هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
السياسة والإنترنت.. كيف تنبأ كلاوزفيتز بالحروب الإلكترونية منذ مئتي عام؟

السياسة والإنترنت.. كيف تنبأ كلاوزفيتز بالحروب الإلكترونية منذ مئتي عام؟

Foreign Affairs

مجلة سياسية
  • ض
  • ض

منذ نصف قرن، تم ربط جهازَي كمبيوتر في جامعة كاليفورنيا وجامعة ستانفورد معا في أول شبكة كمبيوتر. كانت تسمى "أربانت"، وهو اختصار لشبكة وكالة مشاريع الأبحاث المتقدمة، على اسم مختبر الأبحاث العسكرية الذي موّلته. في السنوات اللاحقة، تطورت رزمة الشبكات التي انبثقت عن ذلك المختبر إلى ما بات يُعرف اليوم بالإنترنت، وهي النظام العصبي للتجارة والتواصل الحديثَيْن.

مع انتشار وسائل الإعلام الاجتماعي على مدى العقد الماضي، تغيّرت شبكة الإنترنت لكي تتيح لنا جمع المعلومات ومشاركتها بشكل فردي. إثر ذلك، تحول الإنترنت إلى شيء آخر: ساحة نزال تُستخدم فيها المعلومات ذاتها كسلاح. اليوم لا غنى عن عالم الإنترنت للحكومات والجيوش والنشطاء والجواسيس، كذلك الأمر للمعلنين والمتسوّقين. وسواء أكان الهدف هو الفوز في انتخابات أو معركة أو بيع ألبوم فحسب، يلجأ الجميع إلى استخدام التكتيكات نفسها.

يأخذ هذا النوع الجديد من الحرب أشكالا مختلفة، بدءا من لقطات ساحة المعركة على موقع يوتيوب إلى طاعون من ميمات الضفادع الكرتونية المتعاطفة مع النازيين. يمكن [لهذا الحيّز] أن يبدو وكأنه قد قطع صلته بالماضي، وبطرق معينة فقد فعل ذلك حقا؛ ولا أدلّ على ذلك من التضاريس الرقمية التي يتم خوض الحرب فيها، والحاجة إلى لفت الانتباه عوض حيازة الموارد المادية، والقوة الاستثنائية لقلة من الناس. لكن ليس كل شيء في هذه الحروب جديدا، فجهود تشكيل كيفية تفكير العدو والسيطرة على تدفق المعلومات وربح الحروب مع تجنب القتال الفعلي كانت موجودة منذ قرون. في الواقع، إن أفضل مكان للبدء إذا كنت تريد فهم تسليح وسائل الإعلام الاجتماعية هو في الماضي.

      
عن الحرب الإلكترونية
ولد كارل فون كلاوزفيتز، الخبير الإستراتيجي العسكري البروسي، في عام 1780، قبل مئتي عام من اختراع الإنترنت، لكنه كان يفهم ضمنا كل ما يفعله الإنترنت للعالم اليوم. نشأ كلاوزفيتز في عصر التنوير في أوروبا، وتجنّد في الجيش البروسي في سن الثانية عشرة. وبعد عقد من الزمن، عندما شن نابليون الحرب في جميع أنحاء أوروبا وأطلق عصرا جديدا من القومية، قرر كلاوزفيتز تكريس حياته لدراسة الحرب. كتب مقالا تلو آخر عن هذا الموضوع، وتبادل الرسائل مع جميع المفكرين البارزين في تلك الفترة وتم ترفيعه ليصبح رئيسا للأكاديمية العسكرية البروسية. بعد وفاة كلاوزفيتز عام 1831، قامت زوجته ماري بتحرير سرداب أفكاره الشاسع إلى أطروحة من عشرة مجلدات تحت عنوان "عن الحرب".

أصبحت نظريات الحرب في كتاب كلاوزفيتز (وماري) "عن الحرب" متطلبا للقراءة لدى ضباط الجيش حول العالم، كما أنها شكّلت كل حرب تم خوضها على مدى القرنين الماضيين منذ نشر هذه النظريات. المفاهيم العسكرية الأساسية، مثل "ضباب الحرب"[1]، والخلط المتأصل للصراع، و"الاحتكاك"[2]، وهي الحالات التي لا تسير بها الخطط كما هو متوقع بالضبط عند مواجهة عدو يعرف ما يقوم به، تستند إلى عمل كلاوزفيتز الضخم هذا.

كانت الملاحظة الأكثر شهرة لكلاوزفيتز حول طبيعة الصراع نفسه؛ إذ يرى أن الحرب هي السياسة بوسائل أخرى، أو كما قال: "هي امتداد للسياسة بوسائل أخرى". فالحرب والسياسة متشابكان، ويقول: "الحرب في حد ذاتها لا تعلق العلاقات السياسية ولا تصيّرها إلى شيء مختلف تماما. العلاقات السياسية تستمر بغض النظر عن الوسائل التي نستخدمها".

بعبارة أخرى، كان كلاوزفيتز يعتقد بأن الحرب هي جزء من سلسلة متصلة تشمل التجارة والدبلوماسية وكل التفاعلات الأخرى التي تقع بين الشعوب والحكومات. وقد تحدّت هذه النظرية معتقدات الأجيال الأكبر سنا من الجنود والمنظّرين العسكريين الذين كانوا ينظرون إلى الحرب بوصفها "حدثا يبدأ ثم ينتهي"، ودفعت بالمقاتلين إلى واقع بديل تحكمه مجموعة مختلفة من القواعد. كانت الحرب بالنسبة لكلاوزفيتز ببساطة وسيلة أخرى للحصول على شيء تريده.

   

عن الحرب لـ "كلاوزفيتز" (مواقع التواصل)

  
كان النصر وفق كلاوزفيتز مسألة إيجاد وتحييد "مركز ثقل" الخصم، ويعني ذلك غالبا هزيمة الجيش المنافس، لكن تلك الطريقة ليست الأكثر فعالية دوما؛ حيث يرى بأن "العناصر الأخلاقية هي من أكثر العناصر أهمية في الحرب. فهي تُشكّل الروح التي تتخلل الحرب ككل، وتؤمّن ارتباطا وثيقا بالإرادة التي تُحرِّك وتقود كتلة تامّة من القوة". لقد أبان كلاوزفيتز عن كيفية تشكيل أو تحطيم روح منافسك، وكيفية النصر في حرب بتجنُّب جيش العدو بالكامل.

القول أسهل من الفعل، منذ الوقت الذي خطَّ فيه كلاوزفيتز كتابه "عن الحرب"، بدا أن موجات متتالية من التكنولوجيا الجديدة توفر الوسائل لاستنزاف روح العدو عن بُعد، إلا أنها نادرا ما تنجح؛ مثلا خلال الحرب العالمية الثانية، تحملت المملكة المتحدة سنوات من القصف العشوائي من الطائرات الألمانية ثم الصواريخ التي سعت إلى إجبار الدولة على الاستسلام، لكنّ البريطانيين حوّلوا ما وصفه رئيس الوزراء وينستون تشرشل بـ "أحلك ساعة" أو "الساعة الأسوأ" إلى أفضل وقت بحوزتهم. بعد جيل واحد، قاد المنطق نفسه حملة "القصف المستمر" التي شنّتها الولايات المتحدة ضد فيتنام الشمالية في أواخر الستينيات، أسقطت الطائرات الحربية الأميركية أكثر من 6.5 مليون طن من القنابل وقتلت عشرات الآلاف من الناس، لكنّ الفيتناميين الشماليين لم يُفكّروا بجدية في الاستسلام.


ينطبق الأمر نفسه على أدوات الاتصال الجديدة، بعد عدة سنوات من وفاة كلاوزفيتز، بدأت الحكومات والشركات في بناء أول أسلاك التلغراف لمسافات طويلة، وتبعهم بعد عدة عقود الراديو ثم التلفاز. تم استخدام كل تقنية جديدة لشن حروب المعلومات التي وقعت بالترافق مع القتال البدني، لكن الدعاية كانت غير فعالة عالميا بعد. خلال قصف لندن [3]، كانت إحدى المحطات الإذاعية الأكثر شعبية في المملكة المتحدة هي محطة باللغة الإنجليزية أنتجها النازيون لأن البريطانيين أحبوا السخرية منها. في الستينيات والسبعينيات، أسقطت القوات الأميركية في فيتنام الشمالية، بالإضافة إلى ملايين القنابل، عشرات ملايين المنشورات التي استخدمها الفيتناميون الشماليون على الفور كورق مرحاض.

ثم جاء الإنترنت وغيَّر قواعد اللعبة؛ في غضون عقد من الزمان، حولت وسائل الإعلام الاجتماعي الجميع تقريبا إلى مجمِّع وموزع للمعلومات. لم تعد مهاجمة مركز ثقل العدو -المتمثل في عقول وأرواح شعبه- تتطلب عمليات قصف ضخمة أو دعاية غير فعالة. كل ما يتطلبه الأمر هو هاتف ذكي وبضعة ثوانٍ من القيل والقال، يستطيع أي شخص فعل ذلك.

من الممكن في الوقت الراهن التواصل مباشرة مع شخص تزعم أنك في حالة حرب معه، حيث يمكنك إرسال طلبات "صداقة" له ومناقشته أو تعقب حياته الرقمية. يمكن أن يجد الجنود المتقاتلون في ساحة المعركة بعضهم بعضا على الإنترنت. تُنشئ شبكات التواصل الاجتماعي أيضا طرقا جديدة للتواصل والهجوم حتى على بُعد آلاف الأميال. يمكن لمروّجي دعاية ما تكوين بضع عشرات من المتعاطفين من ضمن مجموعة من ملايين الشعوب البعيدة، ثم تهيئتهم لمهاجمة مواطنيهم. يمكن للآراء من جميع أنحاء العالم تحريك وعاء الكراهية والاستياء بين الشعوب المتنافسة، مما يؤدي إلى نشوب حرب أو إبادة جماعية. يمكنهم حتى تقسيم وقهر سياسة البلد من بعيد، وتحقيق الهدف السياسي للحرب دون إطلاق رصاصة واحدة. 

  
لا شيء من هذه السيناريوهات افتراضي، قد حدث كل منها بالفعل، وسيحدث كل منها عدة مرات في السنوات القادمة.
  

  
في تكريمنا لكلاوزفيتز، نسمي هذا الصراع الجديد "مثل الحرب"[4]، لأنه يعرض العديد من ملامح الحرب التي حددها غير أنها انتقلت إلى حيز تكون فيه "الإعجابات" هي عملة ذلك العالم. إذا كانت الحرب السيبرانية تقوم على شبكات القرصنة، فإن "مثل الحرب" تقوم على قرصنة الأشخاص على الشبكات. إنه مكان تقوم فيه الوحدات العسكرية باستخدام تقنيات حرب المعلومات والتلاعب بالانتخابات، وحيث يقوم المسوقون الرقميون المراهقون بالتقاط صور سيلفي بواسطة الهواتف الذكية، بهدف بتغيير مسار المعارك العسكرية.

قواعد "مثل الحرب"

لقد حوّل جميع المقاتلين اليوم وسائل الإعلام الاجتماعي إلى سلاح، بما في ذلك أقوى الدول في العالم وأكثر المقاتلين شراسة في الحرب. يحاول هؤلاء جميعا تشكيل بيئة المعلومات العالمية حسب رغبتهم. وبهذه الطريقة، يتضح أن "مثل الحرب" ما هي إلا أحدث تكرار لقرون من الحروب. لكن من ناحية أخرى، تمثل "مثل الحرب" تطورا مفاجئا وخطيرا في الحرب والسياسة الدولية.

لقد غيّرت "مثل الحرب" مدى سرعة انتشار المعلومات ومدى انتقالها ومدى سهولة الوصول إليها. وقد أعاد هذا صياغة كل شيء من الخطط التشغيلية العسكرية إلى الأعمال الإخبارية والحملات السياسية. فالمفاجآت العسكرية الكبرى -مثل "إنزال النورماندي" أو "الخطاف الأيسر" لحرب الخليج الثانية- من المستحيل أن تنطلق اليوم في عالم بُثت فيه حتى مداهمة أسامة بن لادن -التي يفترض أنها سرية للغاية- مباشرة على الهواء على يد صاحب مقهى في وقت متأخر في أبوت آباد. تتكيف بعض الجماعات بالفعل مع هذا الافتقار إلى السرية؛ وقد حوّل تنظيم الدولة هذه المشكلة الظاهرية إلى جزء أساسي من إستراتيجيته عندما أعلن غزوه للموصل بدعوة العالم إلى إضافة وسم AllEyesOnISIS#.

   

لم تمنح شبكة الإنترنت الحكومات فقط طرقا جديدة للسيطرة على شعبها، بل أيضا نوعا جديدا من الانتشار العالمي بالتضليل

رويترز
   

ومع أن الحقيقة متاحة على نطاق أوسع من أي وقت مضى، فإنه من الممكن طمرها في قعر بحر من الأكاذيب. ولربما لم تتقن أي دولة هذا الأمر أكثر من روسيا التي ابتكرت مفهوم التضليل منذ قرن تقريبا. بعكس الولايات المتحدة، لم تقم روسيا بفصل مفاهيم عمليات النفوذ العسكري عن شقّها السياسي. واليوم، تجني ثمار كونها في طليعة "مثل الحرب"، وذلك باستخدام قوتها على الإنترنت لتحل محل القوة العسكرية المتراجعة.
 

يسلط نجاح روسيا الضوء على إحدى أصعب الحقائق التي عبّر عنها كلاوزفيتز في كتاباته وهو ما كان سيدركه في السياسة الحاضرة. مثلما ولّدت نشوة الثورة الفرنسية استبداد نابليون، تمكّن الاستبداديون من تسخير القوة التحريرية المفترضة لوسائل الإعلام الاجتماعية وحرف بوصلتها لصالحهم. يتم تطبيق هذا التسخير في جميع أنحاء العالم، من حملات القمع في تركيا إلى نظام الائتمان الاجتماعي الجديد الجريء في الصين، والذي يؤسس مجتمعا كاملا للتحكم الرقمي من خلال أخذ كل نشاط شخص ما عبر الإنترنت وتحويله إلى درجة "جدارة بالثقة".

لم تمنح شبكة الإنترنت الحكومات فقط طرقا جديدة للسيطرة على شعبها، بل أيضا نوعا جديدا من الانتشار العالمي بالتضليل. حملة روسيا بعيدة المدى لتسميم سياسات خصومها المحلية من خلال وسائل الإعلام الاجتماعية هي شكل من أشكال رقابتها المصدَّرة إلى الخارج من نواح عدة. إجراءات روسيا لا تحد من حرية التعبير، إلا أنها تُغرق النظام الإيكولوجي الرقمي بالانقسامات وانعدام الثقة. إنها تفعل ذلك بحشد نظريات المؤامرة والأكاذيب ودعم المتطرفين في أي نقاش من خلال جيش من دمى الجوارب [5] والبوتّات.


كانت الحكومات السلطوية تتمتع بميزة مبكرة في التلاعب بوسائل التواصل الاجتماعي، ولكن هناك حكومات أخرى تلحق بالركب. وبما أن كل شيء تحت نور الشمس، يتعلم المزيد والمزيد من البلدان والمجموعات عن كيفية شن هذا الشكل الجديد من الحروب الرقمية.
    

كيف تفوز في حرب على تويتر؟

  

كان كلاوزفيتز ليدرك الصراعات بين الخصوم المفكرين، لكنه كان من المحتمل أن يتعثر في فهم أرض ساحة المعركة التي تشكل تكتيكاتها وإستراتيجياتها. هذه ليست مشكلة القرن التاسع عشر فحسب، هناك شيء واحد أصبح واضحا لمن شاهد حملة كلينتون عام 2016 عبر الإنترنت أو إحراج أعضاء الكونغرس أنفسهم خلال شهادة الكونغرس التي أصدرها الرئيس التنفيذي لفيسبوك مارك زوكربيرغ: وسائل الإعلام الاجتماعي تظل صعبة الفهم حتى بالنسبة لكثير من صناع السياسة اليوم. تضاريس "مثل الحرب" هي بيئة من صنع الإنسان، تديرها شركات ربحية، تم تصميم منصاتها لمكافأة التفاعلية وليس الأخلاق أو الصدق. قد تكون المعارك على الإنترنت عن السياسة والحرب، لكنها مدفوعة من قِبل القوى المحركة المالية والنفسية والخوارزمية لاقتصاد الانتباه [6].

يكافئ النظام عدد النقرات والتفاعلات والمشاركة ومدة البقاء. وذلك يغير ما يلزم للفوز سواء أكانت الحرب تسويقية أو حقيقية أو شكلا غريبا جديدا يمزج بينهما. اكتشف كيف تجعل شيئا ما ينتشر بسرعة، ويمكنك أن تطغى حتى على الحقيقة نفسها.

بينما فحصنا تكتيكات الجميع من كبار المجندين في تنظيم الدولة إلى المغنية تايلور سويفت إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى المتصيّدين النازيين الجدد، وجدنا أنماطا ثابتة بينهم جميعا. رغم كل التعقيدات الظاهرة، فإن ثمة قواعد تحكم ما إذا كان شيء ينتشر بسرعة وكيف يمكن تحقيق ذلك. أنجح محاربي المعلومات هم البارعون في القواعد الجديدة لتوجيه رسالتك نحو الانتشار: السرد والعاطفة والأصالة والمجتمع والاكتساح والتجريب. يتم كسب هذه الحروب مرارا وتكرارا من قِبل أولئك القادرين على تشكيل خطوط القصة التي تحدد فهم الجمهور وإثارة الردود التي تدفع الناس إلى العمل والتواصل مع مجموعة من المتابعين على المستوى الشخصي وبناء شعور بالزمالة للقيام بكل ذلك على نطاق عالمي، ولكن باستخدام رد فعل فردي لجعل الهجوم فرصة للتعديلات الشاملة.


جلبت شبكة الإنترنت تغييرا غير مسبوق آخر كان من شأنه أن يُربك حتى كلاوزفيتز، وهي قوانين الحرب التي وضعها مجرد حفنة من الناس. على شبكات المليارات من الناس، يمكن لعدد صغير من الأفراد على الفور تحويل موجة حرب المعلومات بطريقة أو بأخرى. ما يستطيع مارك زوكربيرج والرئيس التنفيذي لتويتر "جاك دورسي" بالسماح به (أو حظره) في مملكتَيهما الرقميتَين يمكن أن يُنجِح أو يدمر شركات بأكملها ويغيّر مسار الصراعات الدولية.

لسوء الحظ، عندما بدأت شركات الإعلام الاجتماعي هذه في التأخر في تقدير قوتها السياسية المتنامية (القوة التي لم تطلبها أبدا، وكثيرا ما ثبت أنها غير مجهزة لممارستها)، فإنها تكرر أخطاء الماضي. إنها تفشل في التحضير للأبعاد السياسية والقانونية والأخلاقية لتكنولوجياتها المتغيرة عالميا مرارا وتكرارا، وتفشل في التخطيط لكيفية إساءة استغلال الجهات الفاعلة السيئة لها، وإساءة استخدام الجهات الفاعلة الجيدة لها. في كل مفاجأة ممكنة تلجأ هذه الشبكات إلى التكنولوجيا كحل لها، هذه الدورة على وشك تكرار نفسها مع قيام الشركات بتطوير أشكال جديدة من الذكاء الاصطناعي. تعتقد الشبكات أن هذا قد يحل مشاكلها المتعلقة بالرقابة وتقييد المحتوى، ولكن من السهل التنبؤ بكيفية استخدام أسلحة الذكاء الاصطناعي ضد مستخدميها.

هناك حرب على أفكارك

بفضل ظهور الإنترنت، اضطر الأفراد والشركات والدول إلى قضاء العقود القليلة الماضية في تعلم كيفية فهم التهديدات الرقمية وتكييف هياكلها وإستراتيجياتها للتعامل معها. الآن سيكون عليهم القيام بالأمر نفسه لـ "مثل الحرب". الجميع جزء من هذا النوع الجديد من القتال، إذا كنت متصلا بالإنترنت، فإن انتباهك يشبه قطعة من الأرض المتنازع عليها. إن الدول والشركات والأشخاص الذين لم تسمع بهم سابقا يقاتلون من أجلها في نزاعات قد تدرك أو لا تدرك أنها تدور من حولك. كل ما تشاهده أو تعجب به أو تشاركه على الإنترنت يتسبب في تداعيات صغيرة جدا في ساحة معركة المعلومات، مما يوفر فائدة متناهية الصغر إلى أحد الجانبين.

يمكن لأولئك الذين يستطيعون توجيه تدفق هذا المد الالتفافي الحصول على مهمة ولا في الخيال. يمكنهم تحرير الناس وفضح الجرائم وإنقاذ الأرواح والحث على إصلاحات طويلة المدى. لكن يمكنهم أيضا اقتراف شر مدهش؛ يمكنهم إثارة العنف وإذكاء الكراهية ونشر الأكاذيب وإشعال الحروب، بل وقضم الديمقراطية نفسها. سيعتمد نجاح أي جانب منهما قبل كل شيء على مقدار ما يتعلمه البقية منا في التعرف على "مثل الحرب" هذه وماهيتها.

______________________________________

هوامش

[1] ضباب الحرب: تلجأ إليه المؤسسة العسكرية للتهوين من فداحة أخطائها، وهي أخطاء على جميع المستويات، بما في ذلك المستوى الإستراتيجي السياسي، والإستراتيجي العسكري، والتنفيذي التكتيكي أيضا.

[2] الاحتكاك: يعكس الاختلاف الجذري بين المفهوم المجرد للحرب والحروب الحقيقية في الواقع، حيث إن الظروف الفعلية للحرب لا يمكن أن تكون مثالية موضوعة بشكل سابق؛ فأجواء الحرب ليست محكومة بأسباب بسيطة، بل بتداخل سلاسل من الأسباب والتأثيرات المختلفة، كما تلعب العوامل النفسية دورا قد يؤثّر بشكل كبير في تحديد القرارات التي تُتخذ. يصنف كلاوزفيتز كل هذه الظروف تحت عنوان "الاحتكاك"، في إشارة إلى التشابه بين هذا المفهوم الفيزيائي وما يقصده من تناقض بين المفهوم الحقيقي والمفهوم المثالي والميكانيكي للحرب. وفقط من خلال وضع هذا المفهوم في الحسبان يمكن فهم العلاقة بين الحرب الحقيقية والحرب المجردة، بين التجربة والنظرية.

[3] قصف لندن (The Blitz): تعرضت لندن للقصف الجوي من قِبل الطائرات العسكرية الألمانية من تاريخ 7 سبتمبر/أيلول 1940، إلى 21 مايو/أيار عام 1941، حيث فشلت ألمانيا النازية في تحقيق أهدافها الإستراتيجية وذهب ضحيتها نحو 40 ألف مدني وإسقاط 3 آلاف طائرة عسكرية ألمانية.

[4] مثل الحرب: صدر كتاب تحت عنوان "مثل الحرب: تسليح وسائل التواصل الاجتماعي" من تأليف إيمرسون تي بروكينغ وبيتر وورن سينغر في شباط/أكتوبر 2018.

[5] دمية الجورب: هي شخصية مزوّرة يقوم بإنشائها أحد للتعليق أو المناقشة على شيء، أو عمل معين، بالأخص في مجتمع نقاشي أو منتدى على الإنترنت أو في المكان المخصص للتعليق في المدونات.

[6] اقتصاد الانتباه: هو نهج في إدارة المعلومات يعامل فيه انتباه الإنسان وكأنه سلعة نادرة، ويطبق النظرية الاقتصادية لحل مختلف مشاكل إدارة المعلومات. كما صاغها ماثيو كروفورد: "الانتباه مورد للفرد كمية محدودة منه".

 

هذا التقرير مترجم عن (فورين أفيرز) و لا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

ترجمة آلاء أبو رميلة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار