اغلاق
آخر تحديث: 2017/7/12 الساعة 14:22 (مكة المكرمة) الموافق 1438/10/18 هـ

انضم إلينا
تخطّى الندم.. كيف نتغلب على الماضي السيئ في حياتنا؟

تخطّى الندم.. كيف نتغلب على الماضي السيئ في حياتنا؟

نور مراد

مترجمة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
 
  
مقدمة المترجمة
الماضي يؤلِم، والظلم القديم له طريقته لإبقائنا عالقين في مساراتنا، عاجزين عن المُضِيّ قُدُمًا وعن اختبار البهجة. وقد يستلزم اجتياز الأمس تغييرًا جذريًا. في هذا التقرير نستعرض طرق التغلب على الماضي لتركه وراءنا تمامًا.

 

نص التقرير
أمعِن النظر. ربما يعكر ظلٌ قاتمٌ صفوَ مستقبلك ويشوِّشه. إنه الظل الذي خلَّفَه ألم عانيته في ماضيك؛ والدك الذي لم يكن هناك، أو شريكك السابق الذي خانك، أو مديرك الذي أهانك وازدراك. أو ربما لاتزال عالقًا في مكانك بفعل رواسب خياراتك السيئة؛ كتلك الوظيفة التي كان ينبغي عليك تركها مبكرًا، أو الأسرار الجنسية التي تخفيها، أو زيارة الطبيب التي أجلّتها.


فما أسهل أن تتعثر في ظلمة ذكرياتك السيئة التي تشبه رمالًا متحركة مهتاجة تجذب النفس بقوة إلى الأسفل. يوقِعُنا الماضي في شَرَكِه أحيانًا عبر فوضى غير مُختَبرَة تتدفق من كل حدب وصوب تُقصِي الجديد والممكن. أو يُصادِر أحلام يقظتك، ويعيد إليها، بشكل مفرط وُسواسِيّ، الخسائر القديمة وظُلم الماضي والأخطاء التي تزعجك بسبب أخيك الذي آلمتَه أو صديقك الذي خذلته. وربما يبقى حيًّا في دعوى زواج رغم مرور عقد من الزمن على الطلاق، أو في غضب ضد والدك الذي حطّ من قدرك، أو نفسك لأنك صدقت أكاذيب أحدهم ذات مرة. إن الرغبة القوية في تصحيح الأخطاء التي لا يمكن محوها، ومعاودة النظر في الأذى الذي كان ينبغي لك أن تُحمَى منه، والتشبُّث بالحب الضائع، والاكتئاب، والانتقام؛ لهي ميول طبيعية، إلى حدّ معين ومدة زمنية معينة. 

 

انقضى الوقت

تكمن القدرة على تجاوز الماضي في استعداد المرء ليخطو خطوات للأمام، ومقدار الجهد الذي ينوي بذله ليرفع الصخرة العاطفية عن كاهله ويلقيها بعيدًا

بيكساباي
  
من بديهيات علم النفس أننا محصلّة ما لأيامنا الماضية، لذا كثيرًا ما نُدفَع إلى النظر للماضي لنتمكن من المُواصلة باتزان وحكمة. لكن عند نقطة معينة؛ يغدو تقدير الماضي وتحليله مُكبِّلًا لك، يُقيّدك في مكانك، ويعرقل سعيك للمُضيّ قُدُمًا. كالصمغ؛ لا يزول من تلقاء نفسه بل تحتاج إلى كشطه وإزالته.

 

لا تكمن القدرة على تجاوز الماضي بالأساس في طبيعة الأحداث نفسها، بالطبع تتأثر بها، لكنها تكمن أيضًا في استعداد المرء ليخطو خطوات للأمام، ومقدار الجهد الذي ينوي بذله ليرفع الصخرة العاطفية عن كاهله ويلقيها بعيدًا. ينطوي هذا التجاوز على استعادة ذكرى الجرح والأذى، لكن مع إعادة النظر فيها من زاوية مختلفة أكثر تعاطُفًا. وربما يتمثل المُضيّ قُدُمًا في إعادة تشكيل علاقة بحيث تكون أنت أقل عطاءً وأكثر واقعية. لكن نادرًا ما يكمن الحل في قطع تلك الصِلات. فكِّر في التغيير، لا البتر، لأن التجاوز يتطلب الصدق مع النفس في وصف شعورها، هل لازلت غاضبًا؟ أم حزينًا؟ أم مُتَلَهّفًا؟ حتى إن وددت لو أنك لا تشعر بأي من ذلك، مع التمسك بالأمل في أن يتغير شعورك للأفضل يومًا ما.

  

هل يوجد ما لا يمكن التغلب عليه؟ نعم ولا. إذ أنك لا تتغلب عليه بشكل تام؛ لكنك قد تُنزِله منزلة أخرى، ولا تنساه؛ لكنه يكفُّ عن اقتحام تفكيرك عنوة، وتكفُّ أنت عن التظاهر بأنه لم يكن سيئًا، بينما تشعر في الوقت ذاته بإمكانية الشفاء. لا يمكننا محو الماضي لكن يمكننا التصالح معه وتجاوزه. 

 

نقطة البداية
يحتاج اجتيازُ الماضي إلى الفكر والفعل سويًا، إذ هما -أشياء نفعلها، وأشياء نفكر بها- ما يأسرنا دون قصد في مقام مؤلم. وكما يقال، فإن تغيير السلوك سهل ما إن تتوقف عن التأمل وإعمال فكرَك فيه. غير أن تجاوز الماضي يبقى عملية نفسية معقدة تتطلب الحذر والتوازن، تتألف من التخلّي، وإعادة تقييم التجارب، والتنازل عن زوايا النظر القديمة، ونبذ معتقداتنا الخاطئة (التي تدور غالبًا حول ما يلزمنا لنشعر بالسعادة) وإن كانت عزيزة، وإعادة تقويم أفكارنا ومشاعرنا بلطف لكن بعمق أيضًا.

  

علينا أن نتخلى عن أملنا الطبيعي المشتعل في الإنصاف، أو على الأقل في فضح المُذنِب أمام العالم وكشف حقيقته، سواء كان أخاك، أم شريكك التجاري المحتال، أم صديقك السابق الخبيث (أن سبلاش)

 

يعني "التخلي" أن يتحرر شيء ما بداخل قلبك وعقلك، إلا أن هذه النَقلة وذلك التَخَفُّف تصطدم بمقاومتنا الخفية العنيدة التي يعود قدر كبير منها للإحجام البشري الشديد عن التغيير. فحتى التغيير للأفضل يبقى تغييرًا على أية حال، نخشاه ابتداءً ونتجنبه، إذ نحن مجبولون على الاعتياد والجمود. وقد أثبت عدد كبير من الأبحاث النفسية وجود هذه المقاومة حتى للتغيير الإيجابي، واعتُبِر مدى ما يمكن للناس تحمله من ضيق وانزعاج قبل اعترافهم بالحاجة للتغيير أعجوبة كبيرة من أعاجيب الملاحظة السريرية. يبقى التغيير مزعج دائمًا، على الأقل في بدايته. 

 
يصطدم "التخلّي" بما هو أبعد من القوة المغناطيسية الشديدة للوضع الراهن، إذ يتعارض ويتصارع مع أفكار قهرية مشوَّهة تجعل "التمسُّك" حق سائغ، فنحن نميل إلى التفكير الخيالي (إن جنيتُ مالًا أكثر؛ فإنها ستعود إليّ) وإلى الأوهام (يجب عليّ مواصلة جمع هذا الدليل، إذ بطريقة أو بأخرى؛ يمكنني إثبات أنني على حق إن تمسكت به) وإلى أخطاء بحتة في المنطق (لم يُقدِّر أطفالي يومًا مجموعاتي أو يحترمونها، لكنهم سيفعلون يومًا ما، لذا سأواصل التمسك بها). كل أنماط التفكير هذه حجج مخادعة ضد "التخلّي"، يتوجب دحضها وإعادة صَوْغها مباشرة قبل أن يتهيأ قلبك وعقلك حقًا لحالة جديدة.

 

وعلى صعيده الأعمق؛ يحملنا إمكان "التخلّي" على مواجهة دوافعنا العاطفية الثلاثة الأقوى: الحب والخوف والغضب. أما الغضب، فمخالبه أسهل فهمًا، رغم صعوبة الهرب منها، ففي سبيل تجاوز ما وقع في الماضي من ظلم لايزال يشغل بالنا؛ علينا أن نتخلى عن أملنا الطبيعي المشتعل في الإنصاف، أو على الأقل في فضح المُذنِب أمام العالم وكشف حقيقته -سواء كان أخاك، أم شريكك التجاري المحتال، أم صديقك السابق الخبيث-، قد فاز الرجل الشرير، وهذا يحدث. وتبقى تهدئة شعلة الغضب الأبدية تلك مهمة شاقة.

 

فيما الحب نفسه هو موازن قوي لـ"التخلّي". فعندما تنتهي علاقة ما من حياتك، قد تبقى منشغل القلب والعقل بها - بعد مرور فترة طويلة على الانفصال، أو الطلاق، أو حتى الموت-، وهنا يكون "التخلي" هو فك وثاق ذلك التعلّق الداخلي، وبالتالي فَقْد هذا الحب، مُجَدّدًا. ما يجعل هذا الفقد الجديد مستحقًا لبذل الجهد، بلا شك، هو ما يفتحه تجاوزُ رابطة الماضي من إمكانية حقيقية لارتباط جديد في حياتك. وهذا كافٍ، بل حتى مُلهِم ومشجّع، غير أنه يترك بداخلك بقعة خاوية بشأن المستقبل، وغالبًا ما نملأ نحن ذلك الخواء بالخوف، الخوف من المجهول، أو من الفشل، أو من الخسارة المستقبلية والألم الإضافي. يجعلنا الخوف متشبثين بما نعرفه، رغم كل ما يُشعِرُنا به من سوء.

  

أفلِت المخلفات التذكارية لقلبك المحطم أو بدايتك الفاشلة، وإن كنت لم تزل غير قادر على إلقائها، فلتُخفِها في زاوية مظلمة من الخزانة. وستصبح غير ذات معنى في أحد الأيام، عندئذ؛ ألقِها

بيكساباي

    

يعني "التخلي" إذًا مجابهة هذه العقبات العاطفية الخفية بجَلبِها إلى وعيك أولًا، ثم النضال ضدها، ويستلزم مقاومة التفكير اللاعقلاني العقيم حتى يستقيم فكرك ويصفو ذهنك، ومواجهة خوفك ثم استجماع نفسك وشجاعتك لهزيمته، وكذلك  مقاومة تعلُّقُك المُتّقِد بِحُبِ الماضي واختزاله من جُلمود صخرٍ إلى حصاة صغيرة تضعُها في جيبك كذكرى عزيزة، بينما تُفسِح مُتّسَعًا في قلبك لما هو جديد.


عقبات
ثمة مجموعة من السلوكيات المعينة التي تغرقنا في وحل الماضي. مثلًا، يُبقي كثير منا منازلهم مكتظة بأشياء كريهة أو لا تستخدم بشكل كاف أو زائدة عن الحاجة إليها، سواء أكان ذلك لنفورنا من مواجهة الوخزة العاطفية للتخلّي، أو لعدم الرغبة في توظيف الوقت والجهد الهائلَيْن اللازميْن لذلك. تُشوِّش هذه الفوضى ما هو أبعد من خزاناتنا؛ إنها تُغيِّم رؤيتنا وتَحُول دون التغيير الإيجابي. إن ازدحمت هذه الأدراج بفواتير غير مدفوعة فأولِ الأمر انتباهًا خاصًا، لأن الديون الساحقة تلقي بظلال ثقيلة، ويقتل الدَيْن روحك وإمكانياتك. واجه المشكلة، زُر مستشارًا ماليًا، وضع خطة، واخرج هناك أيضًا تلقّي نفقة الزوجة المطلقة، وإن كان أقلّ وضوحًا في هذا الشأن، لكن يبقى ثمة احتمال لتحوله لأمر مدمر بما يكفي ليستحق الاهتمام. لا شيء يؤخذ دون مقابل، وإن كان الحصول على المال جيد؛ لكنه يأتي غالبًا مع فائدة عاطفية عالية، ربما تستمر في تسديدها من الغضب والاستياء القديمين.

 

وكما هي النفقة؛ قد تكون الأعياد سيفًا ذا حدين. العُرف جميل وذو معنى، ومُبَالَغ فيه أيضًا، وإن كنت لا تزال تستمتع بالطقوس والشعائر فذاك أمر عظيم. أما إن كنت تتطلع سرًا إلى التحرر لكن تشعر أنه "غير مسموح لك" فربما ليس عليك أن تكون بهذا التمسُّك. اكسر قاعدة صباح الكريسماس، وسلوكيات أخرى يقتضيها التغيير أيضًا. وأخيرًا، ثمة ما نفعله وراء ظهورنا لعلمنا أننا لا ينبغي لنا فعله؛ فنحن نستمر في التواصل مع الشخص نفسه والوضع نفسه اللذَيْن كانا مُدمِّرَيْن منذ البداية. وغالبًا لا نتحسن حتى نكفُّ عن الذهاب إلى هناك. أنت تعلم ذلك، لكنك فقط لا تودُّ مواجهته. بدءًا من النهاية العميقة؛ اعترف بأسرارك، فلا شيء يشد وثاقنا إلى الماضي أكثر من تلك الطاقة اللازمة لحفظها. ثم امض قُدُمًا من خلال إجراء تقييم صريح لسمات شخصيتك. هل تميل إلى اللوم؟ يمنحك إلقاء اللوم شعورًا جيدًا، وهو إدمانيّ. لكنه يجعلك عاجزًا وضعيفًا.

 

والآن، ألقِ نظرة فاحصة على عاداتك في التفكير. هل سمحت لنفسك بتطوير العقلية الجامدة؟ إن كان الأمر كذلك فاعلم أنك تقايض متعة اليقين باحتمالية التغيير. وربما تود التوقف قليلًا لاستعراض ذكرياتك الأعزّ، أي تلك تتعلق بسعادة الماضي. وبالنظر من بُعد، تختفي العيوب ويتلألأ الجيد لامعًا، وهي بهجة لكنها قد تجعل الواقع الحالي - وعلى النقيض- يبدو باهتًا معتمًا. بقدر ما تضع حدًا لأي مما سبق؛ ستصبح متحررًا. لكن المضي قُدُمًا يلزمه عمل إيجابي، إذ يعود الأمس من تلقاء نفسه - كما نعرف جميعنا جيدًا- ما لم نبذل الجهد. وفيما يلي؛ ست خطوات يتعين اتخاذها:

 

1. ثبّت أقدامك في المستقبل

يصعب تجاوز الماضي في ظل غياب نظرة إيجابية للغد، لذا تعوزك رؤية للمستقبل، استثمارًا فيه، أو التهاءً به، أو تشوُّقًا لأمر قادم يمدُّك بالقوة والإرادة اللازمتين لدفعك بعيدًا عن الماضي. ولخلق تلك الرؤية تحتاج إلى تركيز عقلي مُتَعَمّد. أَجبِر نفسك على حضور فصل دراسي عبر الإنترنت وضع نُصب عينيك إحراز درجة مختلفة، أو استأجر مدرِبًا ودوِّن سجلات مفصلة لتقدُّم جسدك، أو أنشئ مُستَهدَف مبيعات جديد، أو تخيَّل وظيفة أفضل. فهذا الهدف الذي تمنحه لنفسك لتسعى إليه يُخلِّصُكَ من بين رمال الماضي المتحركة.

  

 

وبالطبع، قد يكون تبيُّن سبيل المُضيّ قُدُمًا معركة. فهذا العش الدافئ الجديد سيخفف الفقد الموجع للبيئة الأُسرية القديمة، لكن سيتوجب عليك الاطّلاع على كثير من العقارات أولًا. وكذا الحال مع تلك الوظيفة التي ستلائمك بشكل أفضل وتجعل الفشل المخزي الماضي يبدو لك وكأنه  نِعمة؛ لابد لك من احتمال جحيم فَيْض من مقابلات العمل أولًا. ومع ذلك؛ سيكون العِبء العاطفي الذي تحمله أخفَّ وزنًا.

   

2. انبذ الماضي

يبدأ تجاوز الماضي بنبذه والتخلص منه. في العام الماضي، واعدتُ رجلًا لطيفًا للغاية كان أرملًا منذ ثلاث سنوات ويعتقد بإخلاص أنه بحاجة لشريك جديد وأن هذا الشريك الجديد ربما يكون أنا. لكن بدا منزله وكأنه متجمد عند لحظة وفاة زوجته، إذ انتشرت مستحضرات تجميلها فوق المنضدة، وتبعثرت فواتيرها الطبية على طاولة المطبخ، وخرجت ملابسها من بين الخزائن والأدراج، وكانت حياته الخاصة تمتد فوق هذا، أوراق وكتب وقمصان جديدة وسترات قديمة في كل مكان.

 

ظننت أن بإمكاني المساعدة، وضِقتُ بشكواه المستمرة من الفوضى؛ فأمضيتُ عطلة نهاية أسبوع معه مُحاوِلَةً إعادة النظام للمكان وتجديد مظهره، وإفساح المجال لنفسي. وفي نهاية العُطلة، سقطت فجأة صورة كبيرة لزوجته كانت تستند إلى ركن جديد، فبادرني قائلًا "انظري ماذا فعلتِ" وهو يسارِع لإعادتها إلى وضعها الصحيح ويتابع "لقد أسقطتِ مارلين". بَقِيَت مارلين، وغادرتُ أنا. لذا، انظر لمساحتك الخاصة من حولك، فهي تبعث برسالة حول مدى انفتاحك وجاهزيتك للتغيير وإعادة التشكيل.

  

يغدو النبذ بقسوة وبلا هوادة مسارًا ضروريًا للمُضِيّ قُدُمًا في ظل ظروف حياتية معينة، كالمُضي في رفقة شريك جديد في حياة جديدة. أو، ما هو أكثر شيوعًا؛ تجاهل وانبذ عندما تكون بصدد التبسيط، أي تبسيط عدد ممتلكاتك وتقليصها، إذ قد تقرر في أي لحظة من حياتك أنه من المفيد لك المُضيّ قُدُمًا عبر "التبسيط"، إن كنت تغرق تحت مقتنيات الماضي، من لعب محطَّمَة، أو رهون عقارية متضخمة، أو أقبية فوضوية، أو خزائن محشوَّة، انبذ ذلك كله، سواء عبر التبرع أو البيع أو حتى التخلص منها كقمامة، فهو سبيلك الوحيد نحو المستقبل، وستجد قيمك الحقيقية مدفونةً في مكان ما أسفل كل ما اشتريته. وانبذ أيضًا عندما تعاني، على مرارة ذلك. أفلِت المخلفات التذكارية لقلبك المحطم أو بدايتك الفاشلة وألقها فيما وَصَفته أغنية قديمة بـ" حقيبة الشيطان"،* وإن كنت لم تزل غير قادر على إلقائها، فلتُخفِها في زاوية مظلمة من الخزانة. وستصبح غير ذات معنى في أحد الأيام، عندئذ؛ ألقِها.

 

 

ابدأ صغيرًا. وعن درج الخزانة الخاص بك؛ فرَتِّبه بذكاء؛ احتفظ أو تخلّص أو انقل الملكية. وكلما اشتدّ حماسُك؛ تضاءلت كومة "الاحتفاظ". وتأهَّب لتشعر بالقلق والنشاط والحزن والاستغراق والندم والحنين، لا يهم ما تشعر به طالما استمررت في نبذه والتخلص منه.

 

3. أصلِح

كانت رسالة مجهولة في مظروف خالٍ من عنوان المُرسِل، تحوي بداخلها خمسة أوراق من فئة المئة دولار، وتوضيح بسيط يقول " عزيزي ريتشارد، عملت لديك منذ 22 عامًا حين كنت تملك تلك المكتبة الصغيرة، كنت مديرًا جيدًا وعادلًا وكريمًا. سرقتُكَ مع مرور الوقت، لكنك لم تدرك ذلك، وأظنك لم تشتبه فيه حتى. ها هو المال ذا، يصحبه عميق اعتذاري". قرأ "ريتشارد" الرسالة على أصدقائه، سائِلًا كلًا منَّا إن كان ثمة في ماضينا أو عقولنا أو قلوبنا مَن ندين له برسالة مماثلة. وأنا أسألك الشيء نفسه.

  

يعتبر إصلاح العلاقات التي بَلِيَت -سواء بسبب الإهمال أو سوء الفهم أو إحجامك عن رؤية دورك في نزاع سابق- وإعادتها لحالة أفضل إحدى المسالك الراسخة لتجاوز الماضي. لم تسرق، لكن آن أن ترى أنك تسببت في الأذى، ومَن لم يفعل؟ كنتَ لئيمًا باستمرار مع شقيق، أو فظًا مع أحد والديك، أو مؤذيًا لشريك سابق، أو غير مساند لصديق وقت حاجته إليه. أصلِح ما أفسدته. ونادرًا ما ينصرف ذلك إلى أفعال واضحة ومحددة كإرسال المال، إذ عادة ما يقتضي التواصل مع شخص ما وجه لوجه أو عبر الكتابة، وبيان ندمك.

  

وبيان الندم يتألف من أسس ثلاثة، أولها؛ إفصاح واضح عن الأذى الذي تشعر أنك تسببت به (حين كنا صغارًا هزأتُ بك بخِسّة ودناءة)، وثانيها؛ إتاحة الفُرصة للطرف الآخر ليُعرِب عن وجهة نظره أوغضبه القديم أو ألمه الماضي، وهو ما سيكون سماعُهُ مُحرِجًا لكن ينبغي تصديقه واعتماده من جانبك ( أرى أنني خذلتُك، وعاملتك بشدّة، وكنتُ غير عادل. لك كامل الحق في الغضب)، وثالثها؛ تعبير صادق عن الندم، من القلب (وددتُ لو تعلمَ أني أتفهّم كم آذيتُك، وإنني في غاية الأسف ). أخيرًا، قد تنتهي خطوات الإصلاح هذه إلى استعادة العلاقة أو عدمها، إذ تحدد تلك النتيجة عوامل شتّى، لكنها وسيلة لتتجاوز هذا الجزء من الماضي الذي أزعجك وعانيت منه بقسوة.

 

4. أَعِد سرد قصتك

ببساطة، ما نحن إلا حكايانا. وهنا لا يتعلق الأمر كثيرًا بقصة الأحداث التي مررنا بها في حياتنا؛ بل بما نقصصه نحن على أنفسنا من دورنا الذي أديناه فيها، أكنت البطل أم الضحية، الحبيب أم مَن لا يستحق، الكُفْء أم المتهاون.

  

إن لم يكن ثمة خطوة بنّاءة يتعين اتخاذها وتتطلب غضبك وقودًا لها؛ فإن كُلفة الغضب الذي تحمله ستفوق منفعة عقاب الجاني، وعند تلك اللحظة؛ يغدو الغفران ممكنًا

ستوك سناب
  

تعتبر إعادة كتابة الجوانب الرئيسية للقصة من منظور أكثر اتزانًا وتعاطُفًا إحدى الاستراتيجيات الفعالة لتخفيف ألم الماضي. إذ تجعلك إعادة الكتابة الصحية أقل شعورًا بالوقوع كضحية وأقل تحطُّمًا وأقل تيهًا عن ما أخبرت به نفسك وقت الحادثة الأصلية، وتحدُّ من الغضب العميق والخسارة والخوف الذين طالما قيّدوك. ومثال ذلك " تملكتني المرارة لزمن طويل بسبب علاقة زوجي الغرامية التي أنهت زواجنا. لم أكن سعيدة في الزواج، لكن على الأقل لم أخُنه! ثم زال عني الغضب عندما رأيت أن علاقته قد فتحت لكلينا الباب، وغادرتُ وأنا الطَرَف الصالح. كانت تلك نعمة". 

 

"انسحب صهري من تجارة عائلتنا عندما أوشكنا على الإفلاس، وظننته نذلًا أنانيًا مستغلًا لي، شعرت بالمرارة، وانقسمت عائلتي لعقد من الزمن بسببها. لكن في النهاية، ورغم ذلك، رأيتُنا كنا رجلين يتوجب على كل منهما الاختيار في مفترق طريق، واخترنا بشكل مختلف، لم يكن يخدعني، وليس للأمر علاقة بي. وما إن قبلت ذلك بصدق حتى أمكن للعائلة أن تجتمع على عشاء عيد شكر حقيقي". وفي هذا، لا تسعى إعادة الكتابة إلى تغيير حقائق الحكاية، لكنها ببساطة ترى تلك الحقائق عبر أعين أكثر نُضجًا وتعاطُفًا وأقل جُرحًا. أعين تعينك على التجاوز والمضي قُدُمًا.

  

5.اغفِر

إن هذه السردية المُحَوَّلة هي خطوة على امتداد المسالك الصخرية نحو الغفران. لكن، أيمكن حقًا أن تُجرَح جرحًا بالِغًا وتُعامَل بظلم وتُؤذَى بشدة ثم تغفر للجاني؟ نعم. ولقد رأيت ذلك. وهذا هو السبيل الأعمق لتحرر نفسك من اختراقات الماضي العاطفية. يساعدك ذلك على فهم أي أجزاء نفسك تواجِه. فعندما نكون مظلومين بشدّة؛ هناك حوافز قوية للبقاء غاضبين، إذ يبدو الغضب كلوحة إعلانات ضخمة تذيع آثام ظالِمنا. أما الغفران، من ناحية أخرى، فإنه يُشعرك كما لو كنتَ تطلق سراح الشرير، بل حتى تؤيده. وهو شعور لا يُطاق. كما أن الغضب قد يكون حافزًا قويًا يمدٌّنا بالشجاعة لمواجهة العدو المُجحف والطاقة لتخطي التجربة المؤلمة. 

 

ذاك كثير لتتخلّى عنه لأجل الغفران. وسيكون عليك الإيمان بأن ما ستجنيه من المغفرة هو أكثر مما كنت لتجنيه إن بقيت غاضبًا. وعادة، في نهاية المطاف، الأمر كذلك بالفعل. وإن لم يكن ثمة خطوة بنّاءة يتعين اتخاذها وتتطلب غضبك وقودًا لها؛ فإن كُلفة الغضب الذي تحمله ستفوق منفعة عقاب الجاني، وعند تلك اللحظة؛ يغدو الغفران ممكنًا.

   

هل تشعر بالذنب إزاء وقاحتك مع زميلك؟ بعد الاعتذار، اعرض عليه أو عليها القيام بالمهام الروتينية الأقل تفضيلًا من جانبهم لمدة أسبوع

أن سبلاش
  

الغفران قرار، لا استسلام. يقول " لقد ظلمتني، ولم أكن أستحق ذلك، وغضبتُ طويلًا بما يكفي. وأنا أضع عني الغضب لأنني لست في حاجة لحمله بعد الآن ". دوِّن قرارك بالمغفرة أو أخبره لشخص ذي مكانة في حياتك. واكتب رسالة إلى مَن آذاك مخبرًا إياه بدقة كيف ظُلمت وتضررت، وأودعها سرديتك الجديدة التي تروي قصتك المُبدَّلة. (أبي، كان غضبك مروِّعًا، لكنني الآن قادر على مسامحتك لكونك مدمن على الكحول، ماكنتَ لتختار أبدًا هذا الصراع).

  

تنطبق المغفرة أيضًا على ما نلحقه بأنفسنا من إيذاء ذاتي قاسٍ لما فيها -أي أنفسنا غير الكاملة- من عيوب ونقائص. لذا، ولأجل تلك الكذبة المؤلمة التي أخبرتها، أو الفرصة التي أضعتها، أو المال الذي بددته، أو الضرائب التي لم تسجلّها، أو الأوقات التي نعتت فيها طفلك بالغبي أو الكسول؛ لأجل ما تلوم نفسك بسببه من إحدى هذه الأفعال أو كلها؛ اتبع خطوة من الخطوات التالية أو اتبعها جميعًا لتغفر لنفسك.

 

صَحِّح: ادفع الضرائب، وواجه الغرامة. ضع الأمور في نصابها الصحيح حيث يمكنك.

اعتَذِر: اعترف بما سببته من أذى. ولهذا أهمية تتجاوز تخفيف ألم الشخص الآخر، ففيه شفاء قلبك.

اعترِف: أخبري صديقًا عن لحظة أمومتك السيئة. واروِ لشريك عن إخفاقك الغبي في عملك.

افرِض عقوبة: هل تشعر بالذنب إزاء وقاحتك مع زميلك؟ بعد الاعتذار، اعرض عليه أو عليها القيام بالمهام الروتينية الأقل تفضيلًا من جانبهم لمدة أسبوع.

اكتب لمائة مرة: " يأتي الحكم الجيد من الخبرة، وتأتي الخبرة من الحكم السيئ".

 

6. تعلَّم أن تبقى في الحاضِر

لا شيء، لا أي طريقة أو تحوُّل داخلي، يعدل قوة "القدرة على أن تكون حاضرًا هنا والآن" كترياق مضاد للماضي، لكن مع الأسف، فإن قدرتنا الطبيعية على هذا التركيز محدودة للغاية، تحدُّها تلك الأحجار المغناطيسية العاطفية القوية للماضي والمستقبل؛ الخوف والحب والغضب والقلق والعَيْب والندم والخيال. ومع هذا، فإن القدرة على التركيز في الحاضر هي قدرة قابلة للتحسين، عبر طريقة " الاستغراق الذهني"، وهي ممارسة تراقب فيها -دون إصدار الأحكام- الأفكار والأحاسيس الجارية في اللحظة الراهنة بالتحديد.

  

و "الاستغراق الذهني" هي مهارة مُكتَسَبة لها فوائد موَّثقة جيدًا في الحد من التوتر، كما أن ثمة العديد من الآثار الجانبية العاطفية والروحية الإيجابية لها. وهناك المزيد: كلما نمت مهارتك في الاستغراق الذهني؛ ستتمكن، بالضرورة، من تجاوز الماضي.
  

_____________________________________

 
التقرير مترجم عن: الرابط التالي

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار