انضم إلينا
اغلاق
التوقيت الصيفي والشتوي.. هل يمكن أن نحظى حقا بساعة مثالية؟

التوقيت الصيفي والشتوي.. هل يمكن أن نحظى حقا بساعة مثالية؟

The Conversation

موقع إخباري
  • ض
  • ض

لقد عاد بنا الوقت إلى اللحظة التي يغيّر فيها الكثيرون منّا ساعاتهم من التوقيت الصيفيّ، المخصص للحفاظ على ضوء النهار، للعودة إلى التوقيت الشتويّ. ومن ثَمَّ يحدث الالتباس المعهود؛ هل هي ساعة إلى الأمام أم إلى الخلف؟ ولماذا علينا أساسًا القيام بهذا؟ لقد سئلت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عمّا إذا رغبت في تجاهل التوقيت الصيفي ببساطة.

 

تاريخيًّا، كانت الشمس هي أساس معرفتنا بالوقت، ولكن كان علينا دومًا القيام ببعض التصويبات لقراءاتنا لها من أجل أن يصبح الأمر أكثر كفاءةً. السبب وراء اتباع التوقيت الصيفيّ مثلًا هو أنّ مقدار الوقت الذي نقضيه في ضوء النهار ليس ثابتًا طوال العام -فهو مختلف في الشتاء عنه في الصيف- ولا يتناسب دائمًا مع أيّام العمل. ولكن كيف تطوّرت معرفة الوقت على مدار التاريخ؟ وإلى أيّ مدى يمكن أن تتحسّن؟

 

يتغيّر طول اليوم على مدار العام، تبعًا لتغيّر مشرق الشمس ومغربها على الأفق. هناك أيضًا اختلافات في موقع وارتفاع الشمس أثناء اليوم، مع وصولها إلى كبد السماء في منتصف اليوم. ساعدت معرفةُ تلك العلامات البشرَ في صناعة المِزوَلَة لمعرفة الوقت منذ آلاف السنين (عبر تتبع الظلّ على قرص المزولة).

     

  

لكن للوقتِ عدّة تعريفات. فباستخدام المزولة يمكنك تحديد الوقت الشمسيّ المحليّ في موقعك الجغرافيّ. وهذا يختلف كثيرًا، نظرًا لأنّ الأرض كرويّة. فمثلًا عند منتصف النهار في لندن تكون الشمس في كبد السماء، لكنّها في ذات اللحظة تكون ما زالت أبعد بكثير إلى الشرق في سماء مدينة نيويورك. ونتيجةً لهذا، يصبح خطّ الطول مهمًّا عند مقارنة هذه التوقيتات. وحتّى في داخل المملكة المتحدة ذاتها، يصل هذا الفرق إلى 40 دقيقة عند مقارنة أبعد المواقع من الشرق إلى الغرب.

 

سياسات الوقت

استُخدم هذا التنوع الطوليّ في التوقيت الشمسي في الملاحة، لكنّه تسبّب أيضًا في عدد مهول من المشكلات عند إنشاء شبكة السكّك الحديدية في المملكة المتحدة في القرن التاسع عشر. فمن أجل التأكّد من معرفة موعد القطار، كان هناك حاجة إلى إشارة جداول المواعيد إلى توقيتٍ واحد. عند هذه النقطة، أنشئ توقيت موحّد من أجل ضمان أن تستخدم المملكة المتحدة ما سيصبح لاحقًا توقيت غرينيتش GMT. تطوّرت هذه الفكرة لاحقًا لتنشأ عنها لاحقًا المناطق الزمنيّة المعروفة الآن.

 

لكن يبدو أنّ المناطق الزمنية قد قسّمت بشكلٍ عشوائي في بعض الأجزاء من العالم. ولقد كان هذا نتيجة فكرة توحيد التوقيت في المناطق التجارية والسياسية المشتركة. فعلى سبيل المثال، معظم الدول الأوروبيّة تستخدم توقيت أوروبا الوسطى رغم امتدادهم نظريًّا على ثلاث مناطق زمنيّة. وقد تبنّت إسبانيا توقيت أوروبا الوسطى أثناء الحرب العالمية الثانية، في ظلّ نظام فرانكو، من أجل اصطفاف البلاد إلى جانب ألمانيا. ما زال هذا هو التوقيت المعتمد اليوم، رغم حقيقة أنّ البلاد تقع بالضبط على ذات خطوط الطول الواقعة عليها المملكة المتحدة.

   

  

كما استُخدمت الشمس طويلًا من أجل ضبط الساعات. وللقيام بهذا، كانت هناك حاجة إلى تحديد نقطة واحدة في الزمن: منتصف اليوم؛ وقد تحقّق هذا من خلال مَزاوِل زئبقيّة، والتي حوَت فتحة صغيرة وخطًّا متّجهًا بدقة إلى الشمال والجنوب؛ خط الزوال. إذا ما اجتِيزَ الخط، فإنّه وقت الظهيرة الشمسية في هذا المكان. ولكن حتّى هذه الطريقة البارعة كانت بحاجة إلى بعض التصويبات. فلا يبدو أنّ الشمس تتحرّك بذات السرعة عبر السماء. فكلًّا من المدار البيضاويّ للأرض حول الشمس وميل محور الأرض على المستوى المداريّ يؤدّيان إلى أنّ تجري الشمس فوق أو تحت موقعها المعتاد على مدار العام. إنّ التوقيت الذي نستخدمه في الواقع من خلال ساعاتنا يفترض أنّ الشمس لها موقع سلس ومتوسط، ولهذا نشير إليه باسم "التوقيت الشمسيّ المتوسّط". والموازنة بين هذين التوقيتَين تكمن فيما نسمّيه "معادلة الوقت" equation of time.

 

لاحقًا، بدأنا ضبط ساعاتنا على الإشارات البصريّة visual cues، والإشارات التلغرافية، ثم بث إشارات بالوقت عبر موجات الراديو. واليوم يمكننا استخدام GPS (النظام العالمي لتحديد المواقع) من أجل هذا.

 

ساعات ذرّيّة

بعد إدراكنا هذه التعقيدات في تحديد واستنباط الوقت الصحيح من خلال موقع الشمس، يبدو من المثاليّ تحديد الوقت بناءً على الساعات الذرّيّة (التوقيت الذري العالمي IAT). هذه الساعات تقوم على إشارة متكرّرة بشكلٍ شبه مثاليّ، صادرة عن إلكترونات الذرة عند تغييرها لمواضعها بين مستويات الطاقة، بما يسمح لنا بتفادي الاعتماد على موقع الشمس المتغيّر.

 

نتيجةً لهذا، ينبغي أن نكون قد قمنا بحلّ مشكلاتنا بشأن طبيعة التوقيت الصحيح، إذ يمكننا استخدام ساعات ذرية بدلًا من توقيت غرينيتش، ومن ثَمَّ نقوم بإضافة المناطق الزمنيّة لحساب التوقيت. ولكن منذ عام 1972، قمنا بإضافة ما يُعرَف باسمِ "الثانية الكبيسة" leap second من أجل تحقيق أقصى قدر من ضوء الشمس، وذلك من خلال أخذ الشذوذات الدقيقة وتباطُئِ دوران الأرض في الاعتبار عند حسابنا التوقيتَ الشمسيّ المتوسّط عند غرينيتش. يشير هذا إلى تبايُن بطيء بين التوقيت المحسوب بالساعات الذرية والتوقيت الشمسيّ المتوسّط عند بلدة غرينيتش.

   

  

يجري إدراج الثواني الكبيسة إمّا في نهاية (يونيو/حزيران) أو (ديسمبر/كانون الأول) عند الحاجة إليها. تقوم الهيئة الدوليّة لدوران الأرض والنظم المرجعيّة بهذا التدقيق في الساعات. وتستخدم هذه الهيئة تلسكوبات راديويّة متّصلة ببعضها البعض على مساحات شاسعة للغاية لمراقبة أشياء بعيدة جدًّا تُعرَف باسم "أشباه النجوم" أو "النجوم الزائفة" quasars، من أجل قياس موقع الأرض الدقيق ووجهتها. منذ عام 1972، قمنا بإضافة 37 ثانية على فترات غير منتظمة، وهو رقم كبير. ويعني هذا أنّ الاعتماد فقط على الساعات الذرية ليس أمرًا دائمًا؛ فقد ينتهي بنا المطاف أن نخطئ في حساب نصف ساعة خلال 700-800 عام، بما يؤثر في نهاية الأمر في الوقت الذي نرغب بحلول الظلام عنده.

 

وبعد كلّ جهودنا من أجل تحديد الوقت الصحيح، بمتابعة الشمس وصناعة الساعات الذرية، ما زلنا نعتمد على السماء. فعِوَضًا عن استخدام الشمس، نستخدم مصادر إذاعية بعيدة في الكون يراقبها علماء الفلك لإخبارِنا عن مدى اختلاف توقيتنا عن البناء المثاليّ الذي تقيسه الساعات الذرّيّة.

 

في نهاية المطاف، لا زلنا بحاجة إلى التأكّد من أنّ الوقت الذي نحدّده يتطابق مع تجربتنا الحياتيّة مع اليوم والليلة وإيقاعات الشمس كما نراها على الأرض. وربّما من الجيّد أن نواصل التفكير في الوقت على أنّه شيء نسبيّ. وإذا أردنا العيش على كوكب المريخ أو أبعد منه، سيكون علينا وضع توقيتٍ يمكنه تفسير اختلاف الأيام والسنين هناك.

  

 _________________________

ترجمة: فريق الترجمة

هذا التقرير مترجم عن: The Conversation  ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار