اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/9 الساعة 16:26 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/20 هـ

انضم إلينا
"فن إضاعة الفرص".. مستثمرون ارتكبوا أخطاء فادحة كلفتهم المليارات

"فن إضاعة الفرص".. مستثمرون ارتكبوا أخطاء فادحة كلفتهم المليارات

  • ض
  • ض

"على سرير الاحتضار، لن تندم على الأشياء التي فعلتها في حياتك.. سوف تندم على الأشياء التي لم تفعلها"

   

هذه المقولة الشهيرة التي نُسبت إلى عدد كبير من العظماء في التاريخ حتى بات تحديد قائلها أمرًا صعبًا، أصبحت واحدة من أهم جواهر الحكمة وأشهرها على ألسن الناس. المعنى واضح تمامًا، ارتكاب الأخطاء - حتى لو كانت كبيرة - هي في النهاية مجرّد مواقف وأحداث تلتئم بمرور الوقت مهما كان حجم الخسائر من ورائها. بينما الامتناع الكامل عن الإقدام لفعل شيء ما؛ لدافع القلق أو الخوف من الفشل أو حتى الحذر أكثر من اللازم، هو ما سوف تندم عليه في لحظات حياتك الأخيرة.

 

رغم بساطتها، تظل هذه المقولة صالحة للتطبيق في كل شيء في الحياة تقريبًا، بدءًا من تكوين الصداقات والعمل في الوظائف، مرورًا باستغلال لحظات الصفاء النفسي في ممارسة أنشطة اجتماعية أو عائلية، وليس انتهاءً بفرص المضاربة في البورصة أو السفر. إقدامك على فعل شيء ما تصاب من ورائه بخيبة أمل محدودة، أفضل بكثير من التراجع عن عمل أي شيء بسبب الخوف والقلق. بمعنى آخر؛ الندم بعد حركة إيجابية لتحقيق شيء ما، أفضل بكثير من لحظة الندم بعد تفويت العديد من الفرص والوقوف أمامها بمشهد المتفرّج.

 

إلا أن التجلّي الأكبر لتطبيقات هذه المقولة يتركّز في عالم المال والأعمال تحديدًا. الفرص في عالم البزنس عمومًا أنواع: إما فرص تقليدية عادية. وإما فرص وهمية، وإما فرص حقيقية. المشكلة هنا أن كل فرصة من هذه الفرص قد تأتي بقناع مزيّف، فتبدو الفرص الجيدة تضييع وقت، وتبدو الفرص الوهميّة مثيرة للاهتمام. وهذا هو السبب الأساسي في وجود دراسات مستفيضة سوقية وتخطيطية في كل نواحي الأعمال التجارية العصرية. أما أن تأتيك الفرصة الحقيقية الواضحة العلنية الصريحة العارية تمامًا، وتقول: هيتَ لك. تدعوك أنت تحديدًا إلى اقتناصها والاستفادة منها، ثم ترفضها أنت بداعي أنها "غير مُجدية"، وقتئذ فقط لا تملك إلا أن تعضّ أصابع الندم، ربما بقية العمر. ثم قال: أنا امتلك أسرة رائعة على أيّة حال.

   

رائد الأعمال "نولان باشنيل"

غيتي
 

اسم رائد الأعمال "نولان باشنيل" كان معروفًا بشكل كبير في سوق التقنية والألعاب في نهاية الستينيات ومطلع السبعينيات. في العام 1972 ارتبط اسمه للأبد مع جهاز ألعاب الفيديو الشهير للغاية وقتئذ "أتاري (Atari)" الذي كان ذائع الصيت للغاية في عقد السبعينيات وبداية الثمانينيات، ويعتبر من أكثر أجهزة الألعاب شيوعًا في العالم أيضًا حتى في المنطقة العربية. كان باشنيل أحد الرؤساء الأوائل لأسطورة التقنية العالمية "ستيف جوبز" الذي قضى فترته الأولى في التنقل بين شركات التقنية حتى وهو في مرحلته الثانوية. في العام 1975 تأسست شركة آبل بواسطة كل من ستيف جوبز وستيف ووزنياك، وكانت بداية الرحلة الطويلة لنجاح التفاحة الأميركية الأشهر، عرّاب التقنية العالمية حتى يومنا هذا.

 

ما لا يعرفه الكثيرون أن ستيف جوبز كان قد توجّه إلى نولان باشنيل طالبًا منه أن يقوم بضخ تمويل بذري (Seed investment) في شركة آبل التي كانت تحت التأسيس بمبلغ قيمته 50 ألف دولار، وهو الطلب الذي قوبل بالرفض من طرف باشنيل على الرغم من أن تمويله هذا كان سيضمن له الاستحواذ على ثلث شركة آبل بالكامل.

 

ماذا لو كان باشنيل أجاب بالموافقة على عرض جوبز البسيط؟ كان هذا سيعني أنه - بعد أربعين عامًا - سيكون مالك ثلث شركة آبل التي تتجاوز قيمتها السوقية اليوم النصف تريليون دولار، وهو ما يعني ثروة لا يمكن تصوّرها، بالأساس كان سيملكها مقابل ضخ كمية بسيطة من المال كان قادرًا على دفعها بسهولة. يقول باشنيل معلقا: "حسنًا، أنا أملك أسرة رائعة، ولدي حياة رائعة. حياة رائعة لست متأكدا أنني كنت سأملكها إذا كنت شديد الثراء".

 

ومع ما يبدو من هذه العبارة من قناعة كبيرة - ربما تدعو للسخرية أكثر ما تدعو للتصديق -، إلا أنها حتى على المستوى المهني لا تبرر خطأ قاتلا برفضه تقديم تمويل بسيط كان يمكنه القيام به لواحد من أكثر موظفيه ذكاءً على الإطلاق؛ لبناء مشروع واعد مثل آبل. ( 1، 2، 3 )

 

المفترض أن تكون ثروته اليوم 75 مليار دولار
  
رونالد وين كان أيضًا على موعد مع 1(نيسان/أبريل)، ولكنه كان موعدا أكثر قسوة وألمًا وأكثر مدعاة للصراخ ندمًا. كان وين هو المؤسس الثالث لشركة آبل، رائد متميز في صناعة الإلكترونيات وكان زميلًا لكل من ستيف جوبز وستيف ووزنياك في شركة أتاري. ساهم في تأسيس شركة آبل متوليًا مسئوليات إدارية واسعة في مقابل 10 % ملكية لأسهم الشركة الناشئة. كان رونالد بمثابة الأخ الأكبر لكلا الصديقين، حيث كان يفوقهما في العمر والخبرة بمراحل.

 

في منتصف السبعينيات طلب الصديقان من رونالد أن ينضم معهما لتأسيس شركتهما الجديدة بسبب وجود عقبة قانونية في ذلك الوقت تقتضي وجود شخص كبير في السن "وصي" لإنشاء الشركات، وهو ما جعل عرض الصديقان لرونالد محددًا: ستكون أنت الوصي المسئول مقابل 10 % من أسهم الشركة الجديدة.

 

وافق رونالد، وبدأ باعتباره الوصي على الشركة بإنجاز عدد من المهام الأساسية لإطلاق الشركة مثل تصميم شعار آبل الأول، وكتابة دليل استخدام أول حاسوب أنتجته الشركة، وأيضًا عقود تأسيس الشركة. كانت الأمور تسير على ما يرام، حتى شعر رونالد بخطورة اندفاع الشابين "جوبز ووزنياك" في الحصول على قروض كبيرة قد تهدد أصول الشركة بالكامل، وقد تطال ممتلكات رونالد نفسه -باعتبار أن الشابين لم يكونا يملكان شيئًا تقريبًا-، وهو ما جعله يطلب الرحيل بعد أسبوعين اثنين من إطلاق الشركة.

 

وبعد أسبوعين اثنين فقط من إطلاق الشركة، وبعد أن تولى مسئولياته في الشركة قرر رونالد واين بيع حصته في الشركة كاملة (الـ 10 % من شركة آبل) مقابل 800 دولار فقط، ارتفعت لاحقًا إلى 1500 دولار بعد التنازل الكامل عن الملكية، ما يساوي اليوم حوالي 9.300 دولار تقريبًا. ماذا لو كان احتفظ رونالد واين بنصيبه في شركة آبل، ولم يشعر بالقلق من تهوّر الشابين في أخذ القروض والعمل بشكل سريع؟.. كان من المقدر أن يكون نصيبه من الشركة يوازي (75 مليار دولار) بناءً على قيمتها السوقية اليوم في العام 2017. ( 4، 5، 6 )

 

لاءات خمسة في وجه استثمار ثوري

   
نبقى في السبعينيات، ونبقى مع آبل. في تلك الفترة كان الصديقان ستيف جوبز وستيف ووزنياك يعملان بكافة طاقتهما لافتتاح شركتهما الناشئة والحصول على تمويل جيد يمكّنهما من تنفيذ أفكارهما الثورية في عالم الحاسوب الذي كان يحبو كالأطفال حينئذ. أثناء عمل ستيف ووزنياك في شركة هيلويت باكارد (HP) المتخصصة في صناعة الحاسوب، استطاع أن ينتج التصاميم الأوّلية لأول جهاز حاسوبي (PC) الذي يعتبر النواة لحاسوب آبل الأول (Apple -1).

 

كان الجهاز ثوريًا، إلا أنه مع ثوريته كان غريبًا ومدعاة للشك من قبل المستثمرين. طرق ستيف ووزنياك أبواب المديرين التنفيذيين في شركة "إتش بي" (HP) خمس مرات، مقدما في كل مرة التصميمات المفصّلة لجهازه الاستثنائي طالبًا منهم الدعم التمويلي، إلا أن التنفيذيين في شركة اتش بي وعلى رأسهم وقتئذ جون يونغ، كان ردهم النهائي على طلباته اللحوحة المتكررة: لا.

 

لاحقًا، ترك ستيف ووزنياك عمله في اتش بي ليبدأ شركته برفقة صديقه ستيف جوبز التي أسموها" أبل". كان من الممكن أن تكون إتش بي هي راعية أبل في يوم من الايام! ( 7 )

 

شكرًا، الفرصة "ضئيلة" للغاية بالنسبة لنا

   
في العام 2000، وصل إلى رائد الأعمال والمستثمر المخاطر المعروف في تلك الفترة "جيمس آلتشر" عرضًا بفرصة تمويل لإحدى الشركات الناشئة في ذلك الوقت. عندما طلب تفاصيل أكثر عن طبيعة الشركة التي تسعى إلى تمويل مخاطر، أخبروه أن اسمها "غوغل" شركة ناشئة متخصصة في محركات البحث. كان العرض بسيطًا، يقوم جيمس بدفع مبلغ مليون دولار مقابل الحصول على 20 % من ملكية غوغل بالكامل، كتمويل مخاطر مقابل حصّة الخمس في الشركة. كان الرد الذي قاله جيمس ألتر مقابل هذا العرض:

 

"محركات بحث مرة أخرى؟.. ألم تمُت كل هذه المحركات وانتهت هذه القصة؟.. هل تعلم ما قيمة سهم "إكسايت (Excite)" هذه الأيام؟.. أنا سوف أخبرك، قيمة السهم تساوي صفرًا. طبعًا لن استثمر مالي في شركة متخصصة في محركات البحث. طبعًا كان مثال شركة "إكسايت (Excite)" الذي يقصده يعتبر هاجسًا له؛ باعتبار أنها كانت محرّكا بحثيا انتشر في نهاية التسعينات ووصل إلى طريق الإفلاس الكامل في تلك الفترة، مما جعل فكرة محركات البحث تمثل بارانويا كاملة للمستثمر المخاطر حتى لو كان العرض في المقابل الاستحواذ على خُمس الشركة بالكامل. كانت الرسالة التي رد بها جيمس آلتشر على مؤسسي غوغل وقتها بـ: لا شكرًا، نحن نرى أن هذه الفرصة "ضئيلة للغاية" بالنسبة لنا!

 

لاحقًا، اعترف جيمس ألتشر بنفسه عبر مدوّنته أن تفويته فرصة الاستثمار بمليون دولار فقط في غوغل مقابل خمس الشركة - التي تتجاوز قيمتها السوقية اليوم ما يزيد عن النصف تريليون دولار - هو أسوأ قرار في تاريخ الاستثمار المخاطر على الإطلاق. ( 8، 9 )

 

كونك مستثمرًا لا يعني أن تُملى الأوامر الخاطئة
في الوقت الذي كان فيه آرون ليفي ما زال يدرس في الجامعة في العام 2005، أرسل رسالة عبر البريد الإليكتروني إلى رجل الأعمال والمستثمر المغامر "مارك كيوبان" - وهو أحد المستثمرين الكبار في برنامج شارك تانك الأميركي الشهير لدراسة المشروعات الريادية -، كانت الرسالة تعج بتفاصيل شركته الجديدة الناشئة (BOX) المتخصصة في التخزين السحابي.

    

رجل الأعمال الأميركي مارك كيوبان

رويترز
  

كمستثمر مغامر صاحب عقلية كبيرة، لم يتردد كوبان في تمويل الشركة الجديدة وأبدى تحمسًا لها، وقرر تقديم مبلغ كبير 350 ألف دولار كتمويل بذري (Seed Investment) لإطلاق المشروع. ولكن بعد عام واحد من تمويل المشروع، أبدى كوبان رغبته في الانسحاب من الشركة.

 

السبب لم يكن شيئًا سوى الاختلاف على نموذج العمل الربحي (Buisness Model). كان كوبان يرى ضرورة أن تكون الخدمة بمقابل مادي بشكل دائم، بينما كان مؤسسو الشركة وعلى رأسهم آرون ليفي يرى تقديم خدمة تخزين سحابية مجانية قدرها جيجابايت للمستخدمين مجانًا، ومن ثم يبدأ بتغريمهم بمقابل مادي إذا زاد استخدامهم عن هذا الحد. كان الهدف الأساسي لآرون ليفي ومؤسسي الشركة هو جذب أكبر عدد من المستخدمين إلى الخدمة، خصوصًا مع التخوف الدائم من أن تقوم غوغل أو ياهو! من الدخول في هذا المجال ومنافسة الشركة الوليدة بعروض أفضل.

 

هنا وقعت الأزمة. مارك كوبان رجل الأعمال المخضرم والمستثمر الشهير يصمم على نموذج ربحي محدد، بينما الشباب المؤسسين للشركة يرون نموذجا ربحيا أفضل. جاء الحل عندما حصل مؤسسو المنصّة على جولة تمويلية أخرى، قاموا باستخدام جزء منها لشراء حصة مارك كوبان في الشركة وإخراجه منها بحسب رغبته هو.

 

في بدايات العام 2014، تم الإعلان عن طرح شركة (Box) للاكتتاب العام لتصل قيمتها السوقية إلى 2 مليار دولار، ما يعني النجاح الساحق الذي حققته الشركة بنموذجها الربحي الذي صمم عليه المؤسسون أمام المستثمر الكبير الذي كان من المفترض أن يجني ثروة كبيرة من هذه القيمة بسبب تمويله البذري للمشروع -إذا كان قد استمر فيه-. ومع ذلك، غرّد مارك كوبان لاحقًا أنه ما زال مصممًا على أن موقفه كان صائبًا بالانسحاب من الشركة وأنه لا يزال غير معجب بالنموذج الربحي للشركة، ومع ذلك يتمنى لهم التوفيق. ( 10، 11، 12، 13 )

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار