انضم إلينا
اغلاق
ما هي الإشكالية الكبرى التي تواجه الشركات بالشرق الأوسط؟

ما هي الإشكالية الكبرى التي تواجه الشركات بالشرق الأوسط؟

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
يزداد العالم اهتماما بريادة الأعمال يوما بعد يوم، وتمثل الدول النامية بيئة خصبة لها. لكن الشرق الأوسط على وجه الخصوص يحتاج إلى إصلاح منظومة القوانين، لمواكبة السوق الجديدة. تعرض هذه المقالة للمشكلة الأولى والكبرى التي تواجهها الشركات الناشئة العربية عند التسجيل، والتي تدفعها إلى الملاذات الضريبية بالخارج، والجهد المبذول حتى الآن لإصلاحها.

 

نص المقال
لماذا تبدأ ريادة الأعمال في الشرق الأوسط من خارجه؟ قوبلت شركة أوبر ومنافستها الإماراتية كريم بالترحيب، عند دخولهما السوق الأردني عام 2016، باعتبارهما متنفسا للعملاء الساخطين على منظومة سيارات الأجرة المحلية، المعروفة بضعف مستوى الخدمة ورعونة سائقيها. لكن سرعان ما اصطدمت الشركتان الناشئتان بنفوذ المنتفعين من منظومة سيارات الأجرة، المقربين من الساسة. وخلال أشهر قليلة، منعت الشركتين رسميا من العمل، وشرعت الشرطة في تسجيل طلبات وهمية، بهدف احتجاز السائقين، وتغريمهم ماليا، ومصادرة سياراتهم.

    

وفي حين بذلت كريم جهودا كبيرة للمواصلة، تجاوب كبار المستثمرين في الشركة مع هذه العقبة بلا مبالاة. وسبب ذلك أن الشركة مسجلة بجزر العذراء البريطانية. تقول لانا علامات، المحامية العاملة مع ومضة كابيتال، إحدى أكبر شركات رأس المال المخاطر بالشرق الأوسط، التي تستثمر في الشركات الناشئة: "تواجه شركة كريم مشكلات مع جميع الأنظمة القضائية. لكن الكيان المالك في عزلة تامة عن هذه الأمور".

   

نال اقتصاد الشركات الناشئة بالشرق الأوسط اهتماما مستحقا في السنوات الأخيرة، فقد تم ضخ ما لا يقل عن 815 مليون دولار من الاستثمارات الجديدة في المنطقة، خلال عام 2016 فقط

أن سبلاش
     

لا تعد كريم حالة شاذة. فمع النجاح المستمر للمشروعات الناشئة بالشرق الأوسط، يزداد اعتمادها على الملاذات الضريبية خارج البلاد، مثل جزر العذراء البريطانية، وجزر كايمان، وولاية ديلاوير الأميركية أيضا. فهذه هي الطريقة الوحيدة لطمأنة المستثمرين شديدي التحفظ من محاكم المنطقة المتزمتة ولوائحها الفضفاضة التي تطبق غالبا وفق أهواء البيروقراطيين من ذوي السلطة. تشرح ذلك إيمان حيلوز، مؤسسة أبجد، المنصة العربية للكتب الإلكترونية، المدارة من جزر العذراء البريطانية: "يطلب المستثمرون ذلك. فزيادة استقرار الشركة يجعل المستثمرين أكثر اطمئنانا".

    

"قصص رعب" عن الشركات الناشئة
نال اقتصاد الشركات الناشئة بالشرق الأوسط اهتماما مستحقا في السنوات الأخيرة، مع استثمار مسرعات الأعمال وصناديق رأس المال المجازف ملايين الدولارات، وانبثاق مئات الشركات الجديدة. فقد رصدت ومضة -وهي مصدر رئيس للبيانات الخاصة بريادة الأعمال بالشرق الأوسط- ضخ ما لا يقل عن 815 مليون دولار من الاستثمارات الجديدة في المنطقة، خلال عام 2016 وحده.

 

يقول كريستوفر شرودر، الرأسمالي المخاطر ومؤلف كتاب "صعود الشركات الناشئة: ثورة ريادة الأعمال تعيد تشكيل الشرق الأوسط"، إن المنطقة تشترك مع معظم بقاع العالم النامي، في نفس الخواص السكانية المحفزة للشركات الناشئة. "فلديك شريحة غير متجانسة من الشباب، يملكون حرية وصول غير مسبوقة إلى التكنولوجيا... وطبقات استهلاكية متزايدة، تزداد ميلا إلى التعاملات الرقمية". توفر لهم هذه الشركات الناشئة فرصة للتوظيف، وطريقة لتنويع الاقتصادات المعتمدة على النفط. وبينما تعثرت بعض الدول في أعقاب ثورات الربيع العربي، استغلت الأردن استقرارها النسبي لخلق بيئة صديقة لريادة الأعمال، كفلت لها حيويتها المرتبة الثالثة بعد مراكز التكنولوجيا المتألقة في دبي وأبو ظبي. لكن قوانين البلاد عجزت عن التأقلم مع الوضع الجديد بالسرعة المطلوبة.

    

     

عانى رواد أعمال القطاع التكنولوجي بالأردن فترة طويلة من قوانين هي أكثر ملائمة للشركات التقليدية منها للشركات الناشئة، مثل قوانين تجبر الشركات الصغيرة على استئجار مساحات مكتبية بدلا من اتخاذ بدروم المنزل مقرا للإدارة. لكن فكرة التسجيل بالخارج لتفادي هذه اللوائح بدأت في الظهور بعد عام 2009، عقب شراء شركة ياهو للبوابة الإلكترونية العربية مكتوب، مقابل 164 مليون دولار، مما وفر أرباحا بالملايين شرع المؤسسون في إعادة استثمارها سريعا في المنطقة. لكن سرعان ما اتضح لهم أن إنفاذ الاستثمارات محليا يتطلب أكواما من التعاملات الورقية، وعددا غير هين من الخصوم.

 

"بدأنا في الإجراءات وفق الهيكل القانوني الأردني... لكننا احتجنا إلى السرعة والقابلية للتوسع. ولقد قابلنا عددا من اللافتات التحذيرية التي أثارت خوفنا حقا"، قالت ذلك علامات، التي أدارت هذه الاستثمارات المبكرة لصالح فادي غندور، مؤسس مكتوب الشهير وعملاق لوجستيات الشرق الأوسط، الذي تطور فريقه حتى صار شركة ومضة كابيتال. استقر فريق غندور على قاعدة ما تزال تطبق في ومضة كابيتال، التي غدت قوة مهيمنة على رأس المال المخاطر بالشرق الأوسط: سيستثمرون في جميع أنحاء المنطقة، بشرط موافقة الشركات على التسجيل بالخارج. واليوم، يصعب العثور على شركة ناشئة ناجحة بالشرق الأوسط لم تتبع هذه القاعدة.

 

ترى علامات أن أكثر ما يثير الريبة في النظام القانوني الأردني هو الاتفاقيات التي تقيد صاحب المشروع بموعد معين لإصدار الأسهم، أو آخر يتوجب على المستثمر بيعها فيه، مثل اتفاق معظم المستثمرين الآخرين على بيع الشركة. يحق لأي شخص توقيع هذه الاتفاقيات، إلا أن الحكومة الأردنية لم تفصل مطلقا في ما إذا كان بإمكانها فرضها، مما يرفع احتمالية حظر أي انسحاب مربح بسبب مستثمر متعنت، أو أن بإمكان رائد الأعمال -بكل بساطة- رفض إصدار أسهم موعودة. وحتى اليوم، لا يرغب أحد في خوض التجربة الأولى.

    

   

من منظور استثماري، تملك كل من دول الشرق الأوسط الأخرى مشاكلها الخاصة. إذ تحظر لبنان والإمارات العربية المتحدة إصدار أنواع متعددة من الأسهم، وهي ممارسة شائعة بالولايات المتحدة تسمح للمؤسسين والمستثمرين بإحكام سيطرتهم على الشركة، في الأغلب على حساب موظفين قد تصرف لهم أوراق مالية تفتقر إلى الحق في التصويت.

 

كذلك تثير صعوبة إغلاق الشركة توتر المستثمرين. فلا تملك الأردن قانون إفلاس متخصص، مما يجعل العجز عن سداد القروض عملية ملتوية ونزاعية. في العام الماضي، قدر البنك الدولي أن المقرض الأردني الذي تخلف عميله عن السداد سيعوض بنسبة من قيمة قروضه تقل 46% عن نظيره في إحدى الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهي مجموعة من الدول المتقدمة. وتستهلك الرسوم والضرائب القدر الأكبر من هذه النسبة.

 

يقول وليد فزاع، الشريك بومضة كابيتال: "سمعت قصصا مرعبة عن حالات الإفلاس". موضحا أن بالإمكان تحميل الأفراد مسؤولية إفلاس شركاتهم بالإمارات، وغالبا ما يحتجزون في البلاد إلى أن تسوى قضاياهم. "لا يحدث هذا في أي نظام قضائي آخر".

  

توفر مجموعة متنوعة من البلدان المتقدمة بالفعل محاكم موثوقة ولوائح صديقة لقطاع الأعمال، لكن تتميز ولاية ديلاوير بسهولة استثنائية في تسجيل الأعمال التجارية، كما تتميز جزر العذراء البريطانية بمعدل ضريبة صفر بالمئة. وعلى الرغم من سمعتها كوجهة لغسيل الأموال، تتطلب جزر العذراء البريطانية إجراءات شفافية (تعرف بقواعد "اعرف عميلك") أكثر تفصيلا مقارنة بولاية ديلاوير. رغم ذلك، فإن العديد من رواد الأعمال الذين قد تجذبهم خطوات التسجيل البسيطة بولاية ديلاوير، يتوجهون إلى جزر العذراء البريطانية لخوفهم المتجذر من النظام الضريبي الأميركي المعقد.

 

"أيام من الأعمال المكتبية"

إن حجم الفرص المتاحة يستحق عناء تخطي العقبات القانونية بالنسبة للذين يشقون طريقهم في اقتصاد الشركات الناشئة

رويترز
      
تطلق بعض دول الشرق الأوسط مبادرات بهدف إعادة الشركات إلى أوطانها، لكن بعض الأمور لا تجري وفق الخطة الموضوعة. استهدفت الأردن مؤخرا محاكاة الإعفاء الضريبي لجزر العذراء البريطانية، فطبقت معدل ضريبة قدره صفر بالمئة على بعض الشركات المسجلة بالأردن والمقتصر نشاطها على الإنترنت. سيحافظ هذا على بقاء الشركات فترة، لكن ليس إلى الأبد. تشرح ذلك رنا عطوان، المحامية كثيرة التعامل مع أويسس 500، حاضنة الأعمال الكبرى بالأردن: "اليوم، تحتاج الشركات الناشئة في مراحلها الأولى إلى نحو ثلاثة أيام من الأعمال المكتبية، كي تستحق" الخصم الضريبي الأردني، قبل الانتقال إلى الخارج لاحقا، بأي طريقة كان ذلك.

 

في عام 2015، حاولت لبنان أيضا إثناء رواد الأعمال عن التسجيل بالخارج، حين أعلن البنك المركزي عن تمويلات بمبلغ 400 مليون دولار لرجال الأعمال المسجلين بالبلاد. تقول علامات: "لكن هذا ضاعف تعقيد الاستثمار بلبنان عشر مرات، إذ ارتفعت التقييمات بدرجة جنونية، بعدما أصبحت المكاسب سهلة المنال"، وأوضحت أن ارتفاع التقييمات يمنح المستثمرين شركات أصغر مقابل أموالهم.

 

غالبا ما تشترك هذه المبادرات في الزعم بأن تشجيع ريادة الأعمال هو هدفها، إلا أن هناك شيئا آخر يجمع بينها: إنها تمنح الشركات الناشئة مكافآت ثابتة من أجل استمرار النظام، بدلا من إصلاح النظام نفسه. وفي محاولة منها لسلوك نهج مختلف، عملت الأردن على إصلاح نظام الإفلاس الخاص بها منذ عام 2015، لكنها جهود لم تثمر إلا نتائج قليلة.

 

أما عن من يشقون طريقهم في اقتصاد الشركات الناشئة، فإن حجم الفرص المتاحة يستحق عناء تخطي العقبات القانونية. توضح ذلك علامات قائلة: "تكمن الأهمية الوحيدة للمشاكل القانونية في تكلفتها الدولارية. ولا تقول الشركة الناشئة: "سأنشئ شركة في مصر للعمل في مصر"، بل تتساءل: "ما السبيل إلى بدء العمل؟".

___________________________________________

المقال مترجم عن موقع كوارتز

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار