اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/28 الساعة 17:19 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/10 هـ

انضم إلينا
وادي السيليكون الإيراني.. وجه آخر لدولة "الملالي"

وادي السيليكون الإيراني.. وجه آخر لدولة "الملالي"

  • ض
  • ض

كانت أحداث الأيام القليلة الماضية على وشك الانفجار في وجه روحاني، مُدركًا حجم الأزمة التي وضعه فيها الحرس الثوري، ليس فقط بتقييد حملته الانتخابية، بل بجعل جهود أربعة أعوام سابقة برئاسة الجمهورية الإيرانية هباء منثورا أمام رغبة الحرس بإزاحته عن الطريق. كانت تلك فرصة روحاني الأخيرة محاولا تغيير الوضع القائم، لكنه، واقفا في مدينة مشهد، إحدى أيقونات رجال الدين الإيرانيين، في خطابه الأخير قبيل الانتخابات الرئاسية، لم يملك سوى الإعلان عن محبته لرجال الحرس الثوري، وميليشيا الباسيج، ودعوتهم جميعا للالتزام بتعاليم المرشد الأعلى لـ "الثورة الإسلامية" آية الله الخميني. بينما كان مقصده الحقيقي واضحا: التزموا بتعاليم تنص على عدم تدخل الحرس الثوري في شؤون أي من الأحزاب أو الكيانات السياسية.  

  

بدا روحاني في تلك اللحظة من خطابه، يوم السابع عشر (مايو/أيار) الماضي، موجها نداء بمعركة ربما يعلم أنها حُسمت بالفعل، وأن الحرس الثوري لم تَعُد له اليد العليا في هذه الانتخابات، وهو يقين ربما شاركه إياه الحرس نفسه، عالِما أيضا أن محاولاته وضع حد لتقدم روحاني، لحساب مرشحه الأثير حينها "إبراهيم رئيسي"، قد ذهبت بالفعل أدراج الرياح، وتحديدا منذ أن بث موقع "آبارات" (Aparat)، المماثل الإيراني الشهير لـ "يوتيوب"، في الرابع عشر من (مايو/أيار) وقبل الخطاب بثلاثة أيام فقط، تسجيلا يُطالب الإيرانيين بدعم روحاني لفترة رئاسية ثانية، أما صاحب الرسالة المسجلة، ذائعة الصيت وقتها، لم يكن سوى الرئيس الإيراني الأسبق، محمد خاتمي(1).

  

أدرك الإيرانيون مغزى الرسالة، خاصة وأن خاتمي، الممنوع من الحديث للإيرانيين في وسائل الإعلام الحكومية منذ تأييده لنشاطات "الحركة الخضراء" عام 2009، أكبر حركة احتجاجات إيرانية داخلية منذ الثورة، لم يكن اسمه قد أزيل بعد من القائمة السوداء للنظام الإيراني، بل إن تأييده للإصلاحيين في 2015 قد جعل ذكره فقط أو نشر صورته في أية وسيلة إعلامية يساوي محاسبة فورية أمام القضاء(2)، التابع في النهاية بشكل أو بآخر للحرس الثوري. وبالرغم من حظر الفيديو من كافة وسائل التواصل الاجتماعي الإيرانية، ومن قبل من "آبارات" ذاته، فإن الرسالة قد آتت أكلها في العشرين من الشهر نفسه، عندما أُعلن فوز روحاني باكتساح لفترة رئاسية ثانية.

  

صورة لصفحة تسجيل روحاني على آبارات "يوتيوب إيران البديل" بعد حذفه  (المصدر)

 
قدّم روحاني شكره لخاتمي بعد أيام من فوزه، في موقف تحدّى فيه حظرا مفروضا على ذكر اسم الأخير في وسائل الإعلام العامة(3). أما شكره لـ "آبارات"، ولكافة الشركات التقنية الناشئة الإيرانية التي بدأ ظهورها على يديه في فترته الرئاسية الأولى، فقد كان فعلا لا بكلماته فقط.

 

مُنح الشباب الإيراني، وعلى مدار السنوات الخمس الأخيرة تقريبا، فرصة ذهبية للخروج من العزلة الإيرانية المفروضة خارجيا بسبب العقوبات الدولية، وداخليا بسبب قبضة النظام المُحكمة جانب سطوة الحرس الثوري القائمة، إذ كان روحاني صاحب الفضل في توفير شبكة إنترنتية محلية بسرعات عالية نسبيا، ووضع حجر أساس انطلاقة الشركات الناشئة الإيرانية، والساعية الآن لوضع طهران على الخريطة العالمية من جديد، بمفهوم مختلف عما اعتاد عليه العالم، وباقتصاد قائم على المعرفة، تحاول فيه الدولة الفارسية، رغم ضخامة الحلم، أن تُصبح واجهة العالم التقنية المقبلة وعماد انتشارها.

 

اصطياد العقول "الطائرة"

ارتبطت إيران، منذ قيام "الثورة الإسلامية" فيها عام 1979، بتاريخ لم يتوقف من عقوبات دولية-أميركية متواصلة على الدولة الشيعية، وبرغم ارتباط العقوبات بنتيجة مباشرة متمثلة في أحوال سيئة اقتصاديا واجتماعيا، وكذا باقتصاد نفط متهالك في دولة تعتمد عليه بالأساس كمورد للدخل، فإن جانبا آخر من الصورة لم يظهر أثره إلا قريبا، وتجلت فيه آثار العقوبات الاقتصادية المتوالية، شاملا ركنا أكثر أهمية من أركان الدولة الإيرانية: الشباب.

 

لم تكن آثار هجرة هذه الأعداد من ذوي المهارات هيّنة على الاقتصاد الإيراني، خاصة بعد توقف النفط عن إنتاج قيمته مع تزايد العقوبات المفروضة دوليا على طهران

رويترز
 

في مرحلة ما بعد الثورة لم يستطع النظام الإيراني التحكم في قطار "العقول المهاجرة" من إيران إلى الخارج بشكل مستمر ومتزايد(4)، وكان وصف "العقول" أقرب إلى الصواب، لاقتصار الأعداد المهولة من الشباب الإيراني المهاجر للخارج بشكل كبير على خريجي الكليات العملية من أصحاب المهارات الشخصية والعقول المتميزة، والقادرة على إحداث فارق في الداخل أو الخارج(5)، عقول قدّر البنك الدولي أعدادها بحوالي 150 ألف إيراني يهاجرون سنويا إلى الولايات المتحدة وكندا وغيرها من دول النخبة، إما لاستكمال تعليمهم، وإما للهرب بشكل رئيس من منظومة أمنية بالمقام الأول قادت بها السلطة الإيرانية الدولة كاملة.

 

لم تكن آثار هجرة هذه الأعداد من ذوي المهارات هيّنة على الاقتصاد الإيراني، خاصة بعد توقف النفط عن إنتاج قيمته مع تزايد العقوبات المفروضة دوليا على طهران، وقُدّرت قيمة الخسائر الاقتصادية جراء خروج هذه الأعداد من الشباب بضعفي ما يجنيه قطاع النفط الإيراني تقريبا، أي ما يُعادل 50 مليار دولار سنويا، وفق البنك الدولي أيضا(6). وفي حين لم تُعر القيادات المتوالية على طهران بالا لهكذا أثر، فإن روحاني أدرك بشكل فعلي ما يمكن لآلاف الشباب الإيراني الحاصل على تعليم مرتفع المستوى في دول متطورة فعله، لذا لم يكن عليه إلا توفير سبل مناسبة لعودتهم، وهو ما فعل جزءا منه على الأقل إلى الآن، وكانت بدايته، على عكس المتوقع، في مدينة لوزان السويسرية حيث تم توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015.

  

حمل الاتفاق النووي بوادر انفراجة لإيران-روحاني، وإن استهدف بالأساس وضع حد لبرنامج إيران النووي فإن المقابل كان بإزالة العقوبات المفروضة عليها، لذا بلغت توقعات زيادة عائدات النفط خلال العام الأول فقط من توقيع الاتفاق حوالي 15 مليار دولار، إضافة إلى إزالة القيود المفروضة على التجارة الدولية مع العاصمة الفارسية، وكذا على أموال إيران المجمدة في الخارج، والبالغ قيمتها حوالي مئة مليار دولار(7)منحت هذه البداية فرصة ذهبية لروحاني لإعادة ترتيب أوراقه الداخلية من جديد، فهو وإن خطا أول خطوة بطريق إعادة عائدات النفط للتدفق لأوردة الدولة واقتصادها المتهالكين، فإن ذلك منحه الفرصة للعب على أوتار أخرى أشد حساسية كان الشباب عنصرها الرئيس، ممثلا حوالي 60% من سكان الدولة.
 

وزير الطاقة الإيراني علي أكبر صلاحي، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية يوكيا أمانو خلال توقيع الإتفاق النووي (الأوروبية)

  

"سيليكون فالي" الإيراني

تعيّن على الصحافية الفرنسية "فيفيان والت" ارتداء ملابس فضفاضة "مناسبة"، فلا يجدر حتى بالأجانب في الدولة الإيرانية مخالفة "التعاليم الإسلامية" كما ينصها القانون الإيراني طالما يحيون، ولو بشكل مؤقت، داخل حدود الدولة. لكن هذه الحدود يمكن تجاوزها، أو التحايل عليها، كما أدركت، وبرغم التناقض الذي تبدّى للسيدة الباريسية في طريقة إدارة الأوضاع بالجمهورية الإسلامية فإن شيئا ما في هذا التناقض كان أشبه بعين الصواب بالنسبة لها، وهو ما تكشفت علاماته بالتدريج، إذ تتوغل الشمس بين جدران مبان زجاجية لشركات تقنية تحسبها فيفيان، للوهلة الأولى، بعيدة كل البعد عن كل ما يمت لإيران بصلة، ليبدو خلالها عمل الفتيات والشباب جوار بعضهم البعض مشهدا غير مألوف، لكنه واقع صنعه الشباب لأنفسهم على مدار السنوات الثلاث السابقة، مستمرا إلى الآن(8).

 

تمتلك إيران حوالي 46 مليون مستخدم للإنترنت، بما يعادل 57.2% من سكان الدولة، وهي نسبة تُمثّل نصف مستخدمي دول الشرق الأوسط الآسيوية كاملة تقريبا(9)، نسبة وجدت ضالتها في محاولات روحاني المستميتة لدعم إنشاء بنية تحتية لازمة لدخول شبكات الإنترنت السريع للبلاد منذ عام 2013(10)، ما منح الإيرانيين الفرصة للتحايل على العزلة المفروضة عليهم دوليا.

 
لكن توفر الإنترنت وحده لا يكفي، فعزلة إيران لا تقتصر فقط على التجارة والنفط والتعاملات المالية، بل تمتد إلى شركات التقنية وشبكات التواصل الاجتماعي المحظور توفرها في الدولة، سواء بقرار السلطة الدينية الثورية العليا، أو بسبب العقوبات الدولية سابقا، ما جعل شبكات الـ "Virtual Private Network" أو "VPN" طريقا مقبولا للوصول إلى المواقع المحظورة، لكنه لم يكن بديلا رئيسا عن المواقع الإنترنتية نفسها، لذا كانت فرصة قوية للشباب الإيراني لصناعة البدائل بأنفسهم.

  

 
كانت البداية في (أغسطس/آب) عام 2014، بحصول شركة الاتصالات المتنقلة في إيران "Mobile Telecommunication Company of Iran" أو "MCI" اختصارًا، مع شركة "إيرانسل" (Irancell) على رخصة تقديم خدمات الجيلين الثالث والرابع من الإنترنت 3G)، 4G)، بعد سنوات من اقتصارها على شركة ريتيل(11). فتحت تلك الخطوة الباب فيما بعد أمام انتشار خدمات الإنترنت بطول إيران وعرضها، وفتحت أيضا الباب أمام ظهور مصطلح الـ "Start Up" أو "الشركات الناشئة" في إيران للمرة الأولى، إذ شهد عام 2014 وحده انطلاق 150 شركة ناشئة إيرانية، وهو رقم تطور خلال 2015 ليصل إلى 400 شركة ناشئة في العاصمة طهران وحدها(12).  

 

كان نصيب الكعكة الأكبر من هذه الشركات لصالح المجال التقني، خاصة الشركات التقنية الناشئة المتولية مهمة إيجاد بديل عن المواقع والخدمات العالمية غير المتوفرة بالداخل. فعلى سبيل المثال، قامت شركة "ديجي كالا" (Digikala) بدور "أمازون" في إيران، والمقدر قيمتها بحوالي 300 مليون دولار، بينما تقوم شركة "آبارات" (Aparat)، وهي جزء من شركة "صبا ايده" (Saba Idea)، بدور "يوتيوب" إيران، وغيرها من شركات صارت مع الوقت أكثر انتشارا وفاعلية في المجتمع الإيراني، لقدرتها على صناعة بديل محلي قوي قادر على تفتيت آثار العزلة الدولية شيئا فشيئا.

 

عند توقيع الاتفاق النووي في 2015 لم يسهم ذلك فقط في زيادة عدد الشركات الناشئة إلى نحو ألف شركة إيرانية في العام التالي مباشرة 2016، لكنه أوجد كذلك طفرة تقنية تجلّت في مجال مفتوح على مصراعيه لمنافسة دولية قادمة للداخل الإيراني. ولم يتوقف الأمر عند نشأة تلك الشركات، سواء كان مؤسسوها ممن عاشوا في طهران طوال حياتهم، أو ممن آثروا العودة إليها مع توقيع الاتفاق النووي وبداية الانفتاح الإيراني على العالم، لكنّ دورا آخر فعالا آثرت جمعية ريادة الأعمال الإيرانية، المعروفة اختصارا بـ "IEA"، القيام به.

 

 صورة من مؤسسة "iBRIDGE"(مواقع التواصل)


وإذ انشغلت الغالبية الشبابية في وضع بصمة جديدة على عالم التقنية الإيراني بتصميم التطبيقات أو البرامج أو غيرها، كان للجمعية دور رئيس في خلق مناخ ملائم لتنظيم سير هذه العملية، من خلال مجموعة متنوعة من برامج التدريب والتعليم والمتابعة، وكذا مؤتمرات وفعاليات تهدف بالأساس إلى توفير المساعدة اللازمة للراغبين في دخول عالم التقنية دون معرفة بالطريق(13). وفي حين مثّلت جمعية ريادة الأعمال الإيرانية "IEA" هذا الدور محليا، كان المقابل الفاعل لها عالميا والقائم بالدور ذاته ضمن مهامها هي مؤسسة "iBRIDGE" كاليفورنيا، والمتولية من جهة أخرى مهمة نقل التكنولوجيا الحديثة بالخارج من وإلى إيران من خلال عناصرها(14).

 

لا تخلو الصورة الحالمة السابقة لأحد أوجه إيران من بعض الكدر، فسنوات طويلة من العزلة والعقوبات والتشدد ألقت بظلالها على هكذا تغيير، خاصة في دولة تحمل طابعها الخاص كالدولة الفارسية، ما يعود بنا من جديد إلى صورة إيران الأولى، ليس فقط فيما يتعلق بتشدد السلطة الدينية وسلطة الحرس الثوري النافذة، ولكن أيضا إلى عالم آخر من فساد يوجد في أروقة طهران، ويضع حدودا لما يمكن أن تذهب إليه قدرة الشباب الإيراني على الحركة.

 

الأزمة

تبدو مشكلات "تشدد" السلطات الإيرانية أقل عائق أمام أزمات عدة قد تواجه الدولة فيما بعد. تبدأ هذه الأزمات مع حقوق ملكية لا تمتلك إيران أي قوانين متعلقة بها، وهو أمر وضحته "فيفيان" في حوارها مع أحد مؤسسي شركة ناشئة تدعى "نامليك" (Namlik) في موقف يظهر حجم الأزمة الإيرانية في هذا الشأن، حين عرض "رضا رضائي"، أحد المؤسسين، على مجموعة مستثمرين كيف يمكن لشركته استغلال أوقات ضخمة مهدرة في زحام إيران، وطهران تحديدا، ما يعلق به عشرات الآلاف يوميا، لعرض منتجات صوتية من خلال تطبيق للشركة. وحين تساءل أحد المستثمرين عما إن كان هذا سيتسبّب في مشكلة ما تتعلق بحقوق الملكية والنشر، كان رد رضائي: "هذه إيران، ليس لدينا هذه المشكلات".

  

 
تظهر تلك الأزمة جلية في التعامل الإيراني-الأجنبي إذا ما جلب الاتفاق النووي المستثمرين الأجانب بالفعل إليها بالمدى المتوقع حتى عام 2020، ففي وقت لا تمتلك فيه إيران أية قوانين تتعلق بحقوق الملكية، شبه المقدسة خارج حدود الشرق الأوسط عموما، يبدو نطاق التعاون المحتمل كأضيق ما يكون بالنسبة للإيرانيين. في وقت تتبدى فيه العديد من المشكلات الأخرى، أهمها كون إيران إحدى أصعب البلدان التي يمكن إقامة مشاريع فيها، فوفقًا للبنك الدولي، وفي عام 2014، قبعت إيران في المرتبة 130 من بين 189 دولة على مؤشر "مناخ الأعمال"، لانتشار "البيروقراطية الإيرانية" كما أسماها البنك الدولي، والمتكاثرة في مناخ دولة لها نفس الصفات الشرق أوسطية المعتادة على اتساع رقعة الفساد الحكومي، جاعلة توفر بيئة صالحة للاستثمارات الأجنبية أمرا ليس باليسير(15).

 

برغم التحديات الضخمة قد تُمثّل إيران إحدى الوجهات الجديدة القادمة لعالم التقنية والشركات الناشئة، لكن سنوات روحاني المتبقية، والأخيرة له رئاسيا طبقا للقوانين الإيرانية، وكذا سطوة نظام الملالي الأمني، ومع معارضة "شرسة" يواجهها هو نفسه إلى الآن في محاولاته تنفيذ برنامجه "الإصلاحي"، كل ذلك يضع تساؤلا جوهريا عن قدرة هذا الجيل من الإيرانيين على وضع خطوة تلو الأخرى في طريق إعادة رسم وجه دولتهم محليا وعالميا، وفي سبيل تغيير جذري يضع إيران في الواجهة من جديد، ولكن بصورة إيجابية هذه المرة.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار