اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/12 الساعة 15:35 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/24 هـ

انضم إلينا
"مغامرة رابحة".. شركات جازفت بتغيير مجالها فأبهرت العالم

"مغامرة رابحة".. شركات جازفت بتغيير مجالها فأبهرت العالم

  • ض
  • ض

"من المستحيـل أن يكون هنـاك "تقدم" بدون مبدأ "التغييـر". هؤلاء الذين لا يغيّــرون أفكـارهم لا يستطيعـون تغييـر أي شيء"

(جورج برنارد شـو) (1)

 

قد يبدو الاقتبـاس حكمة برنارديّـة أخرى موجّهـة للأفراد بشكل أساسي، لكنها تصلح قطـعا -وربما بشكل أكبر- عند تطبيقها على مستوى المجموعات الذي يعتبر أبرز نمـاذجها العصـرية هو نموذج "المؤسسة". تقدم المؤسسة وتطوّرها هو النتيجـة النهائية لسلسلة من التغييـرات التي تدفع العجلة إلى الأمام. لا يوجد "رتابة" تؤدي إلى نجاح كبير، ولكن دائما توجد "تغييـرات" تؤدي إلى نتائج ثورية.

 

ومع ذلك، وفيما يخص عالم الأعمال، فمفهـوم "التغييـر" نفسه يحمل في طيـاته عدة أوجه ومعاني متباينة. فالتغييـر في مؤسسة ما قد يعني التغييـر في وسائل إدارتها، والتغيير في مؤسسة أخرى قد يعني التغيير في منهجيـات عملياتها، والتغيير في مؤسسة ثالثة قد يعني تطوير المنتجات والخدمات، والتغيير في مؤسسة رابعة يعني منهجية إحلال وتبديل نشطة تقوم دائما على تحديث ما هو قديم، وتنشيط ما هو جديد لمجاراة السوق من ناحية، وتحقيق مكـانة متقدمة في المنافسة من ناحية أخرى.

 

ويبقى "التغييـر الشامل" واحدا من أخطر أنواع التغيير وأكثرها رهبة بالنسبة للأفراد والمؤسسات على حد سواء. أن يقرر شخص ما يعمل في وظيفة ثابتة لفتـرة طويلة أن يغيّـر مجاله الوظيفي ويقتحم مجالا آخر تماما من نقطة الصفر، هو حتما ليس أمرا سهلا. ويزداد الأمر صعوبة عندما تقـرر مؤسسة قرارا من هذا النوع، أن تتخلى عن المجال الذي عملت فيه لسنوات طويلة وحجزت مكانا معروفا في أسواقه، وتنتقـل إلى سوق مختلف كليا عن السوق الذي كوّنت علامتها التجارية في رحابه. هذا النوع من التغييـر الذي يمكن أن يطلق عليه "التغيير الثوري" الذي إما يقود إلى نتائج عظيمة، وإما يؤدي إلى انهيارات مأسـاوية.

 

متى يقود التغييـر الشامل إلى نتائج عظيمة؟ عندما يكون مبنيا على دراسة عميقة للحقائق التي يفرضها السوق، وعندما يكـون مدفوعا بإدارات لديها القدرة على اتخاذ قرارات قد تحمل مخاطـر عالية، تعتبـر الثمـن الذي يجب دفعـه في سبيل الوصول إلى النتائج الثـورية والتحول من شركـة "عادية" إلى شركة عمـلاقة، ولو بعد حين.

 

ثلاثة نجوم.. من متجر معكـرونة إلى إمبـراطورية عالمية
           

في نهاية عقد الثلاثينيات، وبينما العالم كله مشغول بالحرب العالمية الثانية، قرر شخص بسيط في كوريا الجنوبية اسمه "بيونغ تشول لي" أن يُطلق متجرا لبيع الأرز والسكر والمعكـرونة. نمت تجارته، فتحولت لاحقا إلى شركة صغيرة لتصدير الأسماك المجففة والخضروات والفاكهـة من كوريا إلى الصين وبعض الدول الآسيوية. ربما لم يكن "بيونغ" نفسه يتخيل لحظة تأسيسه لشركته الصغيـرة أنها سوف تكون من أكبر أسماء العمـالقة في العالم في نهاية القـرن العشرين، وبداية القـرن الحادي والعشـرين.

 

لأن هذه الشركة كان اسمها "النجوم الثـلاثة"، أو "سامسونغ" باللغـة الكورية. من الصعب لأبناء الجيل الحالي أن يصدقوا أن شركة التكنولوجيا العمـلاقة التي تعتبر أساسا اقتصاديا من أساسيات كوريا الجنـوبية بدأت كمتجـر لبيع المعكـرونة والأرز، لكنها الحقيقة المثيـرة التي تعتبر من أبرز أمثـلة التحوّل الكامل في مسار الشركـات على الإطلاق.

 

على مدار الأربعينيات والخمسينيات وبدايات الستينيات استطـاعت سامسونغ الصمـود -رغم المشكلات السياسية والأمنية في شبه الجزيرة الكورية في تلك الفتـرة العصيبة- في مجالات متعددة أغلبها غذائي، وكانت شركة عادية تحقق أرباحا عادية تستهدف زبائن عاديين. إلى أن جاء وقت التغيير الثـوري الأول داخل سامسونغ في نهاية الستينيات، عندما قررت الشركة واحدا من أخطـر قراراتها على الإطلاق: تغيير المجال بشكل كامل، وترك إرث من ثلاثين عاما في تجارة الأغذية المختلفة، والدخول إلى عالم الإلكتـرونيات بعد أن بدأ في تحقيق نمو كبير حول العالم، خصوصا بواسطة الجـار الياباني.

 

كانت أياما عصيبة بلا شك. دخول الشركة الكـورية إلى مجال جديد تماما مختلف عما اعتادته عبر 3 عقود، ولم يكن لديها أدنى خبـرة مسبقة في تصنيع الأجهزة الإلكترونية، كانت مغامـرة تعتبر من أبرز مغامرات عالم الأعمال على الإطلاق. لكن الشركة كانت تؤصّل لمنهج "التغيير الكامل" في تلك الفتـرة بجرأة كبيرة، نتج عنها صناعة أول تلفزيـون سامسونغ "أبيض وأسود" بالتعاون مع إحدى الشركات اليابانية.

 

وبدأت العجلة في الدوران، على مدار عقدي السبعينيات والثمانينيات بدأت منتجات سامسونغ الإلكترونية تتوالى وعلامتها التجارية تنتشر كواحدة من الشركات الواعدة التي تصل إلى آسيا والشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا والعالم، بعد أن قامت أيضا بتوسيع أعمالها في عالم الإلكترونيات بصناعة الأجهزة الدقيقة وأشباه الموصلات. كانت شركة واعدة تنتج منتجات عادية، ولكنها لم تكن أبدا شركة رائدة أو مبدعة أو لافتة للنظـر بشكل كبير.

          

          

بقدوم التسعينيات جاءت إلى الشركة إدارة جديدة قامت بالتغيير الثـوري الثاني -والأهم على مدار تاريخ الشركة-، حيث رفعت شعـار: الجودة أولا. وقامت الإدارة بالتركيز على صناعة الرقائق الإلكترونية ووقف تصنيع المنتجات المتوسطة، والتركيز بشكل كاسح على تصنيع المنتجات ذات الجودة العالية فقط، وتدمير كافة المنتجات ضعيفة الجودة في المخازن. كان التصريح الأشهـر للمدير التنفيذي للشركة في تلك الفتـرة: "غيـّروا كل شيء ما عدا زوجـاتكم وأبنـائكم!"

 

ربما كانت هذه اللحظة هي لحظة صعـود سامسونغ من مرحلة اللاعب التقليدي في سوق تقليدي ينتج منتجات تقليدية، إلى مرحلة الصعـود في الأسواق العالمية التي تهتم بمنتجات عالية الجودة، وبدء ضخ أموال طائلة في إدارات البحث والتطوير -حتى في ظل الأزمات الاقتصادية-، ثم دخـولها إلى عالم الأجهزة الذكيـة الذي برعت فيه بشكل كبير ما زلنا نعيش في ذروته حتى الآن.

 

الآن سامسونغ تعتبر من أكبر الإمبراطوريات العالمية متعددة الاتجاهات، حيث تعمل في المجالات التقنية والصناعات الثقيلة والسفن والعقارات، لكن شهـرتها الأكبر مرتبطة دائما بمجال تصنيع الأجهزة الذكية التي تنتشر في كل دول العالم بلا استثناء. بدأ كل شيء بمتجـر لبيـع "المعكـرونة والأرز"، وانتهى بإمبـراطورية عالمية تفوق قيمتها السوقية اقتصاديات بعض الدول. (2، 3، 10)

 

مصنع الورق الذي غيّـر عالم الاتصـالات!

        

على الرغم أن حال نوكيـا حاليا يدعو للرثاء في السنوات الأخيرة، لدرجة الاستحواذ عليها بواسط مايكروسوفت بمبلغ 7 مليار دولار فقط في أواخر عام 2013 (4)، بعد أن كانت ملء السمع والبصـر في نهاية التسعينيات والنصف الأول من أول عقد في الألفية الجديدة، فإن شركة عريقة كتلك ضاربة في الأصالة كواحدة من أعرق الشركات الأوروبية التي تأسست في القرن التاسع عشر والتي شهد تاريخها تقلبات كبيــرة ما بين نجاح وفشل. هذا التاريخ قد يحمل في طيـاته ما ينبّئ بعـودة نوكيا مرة أخرى في المستقبل القريب أو البعيد، كما ينبعث المارد من تحت الرماد.

 

في عام 1865 تأسست شركة نوكيـا في دولة فنلندا على شكل مصنع صغير لصنـاعة الورق ومعالجة الأخشاب، تطورت إلى مجال صنـاعة المطـاط. كانت الشركة مستقـرة طوال النصف الثاني من القـرن التاسع عشر على صناعة الورق والمطـاط، حتى بدأت إدارتها -بصعـوبة- في التوجه إلى الصناعات الحديثة التي كانت تبرز وقتئذ، وأبرزها صنـاعة توليد الكهرباء. في عام 1902 استطـاعت الشركة الدخول في هذا المجال بعد صعوبة بالغة في إقناع مساهمي الشركة في تغيير النشاط.

 

وعلى مدار النصف الأول من القرن العشـرين بالكامل استطاعت أن تدخل في مجال صناعة الكابلات الكهربائية والتليغرافات وكابلات الهواتف، ومرت بالعديد من الأزمات الطاحنة التي كانت تؤدي إلى إفلاسها، واضطـرتها إلى دمج مصانعها عدة مرات للنجاة من شبح الانهيار، خصوصا مع أزمات الحربين العالميتين الأولى والثانية. لكن نوكيا استطاعت الصمـود في هذه المجالات بشكل راسخ، حتى أواخر الستينيات التي شهدت نقلة تغيير شاملة أخرى للشركة.

 

في بدايات السبعينيات بدأت نوكيا -بناء على إرثها الطويل في تصنيع الأجهزة المختلفة- في تحقيق اختراقات تقنية مدهشة في صناعة الأجهزة الكهربائية والهواتف التقليدية التي جعلتها أكثر تطورا، واقتحام سوق صناعة التلفزيونات التي كانت متوسطة الجودة وسريعة الانتشار في دول الاتحاد السوفييتي وأوروبا. ومع تراجع الاتحاد السوفيتي والدخول في أزمات اقتصادية بدأت الشركة تكثّف تركيزها بشكل أكبر على صناعة الهواتف توجت في مطلع التسعينيات بإطـلاق هواتفها النقالة التي انتشرت بشكل هائل حول العالم كله في زمن قياسي.

      

        

ما بين عام 1998 حتى 2012 كانت نوكيـا الشركة الأولى عالميا في بيع الهواتف النقـالة بشكل إجمالي يصل إلى 83 مليون جهاز هاتف، تجاوزته سامسونغ بدءا من عام 2012. بدأ التراجع الكبيـر لنوكيا مع ظهـور الهواتف الذكيـة بتدشين جهاز أبل "آيفون" في عام 2007 ثم دخول الأندرويد على خط المنافسة. ومع ذلك لم تستطع أن تجاري سباق الهواتف الذكية الجديد، الأمر الذي أدى إلى تراجعها بشكل حاد في السنوات التالية، وتخلفها عن المنافسة إلى درجة الاستحواذ عليها بواسطة مايكـروسوفت في صفقة متواضعة. (5، 6)

 

بدأ كل شيء بمصنع للورق والأخشاب في منتصف القـرن التاسع عشر، ثم إمبراطورية مترامية الأطراف في نهاية القرن العشرين، ثم عودة للانكمـاش في مطلع القـرن الحادي والعشرين. ما الذي يحمله المستقبل؟

                   

ثري إم.. عندما لا يقودك التعدين إلى شيء

           

تعتبر الآن شركة "ثري إم" (3M) واحدة من أهم وأعرق الشركات الأميـركية على الإطلاق. تأسست في عام 1902، وتحقق حاليا مبيعات توازي 30 مليار دولار سنويا، ويعمل لديها أكثر من 90 ألف موظف حول العالم لبيـع أكثر من 55 ألف منتج، تتراوح ما بين ملصقات وطلاءات ومنتجات عناية بالسيارات ومنتجات حماية شخصية وحماية من النيران ومنتجات جلدية وطبية، وحتى مواد كهربائية مختلفة. عدد هائل من المنتجات تقوم الشركة بإنتـاجها عبر أذرعها العاملة في 65 دولة حول العالم، ترجع جميعها إلى مقـرها الرئيس القابع في ولاية مينيسوتا الأميـركية الذي يضم أكثر من 50 مبنى شاهق موزعين على مساحة تزيد على 450 فدانا.

 

إمبـراطورية عمـلاقة في تصنيـع منتجات مختلفة هي شركة "ثري إم" (3M)، حيث تصل منتجاتها إلى أكثر من 200 دولة حول العالم، ولديها 132 مصنعا. وتحتل الشركة مكانا دائما في قوائم أفضـل الشركات العالمية باعتبارها من أكثر الشركات التي يزهى بها الأميـركيون في تنشيط الإبداع والابتكار في أروقتها على مدار عقود طويلة، وهو كلمة السر في النجاح الكبير الذي حققته الشركة في المجال الصنـاعي، حيث تعتبـر "ماكينة طفـرات" تنتج عددا لا ينتهي من المنتجات المبتكرة.

 

كل هذا الزخم الهائل لـ "ثـري إم" لم يكن مُتخيّلا أصلا عندما قرر الأصدقاء الخمسة تأسيسها في عام 1902 تحت اسم "شركة مينيسوتا للتعدين والتصنيـع" (Minnesota Mining and Manufacturing Company) التي تم اختصـارها إلى "3M". الحقيقة أن الشركة أبصـرت النور كشركة فاشلة بائسة تماما منذ أولى مراحل تأسيسها، وكان هدف تأسيسها هو العمل على تعدين أوكسيد الألومونيوم "الكوروند" من أحد المناجم، لكن المشروع فشل تماما. تنازل بعض المؤسسين عن حصتهم، بينما بقي بعضـهم الآخر يحاول باستمـاتة أن يحمي المشـروع من الانهيار عبر الدخول في مجالات أخرى.

     

تدرّج شعــار شركة" ثري إم" على مدار القــرن العشــرين، من عام 1906 حتى الشعار الحالي (مواقع التواصل)

     

كان اقتراح أحدهم أن تغير "ثري إم" نشـاطها التعديني بالكامل وتتجه إلى تصنيع "الصنفـرة" وعجلات الطحن. وبذلك، وبسبب اليأس أولا وليس بسبب التخطيط الإستراتيجي الدقيق، تخلّت "ثري إم" عن عمل المناجم، وانتقلت بشكل كامل إلى صناعة الصنفرة وتصنيع مواد الكحت والكشط. وكان هذا التغيير الشامل هو سبب تأسيس إمبـراطورية "ثري إم" (3M) على مدار أكثر من قـرن.

 

على مدار عقود بدأت الشركة في تطوير منتجات بطابع ابتكاري مختلف عما هو سائد في الأسواق، واحتلت المقدمة بين الشركات الأميـركية خصوصا في مجال البحث والتطوير وإنتاج آلاف المنتجات في عشرات المجالات بعيدا عن مجال التعدين الذي أُنشئت أصلا بهدف العمل فيه، لتتحول إلى واحدة من أكبر الشركات الأميـركية العمـلاقة متعددة الصنـاعات، بإجمالي أصول 33 مليـار دولار تقريبا. (7، 8، 9)

                     

أخيرا، ربما المعنى الأساسي من هذه النمـاذج يتجلى في ضرورة أن يضع رائد الأعمال فكـرة "احتمالية" تغيير نشاط العمـل في الحسبان، باعتبارها أحد الحلول البديلة لتعثر الشركة في أحد المجالات، أو باعتبارها خيارا حتميا يجب اتخاذه لتحقيق نتائج ثورية مميزة في مجال آخر غير المجال الأساسي الذي أُنشئت من أجله الشركة، وذلك بعد الدراسات المستفيضة التي تسبق هذا التحوّل. التحوّل الذي لا يمكن وصفه إلا بـ "الصعب" دائما و"الضـروري" أحيانا.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار