اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/12 الساعة 17:44 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/29 هـ

انضم إلينا
ليست مجرد لعبة.. هذه مكاسب روسيا من المونديال

ليست مجرد لعبة.. هذه مكاسب روسيا من المونديال

  • ض
  • ض
مع انطـلاقة صافـرة البداية للمباراة الأولى التي تجمع بين منتخبي روسيـا والسعـودية في افتتـاحية مونديال كأس العالم 2018 الذي يُعقد في منتصف يونيـو/حزيران الجاري، تتوجّـه أنظـار المليارات من مشجّعي كرة القدم إلى روسيـا على مدار شهـر كامل، لمتابعة المسابقة الرياضية الأولى عالميا التي تُعقد كل أربع سنوات.

     

وعلى الرغم من أن حظوظ المنتخب الروسي متواضعـة للغـاية في الوصول إلى أدوار متقدمة في المونديال مقارنة بمستويات الفرق المشاركة، فإنه -ومن ناحيـة أخرى- تشير العديد من التوقعات إلى أن الروس سيحـرزون أهدافا ثمينة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية من وراء المسابقة، حيث استمـرت الحكومة الروسية على مدار خمس سنوات -بدءا من عام 2013- في تجهيـز البلاد لاستضافة الحدث الرياضي الأهم على أراضيها.

   

بدون كأس العالم.. لا نمو اقتصـادي في روسيا

    

كانت هذه العبارة المقتضبـة هي ما قاله بالضبط أركادي دفوركوفيتش نائب رئيس الحكـومة الروسية في نهاية شهـر أبريل/نيسان الماضي خلال المؤتمر الصحفي الذي عُقد لمناقشة التأثير الذي سيتركه المونديال على المجالين الاقتصادي والاجتماعي لروسيا، مظهـرا وجهـة النظـر الحكـومية بخصوص أهمية تنظيم هذه المسابقة بالنسبة للبلاد. (1، 2)

  

في دراسة أصدرتها الحكـومة الروسية بعنـوان "التوقعات لتأثير بطولة كأس العالم لكـرة القدم على المجالين الاقتصادي والاجتمـاعي" لرصد التأثيرات التي من المتوقّع أن تتركها البطولة الأممية على اقتصادها على المدى القريب والبعيد، أوضحت أن الاقتصاد الروسي سينتعش بشكل ملحوظ على كافة المستويات. بشكل مبدئي، توقعت الدراسة أن الاقتصاد الروسي سيستقبل ما بين 26 إلى 30.8 مليار في الفتـرة ما بين عام 2013 (عام بدء التحضيـرات) وحتى عام 2023، وهو ما يعني أن هذا الحدث سيمنح الاقتصـاد قفزة كبيـرة إلى الأمام خلال تلك السنوات العشـر.(3)

      

وأكّد أركادي دفوركوفيتش أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الذي تشهده روسيا خلال خمس السنوات الأخيـرة والذي يتحرّك في اتجاه الصعـود لم يكن ليظهـر إلا بالتوازي مع التحضيرات المتصلة بالمونديال، والذي بلغ حده الأقصى في العام الحالي الذي يشهد فيه انطلاق البطـولة.

    

نفقــات ضخمة.. أم استثمـارات ضخمـة؟
تُقام المسابقة على 12 ملعبا رياضيا موزعا على 11 مدينة روسية (مواقع التواصل)

   

وعلى الرغم من بعض الانتقادات، فإن روسيـا استمرت خلال السنوات الماضية في ضخ قدر هائل من الأموال للاستعداد للمونديال قُدّرت في المتوسط بنحو 13 - 14 مليار دولار، وهو أكبر مبلغ يتم إنفاقه على تحضيرات المونديال حتى الآن. في عام 2006، أنفقت ألمـانيا 7.7 مليار دولار على المونديال الذي استضافته والذي استطاعت أن تنتزع لقبه أيضا. ومقارنة بمونديال جنوب أفريقيا في عام 2010، فقد أنفقت جنوب أفريقيا 6 مليارات دولار لاستضافة كأس العالم على أراضيها.

        

أما في كأس عام 2014 الذي استضافته البرازيل والذي اعتُبر الأكبر من حيث الإنفاق والتحضيرات فقد أُنفق نحو 11 مليار دولار، وهو الأمر الذي يجعل نفقـات روسيـا لاستضافة كأس العالم هي الأكبر على مستوى تاريخ اللعبة حتى الآن. هذه النفقـات الهائلة كانت محل انتقادات كبيـرة من العديد من المراقبين، خصوصا مع الوضع المتأزم الذي يعيشه الاقتصاد الروسي، وهي الانتقادات التي رد عليها "دفوركوفيتش" بأنها ليست نفقــات هائلة، وإنما هي في الأساس استثمـارات ضخمـة مثمـرة ستؤثر في حياة الناس بشكل مباشر وغير مباشر، وعلى المدى القريب والبعيد.

      

هذه النفقات -أو الاستثمـارات كما يسمّيها المسؤولون الروس- على تحضيرات المونديال كانت قد تجاوزت المخطط لها، حيث تم وضع خطة ميزانيـة تُقدّر بـ 664 مليار روبل روسي (الدولار الأميـركي = 63 روبل روسي) على كافة مجالات الإعداد لكأس العالم، يتم صرفها من خلال ثلاثة محاور تشمل الميزانية الفيدرالية، والميزانيات المحلية للأقاليم التي تستضيف المباريات، وجزءا ثالثا من مصادر خارج الميزانيـة يتدخل فيها القطاع الخاص. وقد تم تخصيص أكثر من نصف هذه الميزانية (نحو 337 مليار روبل روسي) لبناء وصيانة البنى التحتية لشبكات النقل والمواصلات الجوية والبرية والسكك الحديدية في المدن التي ستستضيف المباريات، فضلا عن 177 مليار روبل مخصصة لبناء وصيانة الملاعب. (4، 5، 6)

      

في انتظــار تدفّق المليـارات
الرئيس الروسي يتابع مراحل بناء وصيانة الملاعب الرياضيـة استعدادا لكأس العالم (مواقع التواصل)

   

في المقابل، يتوقّع الاقتصاد الروسي الجائع بعد بذل هذه المليارات في استعدادات المونديال أن تعود إليه بشكل مضاعف سواء على المدى القريب أو البعيد بشكل يُنعش خزينة البلاد ويُحرّك من نشاط السوق، خصوصا بعد سنوات من الركـود الاقتصادي إثر قيود غربية مستمرّة توالت على روسيا بسبب مواقفها السياسيـة في السنوات الأخيرة، خصوصا فيما يتعلق بالوضع في الشرق الأوسط وشرق أوروبا.

      

تشير التوقعات إلى أن المصدر الأكبر للأرباح القادمة إلى الاقتصاد الروسي ستكون عبر المشجّعين بالدرجة الأولى الذين سيتوافدون على روسيا من مختلف دول العالم لمتابعة مباريات كأس العالم، حيث من المتوقع أن يزيد عددهم عن نصف مليون سائح خلال هذا الشهـر، سينفقــون أكثر من 120 مليار روبل روسي أثناء إقامتهم في البلاد عبر خدمات مختلفة تشمل الإقامة والهدايا والأطعمـة والمتنزّهات.

     

على الجهـة الأخرى، تشير الدراسات إلى أنه على مدار السنوات الماضية استطاعت أعمال بناء الملاعب والفنادق والبنى التحتية توفير الآلاف من فرص العمـل بشكل ساهم في نمو دخول المواطنين خلال فترة التحضيـرات للمونديال، حتى قُدّرت الزيادة في عدد الوظائف وفرص العمل التي أُتيحت في البلاد خلال السنوات ما بين 2013 إلى 2018 بنحو 220 ألف فرصة عمل جديدة، استطـاع المواطنون خلالها تحقيق دخول قُدّرت بنحو 414 مليار روبل روسي.

          


      

أما بالنسبة إلى النتائج غير المباشرة التي ستشهدها روسيا بعد انتهاء المونديال وخلال سنوات مقبلة، فقد أشار نائب رئيس الحكومة الروسية أركادي دفوركوفيتش إلى أن كأس العالم سيتيح انتعاشا مستمرا للسياحة في البلاد، حيث من المتوقع أن تنمو بوتيـرة عالية في السنوات المقبلة قد تصل إلى 12% أو حتى إلى 20% سنويا، وذلك على إثـر التطويرات الكبـرى التي أجرتها الحكـومة للبنى التحتية والتوسع في بناء الفنادق والمنتجعـات السياحيـة ومنظومة النقل والمواصلات. إلى جانب أن المنشآت الحديثة التي تم إنشاؤها وتطويرها وإعادة صيانتها مثل الملاعب الرياضية والمطاعم والفنادق وغيرها، ستفتح المجال واسعا في السنوات التاليـة لاستغلالها بشكل أفضل كمصدر دخل قومي.

    

وفي تصـريح يلخّص العوائد الكبيرة التي ستعود على روسيا من وراء تنظيم كأس العالم، صرّح دفوركوفيتش أن الاستثمـارات التي تم ضخها في روسيـا تمهيدا لانطلاق المسابقة العالميـة سوف تدفع الاقتصاد الروسي بعوائد تقدر ما بين 26 مليار دولار إلى 30.8 مليار دولار خلال العقــد المستمر ما بين 2013 - 2023. (3، 4، 5، 6)

    

انتقــادات.. أو قل: علامات استفهـام

    

على الجهـة الأخرى تبرز الكثير من الانتقادات وعلامات الاستفهام التي تشكك في الجدوى الاقتصادية الكبيرة لمسابقة كأس العالم كما تدّعي الحكـومة الروسية، ويرى الكثيـرون أن الحكـومة أنفقت ببذخ كبيــر في سبيل تنظيم المسابقة التي ستساهم في تحسين الاقتصاد ولكن ليس بالدرجة التي يتوقّعها البعض.

      

وتزداد هذه الشكـوك باعتبار أن كأس العالم هو ثاني حدث رياضي عالمي كبير تستضيفه روسيا خلال أربع سنوات، حيث استضافت روسيا دورة الألعاب الأولمبية الشتـوية التي عُقدت في عام 2014 وأنفقت على تحضيـراتها أرقاما قياسية في تاريخ الألعاب الأولمبيــة وصلت إلى نحو 50 مليار دولار في مدينة سوتشي التي تطل على البحر الأسود قريبا من القوقاز. صحيح أن تنظيم هذه الدورة ساهم بشكل كبيـر في إنجاز سياحي ضخم في منطقة البحر الأسود من الصعب تكراره في روسيا، لكن الانتقادات توالت بشكـل كبيـر بخصوص الإنفاق المبالغ فيه في تنظيم هذه الدورة والتي لم تعد بمردود جيد على الاقتصاد بالشكل الذي تمّ الترويج له. فضلا عن الاتهامات بوجود فساد وإهدار كبيـر للأموال في تنظيم المسابقة التي تعتبــر الأكثر تكلفة على الإطلاق في تاريخ الألعاب الأولمبيــة.

    

لذلك، ومع ضخـامة المسابقة العالمية التي تتكــرر مرة واحدة كل أربع سنوات، تتصاعد في الآونة الأخيـرة أصوات متشككة بخصوص تأثير كأس العالم على الاقتصاد الروسي، باعتبار أنه "سيكون تأثيره محدودا للغاية على الاقتصاد الروسي الضخم وخلال فتـرة محدودة أيضا" كمـا صرّح محللون نقلت عنهم وكالة رويترز.

    

ومع ذلك، تبقى علامات الاستفهـام المتشككة التي يطـرحها المحللون قائمة، على الرغم من تأكيدات الحكـومة الروسية على الأهمية القصوى التي سيلعبها تنظيم كأس العالم على الاقتصاد الروسي لدرجة تصريح أركادي دفـوركوفيتش أن روسيا لم تكن لتحقق تقدما اقتصـاديا ملحوظا لولا تحضيـرات كأس العالم التي تمّت خلال السنوات الخمس الماضية، وأن هذا الحدث بمفـرده سيساهم فيما يعادل 1% من الاقتصاد الروسي. (7)

    

القطاعات التي ستحقق أكبر قدر من الأهداف

    

من جهــة أخرى، من المتوقّع أن تحقق قطاعات معيّنة أرباحا كبــرى أثناء انطلاق مسابقة كأس العالم، فبحسب محللين ستكون قطاعات الأغذية والفنادق والاتصالات والمواصلات هي القطاعات التي ستحقق نقلة كبــرى في أرباحها في تلك الفترة. فضلا عن أن قطـاعي الإنشـاءات والسياحة سيكونان في مقدمة القطاعات الروسية المحلية التي تستفيد بشكل كبير من تنظيم كأس العالم سواء في مرحلة الإعداد أو في مرحلة انطلاق المسابقة.

    

على مستوى الشركـات والمؤسسات العالمية، فالمعادلة مختلفة تماما. صحيح أن كأس العالم لن يكون هو السبب في صعود أو سقوط الشركات، ولكنه بلا شك يوفر الفرصة الممتازة للوصول إلى عملاء جدد وفتح أسواق جديدة بمنتجات جديدة وخدمات مميزة. من المتوقع أن يصل سوق الإعلانات العالمي خلال المسابقة إلى نحو 2.4 مليـار دولار بحسب مؤسسة زينيث التسـويقية، وهو رقم مفهــوم تماما مع بث المسابقة لأكثر من 3.5 مليـار شخص حول العالم يتابعون المباريات. (8، 9)

      


      

أخيرا، ربما ما هو أكثـر أهمية من الحدث نفسه هو توقيته؛ فمع الهزات العنيفة التي ضربت الاقتصاد الروسي في السنوات الأخيرة على خلفيـة صراعاتها السياسية في الشرق الأوسط وخلافاتها الحادة مع جيرانها الأوروبيين، يأتي كأس العالم بمنزلة قناع الأكسجين الذي يجعلها تستعيد بعضا من صفاء وجهها الأبيض بعد عدة سنوات من الشحوب الاقتصادي والسياسي والأمني.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار