العالية، سواء كانت ذات طبيعة توحدية أو فصامية. هذه الخصائص غير الاعتيادية كلها موزعة حول منحنى الجرس الطبيعي، مما يزيد من احتمالية إنتاج هذه العقول لشيء جديد".

             

تعمل كل من الشبكة الافتراضية والتنفيذية المركزية في الأوضاع الطبيعية وفق التوتر الديناميكي، والذي يُعد الصفة المميزة للصحة العقلية، ومعدلات الذكاء المرتفعة

غيتي
    

الذكاء الاستثنائي المطلوب للمساهمات العبقرية في الرياضيات لا يحسن فقط من التفكير الشاذ، بل قد يؤخر أو يمنع المرض العقلي عند أولئك الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة به على الأقل لفترة كبيرة من الوقت. ومن بين الرجال يعتبر السن الأمثل لظهور أعراض الفصام أو الاضطرابات النفسية الأخرى هو أواخر سن المراهقة أو بدايات العشرينيات. مع ذلك، لم يظهر غروتينديك ونيوتن وناش تفكيرا يمكن وصفه بالواهم أو المضطرب حتى مراحل لاحقة من العمر: حدث ذلك مع ناش عند 30 عاما، أما نيوتن وغروتينديك فعند منتصف العمر. من الناحية العصبية فإن عملية انحسار الميالين التي تبدأ في منتصف الأربعينيات تؤدي إلى ضعف الشبكات التنفيذية التي تحمي الأعصاب بحسب يونج. تؤثر وظيفة الميالين على سرعة معالجة البيانات، وهي عامل رئيس في التفرقة بين مستويات الذكاء الشخصي، "ومن الطبيعي أن الشخص الذكي والأكثر عرضة للإصابة بالمرض العقلي ربما يبدأ بالمرور بهذه الأعراض عند هذه الفترة العمرية". يعتقد كارسون أن هؤلاء الرجال تجنبوا المرض ليس فقط بسبب عبقريتهم بل بسبب رغبتهم القوية في الإبداع.

        

نجد لهذه الفكرة صدى في كلمات بيير كارتيير الذي كان واحدا من ألمع تلامذة غروتينديك حين كتب قائلًا إنه بالرغم من رغبته في عدم تشخيص أستاذه فإنه اعتبر إنجازات غروتينديك مثبطة لحالته العقلية المتقلبة، "قدرته على الإبداع العلمي كانت المضاد الأول للاكتئاب، وانغماسه في الحياة العلمية في بورباكي والمعهد العالي للدراسات العلمية ساعدت في تحقيق ذلك بإكسابها أبعادا جماعية".

         

يقال إن الرياضي الأكثر عبقرية هو من يستطيع رؤية التماثلات داخل التماثلات. كانت هذه حالة غروتينديك. استخدم استعارات من المباني مثل القصر المثالي لوصف الحلول التي فكر فيها. هذا الأمر مألوف حتى في اللغة التي يستخدمها الآخرون لوصف عمل غروتينديك: "يحب الرياضيون المشي في المسارات الضيقة الصغيرة في الأماكن غير المعروفة باحثين عن مشهد جميل أو عن أحجار صغيرة. لكن غروتينديك بدأ في بناء طريق سريع"، هكذا وصفه فالنتين بوينارو، وهو رياضي كان على صلة وثيقة به، يكمل بوينارو قائلا: "في حين يبني الآخرون جسورا أكروباتية بين قمتي جبل بعيدين يقوم هو بملء الهوة بينهما".

       

هل يمكن أن يكون قطبا التفكير فوق الميكانيكي وفوق الإبداعي هما العاملين المتغيرين اللازمين للعبقرية الميكانيكية على وجه الخصوص؟ وفقا لرؤية كارسون فإن "الأشخاص الذين ليس لديهم موانع أو عوائق إدراكية، بالإضافة إلى القدرات التنظيمية العالية، يرون آليات لا يمكن للآخرين رؤيتها -إذ تتشابك الرؤى، ثم تعمل معا". جدير بنا الأخذ في الاعتبار كيف أن السمات التوحدية قد تنتج عبقريات رياضية، على عكس الموهبة الحسابية، والتي يمكن وصفها بالذكاء الفائق الخالي من الإبداع. بالفعل هناك نظرية معاصرة للقدرات العقلية وتخصيص المواهب توصلت إلى نفس النتائج المتعلقة بالعبقرية والإبداع التي توصل إليها الباحثان كارسون وجونغ.

          

إن تصوير الدماغ وعلم الوراثة الجزيئية قد يثبتان في يوم ما أن العقول التي غيرت مجرى التاريخ، والتي على الأرجح سوف تتضمن جون ناش ونيوتن، تظهر ملامح شديدة للقدرات فوق الميكانيكية والتخاطرية

رويترز
   

تعتمد نظرية التناظر العقلي على أدلة وراثية متماثلة، كنتيجة لتعارض صفات جينات الأم والأب، وهو ما يفسر كيفية استمرار التوحد والفصام كحالات أحادية القطب. وفق هذه الصورة يدفع التأثير الجيني الأبوي نحو التفكير الميكانيكي -التوحد في أشد حالاته-، بينما تشكل جينات الأم السمات العقلية، ما يؤدي إلى قمة الأمراض النفسية، الذهان.

        

تلك النظرية، والتي وضعها عالم الاجتماع كريستوفر بادكوك، وعالم التطور البيولوجي برنارد كريسبي خلال العقد الماضي، مدعومة بما يعرف الآن بعلم التخلق المتعاقب -وهي الطرق التي تبرز أو تندثر من خلالها الصفات الجينية-. فعندما تبرز صفات الجينات الإدراكية الآتية من جانب الأم تتقد القدرات التعاطفية والحسية، ويحدث ذلك في أغلب الأحيان على حساب القدرات الميكانيكية. وعلى الجانب الآخر، تسهم الجينات الأبوية في تحفيز القدرات الإدراكية الميكانيكية، أو حتى إحداث اضطراب توحدي طفيف.

 

تقود هذه النظرية إلى افتراض رئيس، وهو أن تصوير الدماغ وعلم الوراثة الجزيئية قد يثبتان في يوم ما أن العقول التي غيرت مجرى التاريخ، والتي على الأرجح سوف تتضمن ناش ونيوتن، تظهر ملامح شديدة لكل من القدرات فوق الميكانيكية، وفوق التخاطرية. فكل هؤلاء الرجال كانوا يعانون من التوحد والفصام. يفترض بادكوك في طرحه لنظرية تماثل المخ أن "العبقرية الحقيقية في أي مجال من المجالات قد تعتمد على العقل، الذي لا يعدو كونه أداة توازن بين التوحد والذهان، لكنه في حقيقة الأمر يساهم في زيادة الاثنين".

     

من المهم الأخذ في الاعتبار أن ما يُطلق عليه الأعراض السلبية للفصام تتضمن تأثيرات أخرى مغايرة ومبهمة قد تشبه أعراض التوحد. وعلى الرغم من ذلك، تعامل بعض الشباب مثل ناش ونيوتن بطرق قد تتسق مع اضطرابات التوحد الطفيفة. فقد عرف ناش بأنه غريب الأطوار ومنعزل عاطفيا، لكنه كان نابغا بشكل لا يتصور، وكانت تزكية الكلية التي تخرج فيها عبارة عن سطر واحد: "إنه عبقري رياضي". فقد كان مسار فصام شخصيته غير معتاد. فعندما كان في الثلاثين من عمره، وفي أوج ازدهار قدراته الرياضية أصيب بذهان معقد، وظل قيد رعاية أسرته والعديد من المصحات لمدة ربع قرن تقريبا، لكنه تعافى وعاود الظهور من جديد في منتصف الخمسينيات من عمره، بعد أن تحسنت حالته المرضية إلى حد كبير.

                        

وتجدر الإشارة إلى أن ناش قد كتب قائلا إن أول علامات تحسنه جاءت بعد تخليه عن الهواجس السياسية من النوع الذي عانى منه غروتينديك. ومن خلال ملخص سيرته الذاتية المقدم للجنة جائزة نوبل لعام 1994 بيّن أن تعافيه لم يشعره بالرضا بشكل كامل، لأن القدرات العقلية الميكانيكية للعالم تغير "شعوره تجاه نفسه أمام الكون".

      

إن الذكاء بمنزلة العامل الوقائي عند هؤلاء الذين لديهم استعداد وراثي لتزايد الفصام، وقد تكون قدرة ناش العقلية التي مكنته من التحكم في أعراض الاضطراب العقلي مستمدة من وظائفه العقلية التنفيذية الفائقة. إذ لا تتوفر البيانات الكافية لاختبار التفاعل بين كل من العبقرية والتوحد والفصام، والتي تعد حالات نادرة. وعلى الرغم من أن السير الذاتية تعد أداة غاية في الأهمية في الوقت الحالي فإن الكثير من العلماء يتحاشونها بشكل عام. في نهاية المطاف، فإن التوصل إلى فهم الهندسة الوراثية لمثل هذه الحالات سوف يفسر تباين المسارات الفردية، ويوضح سبب ميل الفصام لكي يكون أكثر تسببا في العجز الإدراكي من منحه للمواهب الإبداعية. إذ يُرجح أن الأشخاص فائقي الإبداع لديهم طراز جيني فصامي واحد فقط.

     

كان إسحق نيوتن دائم الانعزال، وكثير من السير الذاتية التي تحدثت عن حياته أشارت إلى ما يعرف اليوم بالتوحد. فقد عانى نيوتن من الذهان ووُهام الاضطهاد خلال فترة الخمسينيات من عمره، لكنه تغلب على تلك الهواجس فيما بعد. ناقش جون ماينارد كينز ما كتبه نيوتن في الخيمياء، والمعروفة باسم "مجموعة كوير"، والتي تبلغ آلاف الصفحات، والتي تُعدّ في نهاية المطاف عمل حياته، والتي تتخطى في أهميتها ما قدمه من أعمال فريدة في علم الفلك والفيزياء والرياضيات. فقد كتب أكثر من مليون كلمة في الخيمياء والنبوءة المقدسة. وبالتالي، كان هوس أبو الثورة العلمية بهذه المواضيع، والذي توصل إليه كينز في نهاية المطاف أن نيوتن "لم يكن الأول في عصر العقل، بل كان آخر المشعوذين".

     

إن الرياضيات والروحانية، والعقل والشعوذة، كلها أمور متعارضة بشكل كبير بالنسبة لمعظم الأشخاص. لكن حياة بعض عباقرة الرياضيات قد تقترب أكثر إلى الهواجس العقلية أكثر منها إلى الميكانيكية. فقد كانت قناعات نيوتن عن الخيمياء والتنجيم شديدة الشطط العقلي كونها تستند إلى المادة الجامدة، من المعادن الأساسية في النجوم، والخصائص الضمنية المقتصرة على فئة معينة. إن اعتقاد جونغ وبادكوك بأن العبقرية تنشأ من تفاعل هذه القطبية يأتي من خلال فهم طريقة تواصل بعض المناطق مع بعضها البعض داخل عقول الأشخاص المبدعين.

      

إن إزالة التثبيط الإدراكي جزء لا يتجزأ من العملية الإبداعية، فهو ينصب على التفكير واسع الأفق، ذي الصلة الوثيقة، بالإضافة إلى عدم القدرة على تنقية المعلومات التي قد تبدو غريبة. يبرز هذا النوع من التفكير عندما تميل شبكة التحكم في القدرات التنفيذية، المسؤولة عن المهام الإدراكية العليا، إلى صالح شبكة النمط الافتراضي. تنشط شبكة الدماغ تلك في غياب الأهداف الواضحة، وتظهر في صورة أحلام يقظة أو تحليل عقول الآخرين، والذي يهيمن على التفكير العقلي. تؤكد دراسات تصوير المخ أن الأشخاص فائقي الإبداع، وغيرهم المعرضين لخطر الاضطراب الذهاني البسيط على السواء، أظهروا أنماطا غير عادية من الاتصال بين الشبكتين.

         

    

تعمل كل من الشبكة الافتراضية والشبكة التنفيذية المركزية في الأوضاع الطبيعية وفق التوتر الديناميكي، والذي يُعد الصفة المميزة للصحة العقلية، وكذلك معدلات الذكاء المرتفعة. يوضح أنتوني جاك، عالم الأعصاب، والذي يدرس هذه المناطق في مختبر المخ والعقل والإدراك في جامعة كيس ويسترن ريسيرف، قائلا: "إن الإبداع هو المنطقة الوحيدة المرغوبة الحرجة التي تتعطل. ففي لحظة توصلك إلى حل معضلة ما تساهم المنطقتان معا، فالعبقرية تأتي من خلال مشاركة الجانبين معا، لكن المشكلة تكمن في إدارة هذا المزيج مع الحفاظ على الاستقرار".

      

بعد تخلي بورباكي عن متابعة مشاريعه المتعلقة بالحفاظ على البيئة بدأ غروتينديك في التراجع عن الرياضيات وعن دوره المجتمعي البارز مع مرور كل عقد من الزمن. استمرت مراسلاته المكتوبة رائعة، لكن بحلول أواخر سبعينيات القرن الماضي أصبحت أكثر تعارضا مع سلوكه الفعلي، ففي أعقاب زيارة شقيقته "مايدي" له عام 1978 كتب: "كان لقاء الأحبة رائعا -على الأرجح إعادة اكتشاف، ربما السبب في ذلك هو الصفاء الذي يأتي بتقدم السن- أبلغ من العمر الآن قرابة نصف القرن، وأشعر بالحكمة". لكن ابنة مايدي قد ذكرت في وقت لاحق أن غروتينديك قد انفجر غضبا عندما قرأت مايدي مجموعة من الخطابات بناء على طلب منه، وقام بطرد جميع النساء من منزله، واتهم مايدي بالتطفل على خصوصياته.

    

عاش غروتينديك منعزلا في بلدة فيليكون، قبل أن يذهب في رحلته إلى لاسير، والتي بدأ خلالها كتابة ألف صفحة من انتقاد الأشخاص، النعم الموجودة في كل شيء. أما كتاب "الحصاد والغرس" الذي انتهى منه في أواخر ثمانينات القرن الماضي فيُعد نصه الأكثر دراسة بشكل كبير، والذي أطلق عليه "الأوهام الرياضية"، إذ يمزج هذا العمل بين السيرة الذاتية، والرياضيات، والتأملات الحرة. كتب في استقالته من "IHES": "مع مغادرتي السعيدة، أضع حدًّا لخمولي الطويل". وأضاف: "لقد اتخذت الخطوة الأولى في موازنة القوى القابعة في أعماقي، والتي كانت راسخة ومتشابكة في حالة من عدم التوازن الشديد".

      

أما كتاباته اللاحقة، مثل "مفتاح الأحلام"، كانت أكثر منطقية، فقد وضع أقساما بعد أقسام من الحواشي التي ترسم خطوطا جديدة كليا من التفسير. فالعقل الذي صمم الفضاء المجرد بطريقة لا يمكن لأي عقل الاقتراب مما خطه عن الغرض المنطقي للمسيحية. وعلى الرغم من ذلك، وخلافا للرياضيات، فإن معظم إبداعه يتميز بالغموض. يقول وينفريد شارلو، والذي يعمل على سيرة غروتينديك المكونة من أربعة مجلدات: "يبدو أنه من المستحيل تقريبا أن يكون كل ذلك، أو حتى جزء كبير منه، ليس ذا أهمية". فقد تم العثور على قرابة 100 ألف صفحة من الملاحظات بعد وفاته، ما أثار عاصفة من المعارك القانونية والأوامر القضائية بالفعل. فقد أعلن غروتينديك صراحة عن عدم رغبته في نشر ما تبقى من أعماله. وفي شهر (مايو/أيار) من هذا العام وقّعت جامعة مونبليه اتفاقا لنشر مجموعة من الملاحظات التي لم يسبق لها مثيل، ترجع معظمها إلى ستينيات وسبعينيات القرن الماضي.

         

أظهر غروتينديك بعض الخصائص البارزة لقدراته الميكانيكية وتفكيره العقلي، لكنه نبغ في كليهما في نهاية المطاف

مواقع التواصل
    

إن الذين يعانون من اضطرابات الذهان الطفيف يستطيعون الحفاظ على رؤيتهم الخاصة للكون، إذ يكون التشويه فقط ناتجا من قوة اضطراب الفكر. بحث غروتينديك من قبل على "نمط" للتطبيق الرياضي، لكن هذا الأسلوب تحول مع الوقت إلى وضع نمط لكل شيء. ومن السمات المميزة لطريقة غروتينديك فوق العقلية في التفكير أن البيئة كانت في حاجة إلى الحماية، فقد قام بمعالجة براعم الأزهار الصغيرة التي جُمعت من حديقة منزله، وأنماهم في الداخل بشكل فردي. أما رؤيته لما يتعلق بالبشر فقد كان أكثر مراوغة، فتلك الصرامة التي تملّكته لاتخاذ مواقف أساسية استنادا إلى مبادئ محددة في المسائل الكبيرة والصغيرة نابعة من جنون العظمة والغضب.

    

وافق غروتينديك في منتصف ثمانينيات القرن الماضي على لقاء روي ليسكر، عالم الرياضيات الأميركي الذي كان حريصا على الكتابة عنه. عندما وصل ليسكر وجد غروتينديك مرتديا زي الفلاحين من القرون الوسطى، وفاقدا لعدد من أسنان، واستشاط غضبا عندما غيرت صحيفة لو موند ثلاث كلمات في الافتتاحية التي قدمها. ووجه كلامه إلى ليسكر قائلا: "كيف يجرؤون على إجراء مثل هذا التعديل". وأرادهم أن يعيدوا طباعة كلماته الأصلية كاملة، مصحوبة باعتذار. كان يظن أنه على تواصل مع أفلاطون وديكارت، بل حتى مع الله. الاعتقاد بنقل الإشارات هو علامة اضطراب الذهان.

   

يفضّل علماء الرياضيات الذين يتذكرون غروتينديك اليوم أن يذكروه وهو في أوج قوته، ولكن يجب أن نقر أنه لم يتعرض بقصد السوء لأحد، ولا حتى في كتاباته الأخيرة، والتي نقتبس من "موبي ديك" عرض "لمحات لتلك الحقيقة التي لا تُحتمل، إن كل هذا التفكير العميق والجاد ما هو إلا بمنزلة تضحية الروح للحفاظ على استقلالها التام في بحرها".

   

أظهر غروتينديك بعض الخصائص البارزة لقدراته الميكانيكية وتفكيره العقلي، لكنه نبغ في كليهما في نهاية المطاف. فعندما تُفهم السمات الجزيئية للنبوغ وعلم نفس الأمراض بشكل أفضل، قد تبرز مصطلحات عقلية جديدة تصف حالة مثل حالته لتُفهم بشكل أفضل. لكي نصف غروتينديك بالعبقري المجنون فهو بمنزلة اختزال، مثل وصف تشارلز داروين بالارتياب، فهو صحيح من الناحية الفنية، لكنه يلغي جزءا كبيرا من الحقيقة. فقد تكون المفارقة في عبارة العبقري المجنون حقيقية إذا أرادت الإشارة إلى رؤية أساسيات الطبيعة من خلال وجهة نظر غريبة، كما فعلوا جميعا.

______________________________________________
 
تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار