اغلاق
آخر تحديث: 2017/6/25 الساعة 03:45 (مكة المكرمة) الموافق 1438/10/1 هـ

انضم إلينا
الشخصية النرجسية.. حينما تستمتع باللعب على مشاعر الآخرين

الشخصية النرجسية.. حينما تستمتع باللعب على مشاعر الآخرين

محمد الجاويش

محرر منوعات
  • ض
  • ض

يُشاع استخدام مصطلح النرجسية في المحادثات المتعلقة بالجوانب النفسية واضطرابات الشخصية، وعلى الرغم من ذلك، فإن هناك التباس لدى فئة كبيرة من الناس حول كيفية استخدام هذا المصطلح، فالكثيرون يستخدمونه للتعبير عن شخص يتسم بالغرور المفرط أو حب الذات، وقد ترتبط النرجسية بالغرور وتضخم الذات، إلا أن ذلك لا يعد دقيقا، فليس كل من يعاني من الغرور والأنانية هو شخص نرجسي، إذ توجد الكثير من التناقضات والتعقيدات الازدواجية التي تقطن بداخل الشخصية النرجسية.(1)

 

يعاني النرجسي من اضطراب الشخصية الذي يتميز بنمط العظمة طويل الأمد والحاجة الماسة للإعجاب، حيث تجده دائم الاهتمام بمظهره وحضوره أمام الآخرين، ووفقا لنظرية عالم النفس سيغموند فرويد عن اضطراب الشخصية النرجسية التي أوضحها في أطروحته التي نُشرت عام 1914 بعنوان "مقدمة إلى مفهوم النرجسية" فإن الشخص النرجسي يتميز بالغيرة من الآخرين، والعجرفة عليهم، وفرط الحساسية تجاه آرائهم، وعدم تقبلها، بالإضافة إلى السخرية منها، فيعتقد الشخص بتميزه وفرادته عن غيره، إذ يمتلك شعورا متضخما بأهميته، ويستحوذ عليه وهم النجاح والتألق والانشغال في المبالغة بإنجازاته.(2،3)

 

بالإضافة إلى ذلك، فإنه يعتمد على الآخرين في حصوله على قيمته الذاتية، كما أنه يعتقد بكونه شخصا أساسيا وذو أهمية قصوى في حياة من حوله، حيث لا يقوى أحد على الاستغناء عنه. فخلف الشخصية الواثقة في نفسها حد التمرد تقبع شخصية أخرى -مختلفة تماما- متمركزة حول ذاتها ومعجبة بنفسها حد التضخم، متفننة في اللعب على مشاعر الآخرين وعقولهم، وعلى عكس ما يظهره هؤلاء الأشخاص من الجرأة والدبلوماسية والاستقرار، فهم يفتقرون إلى الاستقرار النفسي والسلام الداخلي حيث  يعانون من القلق المستمر، ويلحظ عليهم الانفعال من النقد الموجه لهم ويرفضون سماع الرأي المخالف لرأيهم.(4)

 

حاجة الشخصية النرجسية للعلاقات العاطفية

الشخص النرجسي يستشعر الغرابة وعدم انتمائه لأي مكان أو أي شخص في معظم الوقت، فيسعى عقله باستمرار إلى مطاردة شخص جديد ليستمد منه ثقته بنفسه واحترامه لذاته

بيكساباي
  
تتصاعد أزمة الشخصية النرجسية في التفاعلات الإنسانية والعلاقات الاجتماعية وخاصة العاطفية منها، فعلى عكس معظم البشر -الطبيعيين- الذين يدخلون في العلاقات العاطفية من أجل الحب والحاجة إلى التواصل والارتباط مع الطرف الآخر، إلا أن الشخصية النرجسية تخوض العلاقات العاطفية لأهداف مختلفة ومتناقضة. فالنرجسيون لا يتوقون عند الحب والارتباط والتواصل الإنساني مع شريك حياتهم ويكتفون به، لأنهم -في الغالب- يعانون من الافتقار إلى القدرة على تشكيل روابط متينة، ورغم ذلك فهم بحاجة إلى البشر حولهم أكثر من أي شيء آخر، ذلك لأن قيمتهم وشعورهم الكامل بتقدير ذواتهم يعتمد على إعجاب الآخرين بهم.(5)

 

الشخص النرجسي يستشعر عدم انتمائه للأماكن والأشخاص في معظم الوقت، حيث يسعى عقله باستمرار إلى مطاردة شخص جديد ليلفت انتباهه ولينال إعجابه، مما يعني تجدد الموارد التي يستمد منها ثقته بنفسه واحترامه لذاته. فالنرجسي لا يرضيه شخص واحد، ونادرا ما يستمر في علاقة عاطفية لفترة طويلة، إذ يسعى دائما إلى العلاقات العابرة قصيرة المدى  التي تخضع للشروط التي يضعها، فالدافع الأوحد لدخوله لأي علاقة عاطفية هو محاولة إيجاد شخص يملأ الفراغ بداخله، وأن يكون متاحا دائما لتلبية احتياجاته ورغباته وإمداده باحترام الذات، وهو ما يفسر سبب وقوع الكثير من الشخصيات أو الضحايا في شباك الشخصية النرجسية، فالشخص النرجسي بارع في التلاعب بالمشاعر، خاصة في بداية علاقاته العاطفية، فكل شيء يقوم به ليس حقيقيا كما يبدو، وإنما يكون دافع التصرف مبنيا ليبدو جاذبا للطرف الآخر، وقد يسعى الطرف الآخر من العلاقة -في كثير من الأحوال- إلى بذل أقصى جهده في محاولة تغيير صاحب الشخصية النرجسية، لكنه يصاب بخيبة الأمل في نهاية المطاف لعدم قدرته على ذلك.(6)

 

دائرة النرجسية في العلاقات العاطفية
تمر العلاقة العاطفية مع الشخصية النرجسية بثلاث مراحل، تبدأ بمرحلة المثالية والتقييم الزائد، ثم الهبوط المفاجئ والوقوع في مرحلة خفض قيمة وتقليل شأن الطرف الآخر، ثم الوصول أخيرا إلى المرحلة النهائية: مرحلة التجاهل. ففي المرحلة الأولى يكون الشخص النرجسي حريصا كل الحرص عند اختياره لطرف العلاقة الآخر أن يظهر في أبهى صوره ليكون جذابا حتى وإن كان السلوك زائفا، فهو يؤدي ما في وسعه لجذب انتباه الآخر، فيبدأ في الرعاية المفرطة للطرف الآخر حيث يهتم بكافة تفاصيله صغيرها قبل كبيرها مع المزيد من الاهتمام، والبدء في وضع الخطط المستقبلية ورسم الآمال والأحلام لحياه مثالية سعيدة، ليجد الآخر نفسه محط اهتمام، محاطا بحياة مثالية ليعتقد -أخيرا- بأنه وجد توأم روحه ورفيق أحلامه.(7)

  

 

بعد المرحلة الأولى، وحين تأكد الشخص النرجسي من حب الطرف الآخر له وتيقنه من كونه الملجأ الوحيد والملاذ الآمن ومركز اهتمام الطرف الآخر، يبدأ النرجسي في بإسقاط أقنعته والكشف عن شخصيته الحقيقية، إذ يختفي الاهتمام المبالغ فيه الذي غرق فيه الطرف الآخر في البداية فجأة، لتظهر اللامبالاة على تصرفات الشخصية النرجسية بصورة جلية، تمر الأيام والأسابيع دون رؤية الطرف الآخر أو الاتصال به والاطمئنان عليه، مما يصيب الطرف الآخر بالارتباك والحيرة، فهو لا يدري ما الذي طرأ، ليبدأ في التساؤل عن ماهية الخطأ الجسيم الذي ارتكبه والذي اجتر هذا التغير والتحول المفاجئ.

 

ليجد الطرف الآخر أن التحول لم يبن على ذنب واضح، عدا عن كونه وقع في شراك شخصية نرجسية يصيبها الملل بشكل مفاجئ وسريع، حينها يصبح الشخص النرجسي أكثر مزاجية، ليتعمد التقليل من شأن الطرف الآخر، وإلقاء اللوم عليه، ثم الاختفاء معظم الوقت، والانسحاب لخلق حدود فاصلة بينه وبين الطرف الآخر. يحدث كل ذلك لأن الفراغ الذي يسكن داخل الشخص النرجسي بدأ في الظهور مجددا، وشريكه الحالي لم يعد يحمل بريقه السابق ليملأ هذا الفراغ كما حدث في البداية.(8)

  

النرجسية.. بين الإعجاب والتنافس

إن بُعد المنافسة لا يظهره النرجسي في بداية العلاقات العاطفية أو خلال العلاقات قصيرة الأمد، بل يعتمد على جذب الانتباه عبر إظهار الجانب المشرق من النرجسية في البداية

بيكساباي
  
للتعرف على الأسباب الأساسية التي تجعل العلاقات العاطفية مع النرجسيين تتخذ مسارا منحدرا دائما، قام مجموعة من الباحثين من بعض الجامعات الألمانية، كجامعة لايبزيغ، وغوتنغن، وهومبولت وتيلبورغ، وذلك تحت قيادة الباحثة في قسم علم النفس بجامعة مونستر ستيفاني ورست ببحث جديد اعتمد على 7 دراسات سابقة، حيث استند البحث على اختبار النرجسية المبالغ فيها بواسطة نموذج قامت به دراسة سابقة -تمت عام 2013-  للتعرف على جانبي النرجسية: المشرق (الإعجاب) والمظلم (التنافس). حيث يُعرف هذا النموذج باسم الإعجاب النرجسي ومفهوم المنافسة (Narcissistic Admiration and Rivalry Concept)، وتم تطبيقه خلال هذا البحث عبر إجراء سلسلة من التحقيقات التي تهدف إلى التعرف على تأثير بُعدي النرجسية على العلاقات العاطفية في مراحلها المبكرة وكذلك المتقدمة بعد زواج طرفي العلاقة.(9)

 

 حيث يقترح هذا النموذج أن النرجسيين يسعون إلى تضخيم واحترام الذات بطريقة ثنائية الأبعاد تعتمد على بُعدي الإعجاب والمنافسة، فينطوي بُعد الإعجاب على الرغبة الملحة في الحصول على قبول الآخرين بالإضافة إلى الثناء والتقييم الإيجابي الذي يحب أن يحظى به النرجسي من الآخرين، بينما ينطوي بُعد المنافسة عند النرجسيين على حماية النفس من وجهات النظر والتقييمات السلبية وذلك عن طريق إقصاء الآخرين والانتقاص منهم، فمن خلال بُعد النرجسية الأول (الإعجاب) يرى الشخص النرجسي نفسه عظيما ومميزا، كما يرى أنه بارع في التعامل مع الناس، بينما يتمثل البعد الآخر للنرجسية (المنافسة) في كون النرجسي يسعى لرؤية خصومه في حالة فشل مستمرة، إذ يرى -بطريقة أو بأخرى- أن معظم الناس فشلة وخاسرين.(10)

 

يؤكد البحث أن بُعد المنافسة لا يظهره النرجسي في بداية العلاقات العاطفية أو خلال العلاقات قصيرة الأمد، بل يعتمد النرجسي على جذب الانتباه عبر إظهار الجانب المشرق من النرجسية في البداية (الإعجاب) حيث يكون هو الجانب المسؤول عن انجذاب الكثير من الأشخاص إلى الشخص النرجسي في بداية معرفتهم به، لكن مع مرور الوقت وخلال العلاقات طويلة الأمد يبدأ بُعد النرجسية المظلم (التنافس) في الظهور والسيطرة، إذ يبدأ التنافس في خلق العديد من المشكلات مثل الميل إلى الحجج وعدم الرغبة في التسامح والغفران عن التجاوزات، وبالتزامن مع ظهور جانب المنافسة قد يتخذ الشخص النرجسي آلية الانتقاص من الطرف الآخر والتقليل من شأنه،إلا أن الدراسة تؤكد -أيضا- أنه بمجرد أن تصبح العلاقة أكثر استقرارا ويصبح فيها الحب هدفا أسمى، حيث تصل العلاقة لمرحلة يتخطى فيها النرجسي بالرغبة في السيطرة المطلقة، فإن الصفات الاجتماعية الجيدة في الظهور، مثل انخفاض الأنانية والميل إلى التسامح وتجاوز الأخطاء وغفران التجاوزات، والاهتمام ودعم ورعاية الطرف الآخر.(11)

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار