اغلاق
آخر تحديث: 2017/4/19 الساعة 15:09 (مكة المكرمة) الموافق 1438/7/23 هـ

انضم إلينا
هل ثمة حاجة إلى نسوية عربية جديدة؟

هل ثمة حاجة إلى نسوية عربية جديدة؟

  • ض
  • ض
الصدمة المعرفية والخروج من أصفاد الطغاة فجأةً ولّدت أسئلةً كبرى عند مكونات الشعوب العربية الثائرة وغيرها، وبدأ كل جسم في المجتمع ينظر إلى مدى قدرته على استيعاب ما جرى ويجري، ومدى تطوره الحقيقي من بدء تكوينه حتى اللحظة، فشرعت الأجسام والحركات تراجع نفسها ذاتيًّا بهدف التطوير والمواكبة، وبدأت في الوقت ذاته عمليةُ المساءلة الاجتماعية عن مدى نجاح بعض الحركات في تطبيق شعاراتها وتحقيق غايتها التي أُسست من أجلها، ومن ذلك الحركة النسوية العربية عمومًا.

 

ومن خلال استقراء عام لما كتب عن الحركات النسوية فإنه منذ البدء كانت النظرةٌ إلى الحركات النسوية في الوطن العربي والحاجة إليها محكومة بأمرين متوازيين:

- طبيعة الحيّز الذي تشغله المرأة في الموروث الثقافي العربي.

-مدى الاحتياجات الحقيقة للأهداف التي بُنيت عليها هذه الحركات.

 

مما جعل النظرة متباينة وأثار سؤال الجدوى بحق، لا سيما أن تلك الحركات لم تكن فاعلة ومؤثرة بما يكفي لتُقنع بها مَن حولها، أو لتقتنع هي بأهميتها ربما؛ كيف لا وقضية المرأة لم تكن همًّا شعبياً وثقافياً جادًّا، وعلى امتداد الفترات الماضية عجزت أدوات التغيير الاجتماعي عن التركيز على قضايا المرأة تركيزًا عميقًا بعيدًا عن السطحية الساخرة بوجه من وجوهها، مما حال دون إيجاد آليات فكرية تساعد على انتشار فكر وبالتالي حركة تساهم في تحسين الأداء النسوي والتعاطي الفعال مع القضايا النسائية عمومًا.

 

تأريخ
كتاب تحرير المرأة لقاسم أمين (المرسال)


"
لقد طرقت باباً من أبواب الإصلاح في أمتنا، والتمست وجهاً من وجوهه في قسم من أفراد الأمة له الأثر العظيم في مجموعها"

(قاسم أمين)


هذا ما ورد في كتاب "تحرير المرأة" لقاسم أمين حيث وُلِدت مع الكتاب أولى مظاهر الحركة النسوية الداعية إلى تحرير المرأة، وقد أردف كتابه هذا بكتاب آخر اسمه "المرأة الجديدة".

 

وقاسم أمين بدوره لا يتبرأ في دعوته لتحرير المرأة من الإسلام؛ بل يَعُدّها دعوة أصيلة تنطلق من الدين للتسوية في الحقوق بين الجنسين، وقد نبتت بذور النسوية وأهدفها على يديه أيضا؛ إذ دعا إلى التسوية في الحقوق بين الجنسين، وكما كان ملحًّا على ضرورة تعلم المرأة ولو بالحد الأدنى للتعليم لتحقق شروط إنسانيتها كما يرى، وقد طالب أمين بوضع الطلاق في يد القضاء منعًا لتعسف الزوج في إيقاعه، في حين رأى أن التعدد احتقار شديد للمرأة، وحدد موقفه الخاص من الحجاب1.

 

بعد الحركة التي قامت بها هدى شعراوي وتأسيسها للاتحاد النسائي العام في مصر، بدأت تستشري الجمعيات والمنظمات النسائية المدعومة غربياً والتي عملت في كل مجتمع وقُطر عربي بأهداف تتقاطع وتفترق وشعارات تجد صدى أحيانا ويضيع صداها أحايين.

واستلمت هدى شعراوي من قاسم أمين عصى الحراك النسوي؛ حيث أقنعت الجامعة المصرية عام 1908 بتخصيصي قاعة للمحاضرات النسوية، كما أنها دعت إلى خلع غطاء الوجه على غير المألوف في ذلك العصر، وأسست "الاتحاد النسائي المصري" عام 1923، وفي عام 1966 أصبح اسمه "جمعية هدى شعراوي"،  وكانت السيدة شعراوي عضوًا في "الاتحاد النسائي العربي" وإضافة إلى نشاطه النسوي فإن هذا الاتحاد كان يدعو للقومية العربية ويدافع عن قضايا العربية عموما والفلسطينية خصوصا2.

 

وبعدها بدأت المنظمات والجمعيات النسوية تتأسس في الوطن العربي في كل بلد على حدا؛ ففي الأردن تأسس اتحاد المرأة الأردني عام 1945م، بهدف التصدي لأي شكل من أشكال التمييز ضد المرأة، وتعزيز مكانة المرأة الأردنية ودورها في المجتمع، وتمكينها من ممارسة حقوقها. وفي عام 1953 تأسس "نادي البحرين للسيدات" برئاسة الليدي بلجريف، زوجة المستشار البريطاني، التي اختارت نخبة من سيدات الطبقات العليا المتعلمات أعضاء في النادي الذي هدف إلى القيام بالأعمال الخيرية ومساعدة الفقراء والمحتاجين وتعليم النساء بعض المهارات كالطبخ والخياطة3.

 

وقد تأسس الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية عام 1965، وهو تنظيم شعبي ديمقراطي يمثل المرأة الفلسطينية  في جميع أماكن وجودها، وقاعدة من قواعد منظمة التحرير الفلسطينية، ويهدف إلى تعبئة وتنظيم طاقات المرأة الفلسطينية أينما كانت، والنضال من أجل تحقيق مساواة المرأة بالرجل في الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والربط بين قضية التحرير الاجتماعي للمرأة وقضية النضال من أجل التحرير الوطني4.

 

وفي الإمارات تأسس "الاتحاد النسائي العام" عام 1975  بهدف النهوض وتمكين وريادة المرأة في الإمارات العربية5. كما انبثقت عن جامعة الدول العربية منظمة المرأة العربية6 عام 2000. وهكذا بدأت تستشري المنظمات النسائية المدعومة غربياً والتي عملت في كل مجتمع وقُطر عربي بأهداف تتقاطع وتفترق وشعارات تجد صدى أحيانا ويضيع صداها أحايين.
 

 مؤتمر منظمة المرأة العربية السادس (منظمة المرأة العربية)


وقد أجملت الأستاذة فاطمة حافظ المراحلَ التي مرَّ بها الحراك النسوي إلى
:

1. مرحلة نهضوية من أوائل القرن العشرين وحتى ثلاثينياته؛ وركزت هذه الحقبة على مطالب اجتماعية؛ كحق النساء في التعلم والعمل، إضافة إلى بعض القضايا المرتبطة بها، مثل: الحجاب، والضوابط التي يمكن أن تحكم خروج المرأة، وطبيعة الدوائر التي يمكن أن تشتغل فيها.

 

2. بين الأربعينات والخمسينيات وفيها ترسخ حقي النساء في التعليم والعمل ولم يعودا مطروحين للنقاش، وقد تجاوز الخطاب النسوي في هذه المرحلة مطالبه الاجتماعية إلى الحقوق السياسية؛ حيث انخرطت النساء في حركات التحرر الوطنية آنذاك في مصر وفلسطين والمغرب.

 

3. مرحلة صعود الدولة القومية وفيها امتلكت الدولة ناصية العمل النسائي وأخضعت كل التنظيمات النسائية تحت سلطتها، وقد أقدمت على تقنين أوضاع النساء عبر إصدارها قوانين العمل وقوانين الأسرة.

 

4. من الثمانيات حتى الآن، مرحلة انسحاب الدولة وبروز سلطة العولمة، في مستهلها شهدت البلاد العربية قاطبة صحوة إسلامية كرد فعل على عملية التحديث على النسق الغربي التي انتهجتها الدولة؛ وقد أفرزت الصحوة بدورها تيارا نسائيا إسلاميا تشكل من نساء الطبقة الوسطى وقد عبر هذا التيار عن ذاته في شكل عودة موسعة لارتداء الحجاب، وتأسيس جمعيات نسائية على أسس ومرجعيات إسلامية، وانخراط في التيارات والأحزاب الإسلامية القائمة ومشاركة النساء في الترشح على قوائمها الانتخابية واحتلالهن مراكز متقدمة في هياكلها التنظيمية7.

 

أجندات
صورة لإحدى الحركة النسائية في الستينيات تطالب بالمساواة (غيتي)


مما لوحظ على خطاب الحركات النسوية في الوطن العربي أنها تخرج بمصطلحات ومفاهيم عولمية فيما يخص قضايا المرأة والأسرة كذلك، وكانت هذه المفاهيم متجاوزة الخصوصيات الثقافية والحضارية مثيرة لجدالات أخرى خصوصًا مع الأطر المرجعية التي ستستند إليها برامج وسياسات العمل المدني والرسمي في مجال تطوير وتحديث وضع المرأة. وذلك يعني أن المرجعية والأجندة الغربية تربط التنمية والتحديث بالاقتراب من الثقافة والنموذج المادي العلماني الحداثي الغربي والمنظومة المعرفية السائلة للنظام العولمي.

 

مما يجعلنا نمحّص بعمق في خطاب النسوية العربية الصاعد على تدرجاتها التاريخية، ومدى حفر خصائص الخطاب الغربي الخاص بالمرأة فيه عميقًا، فنجد أن الخطاب الغربي كان محكومًا بالوضعية الفلسفية القائمة على فصل الدين عن المجال العام برمته في إطار تقديم المادي والاقتصادي والفرداني ونقض المعنوي والقيمي والجمعي، وكذلك كان قائمًا على الاختزالية الجزئية؛ أي: الاقتطاع من السياق العمراني الحضاري وعدم النظر إلى المرأة على أنها ظاهرة اجتماعية إنسانية مركبة؛ ثم الدعوة إلى المساواة المنبنية على فكر الجندر.

 

أضحى العمل المأجور خارج المنزل هو أساس تأكيد الاستقلالية وأُسُّ المكانة الأسرية والاجتماعية؛ لأن الأبعاد المادية الاستهلاكية هي معيار الفاعلية والإنجاز

 وهذا كله مرتكز -أولًا وآخرًا- على السعي إلى العولمة على المثال الغربي دون مراعاة خصائص البيئة والتقاليد الثقافية والاجتماعية. 
 

ووفق تلك الخصائص نتج عندنا -ضرورةً حتميَّةً- : 
- النظر إلى الدين على أنه معيق لنمو المرأة، فالحجاب بالضرورة تهميش وعزل.
 

- الفردية المطلقة والحرية الكاملة ورفض توصيف المرأة على أنها أمًّا أو زوجةً أو أختًا أو ابنة.
 

- الحط من دور المرأة في الأسرة أو في "النشاط بدون مقابل مادي نقدي"؛ حيث أضحى العمل المأجور خارج المنزل هو أساس تأكيد الاستقلالية وأُسُّ المكانة الأسرية والاجتماعية؛ لأن الأبعاد المادية الاستهلاكية هي معيار الفاعلية والإنجاز؛ ذلك في ظل النسبية المفرطة تجاه القيم الأخلاقية والمعنوية، ومصادرة إنسانيتها التي صارت أسطورة فردانية من غير المقبول مراجعتها.


مما يعني إعادة هيكلة تموضع كل من المرأة والرجل في المجتمع مع إلغاء الفروقات البيولوجية والاجتماعية بينهما، وبالتالي تهديد حقيقي لمكانة المرأة الاجتماعية فطريا، ولشكل الأسرة عموما8.

 

تحديات وإنجاز

بعد هذا الامتداد الزماني التاريخي للحركة النسوية العربية سيطرح أمامنا سؤال عن مدى تأثيره وقلبه لموازين واقع المرأة عربيًا وفقا لشعاراتها الإصلاحية المنادية بضرورة التعليم والمشاركة السياسية ومحاربة العنف؛ ونظرًا لآخر التحديثات الإحصائية في الوطن العربي فإن دراسة على 2000 سيدة في الإحساء كانت نسبة المتعرضات للعنف من أفراد الأسرة 11%؛ أي: امرأة من بين كل عشرة نساء تقريبا، كما أن 32% من الرجال استخدموا العنف ضد زوجاتهم بسبب سوء تصرفاتهن9.

 

في حين يتحدث  مكتب الأمم المتحدة للمرأة بالمغرب عن 2.4  مليون امرأة مغربية تتعرض للتعنيف والتحرش في الأماكن العامة، مما دفع المكتب الأممي إلى إطلاق حملة لمناهضة العنف ضد النساء في المغرب تحت شعار "مناهضة العنف ضد النساء في الأماكن العامة"10.

 

غابت احتياجات وطموحات المرأة العادية عن الطرح النسوي وحضرت القضايا التي تسعى إلى تأصيل الفردانية وتقديم الذات على الأسر مما لا يتناسب مع الموروث الثقافي الذي تحمله المرأة العربية

رويترز
 

وحسب صحيفة النهار اللبنانية فإن عدد النساء اللواتي يبلغنَ عن تعرضهن لعنف جسدي، اقتصادي، جنسي أو معنوي ويطلبن الحماية، ارتفع من 290 حالة في العام 2014 إلى 725 في السنة التالية11 .

 

وفي نظرة إلى الواقع التعليمي فإننا سنجده لا يقل فداحة عن واقع التحرش والعنف؛ حيث أصدرت منظمة المرأة العربية بيانا تحدثت فيه عن بيانات منظمة اليونسكو التي تشير إلى أن نسبة الأمية وصلت في الوطن العربي إلى نحو 30%، وهي ترتفع بين النساء إلى نحو 50%، وهي أعلى نسبة للأمية موجودة في عدة بلدان على رأسها12: العراق، السودان، مصر، اليمن، والمغرب

 

وعن مشاركة المرأة في العمل السياسي أفردت ميدان تقريرًا أوردت فيه إحصائيات وحقائق تتعلق بالموضوع13تضعنا هذه الإحصائيات عن واقع المرأة أمام المأزق الواقعي للمرأة العربية الذي انفصلت عنه دعوات النسوية.

 

على أن الأستاذة سوزان إبراهيم ترى أنه من المجحف حقيقة إغفال ما حققته الدعوات النسوية على بعض المستويات مما يتعلق بإسهامات المرأة المثقفة في تغيير النظرة إلى تعليم المرأة مبكراً في بعض المجتمعات العربية، إضافة إلى تغير في النظر إلى قضايا مرتبطة بالمرأة كخروجها إلى العمل، ومشاركتها في الحياة السياسية14.

 

وبعد هذا كله يتراءى لنا سؤال مهم كمنطلق لنسوية جديدة تنهض بواقع المرأة:
أين المرأة العادية من الطرح النسوي؟



لقد غابت احتياجات وطموحات المرأة العادية عن الطرح النسوي وعن الخطاب النسوي، وحضرت القضايا التي تسعى إلى تأصيل الفردانية وتقديم الذات على الأسر مما لا يتناسب مع الموروث الثقافي الثقيل الذي تحمله المرأة العربية، مما جعل المرأة ذاتها لا تتفاعل مع كل هذه المؤسسات والتنظيمات التي من المفترض أنها أُنشئت لها!

 

وما الذي تريده المرأة العربية، وما هي الصورة الجديدة التي ترغب فيها أو توافق عليها؟ أم هي جزء من كلّ تستلهم رؤية المجتمع، وتدور في فلك تحقيق أهدافه الجمعية التي تعتمد على تقسيم معيّن للأدوار يتجاوز الذات الفردية، ويُخضع الجماعة لثقافة تقوم على التفرقة بين الجنسين، يصعب اختراقها حتى من قبل الرجل ذاته.

 

لا بد من القدرة على خلق حركة رصينة طويلة المدى لإحداث تغيير جذري ذي دلالات حضارية، على أن تسبق هذا عمليةُ بناء قاعدة فكرية قوية فمع غياب أرضية فكرية قوية تحتضن أي حركة سيضيع المجهود سدى

وبالعالم العربي قد لا نكون مجازفين عندما نعلن أنّ الأدبيات المرتبطة بقضايا تحرّر المرأة في فكرنا المعاصر، لم تكن في مستوى المنجزات الإصلاحية الأخرى الموصولة بإشكالات السياسة والثقافة والمجتمع، بل إنّنا نجد لذلك تفسيرًا في الطابع الخاص الذي تميزت به أسئلة المرأة وقضاياها في تاريخنا ومجتمعنا وموروثنا الرمزي، فلم يكن من السهل داخل محيط تاريخي يتّسم بمظاهر التأخر التاريخي الشامل، أن يتجه التفكير لبناء اجتهادات مناسبة لمشروع التحرّر الذي شكّل المنطلق الأساس في مشروع النهوض العربي، في موضوع يصعب فصله عن تركيبته التاريخية والثقافية المعقدة.

 

ومن خلال المعطيات التي سردها التقرير نجد أننا بتنا بحاجة إلى اجتراح خطاب نسوي منبثق عن حركة نسوية منطلقة من احتياجات المرأة العربية ذاتها، يقوم هذا الخطاب على تعميق الخصوصية للمرأة العربية ويقدم أرضية مشتركة مع الحركات النسوية العالمية مما يُنتج خطابًا عالميًّا لا يتجاوز العوز النسوي الأساسي بشعارات فضفاضة تعرض البنى العقدية والفكرية والقيمية للاهتزاز المخل.

 

ثم لا بد من القدرة على خلق حركة رصينة طويلة المدى لإحداث تغيير جذري ذي دلالات حضارية، على أن تسبق هذا عمليةُ بناء قاعدة فكرية قوية فمع غياب أرضية فكرية قوية تحتضن أي حركة سيضيع المجهود سدى. ولا بد قبل هذا كله من الإيمان بأن قضايا المرأة ليست قضايا هامشية.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار