اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/6 الساعة 17:40 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/18 هـ

انضم إلينا
"الفرنشايز".. هل هو الطريق الأمثل لاستثمار أموالك؟

"الفرنشايز".. هل هو الطريق الأمثل لاستثمار أموالك؟

  • ض
  • ض

قد يكون أول سؤال يقفـز في ذهن رائد الأعمال الذي يقرر أن يسلك طريق تأسيس الشركـات: مشروع من الصفـر أم مشروع جـاهز (فرانشايز)؟ يبدو سؤالا تقليديا بالنسبة لرائد الأعمال على نفس مستوى سؤال "كيف بدأ الخلق؟" الذي يطرحه الفيزيائي، وسؤال "كيف بدأت الحياة على الأرض؟" الذي يطرحه البيولوجي. ربما يعتبر السؤال الريادي الحائر رقم واحد، خصوصا للمبتدئ في هذا المجال.

 

لا شك أن "الفرنشايز" أصبح في العقود الأخيرة واحدا من أكثر الحلول الريادية انتشارا وفعالية، وكوّن ما يبدو أنه طريق ريادي موازٍ تقريبا للطريق المعتاد الذي يبدأ بتأسيس شركة ناشئة من الصفر. أصبح الفرنشايز صرعة حقيقية انتشرت حول العالم بما فيه الدول العربية التي أصبحت تعج بالعلامات التجارية العالمية في كل شارع من شوارعها وفي كل المجالات، حتى على مستوى الدول غير المصنّفـة باعتبارها دولا ثرية.

 

هذه الحالة من "الفرنشزة" العالمية تستوجب تسليط الضوء عليها، كيف نشأت، وما مزاياها وعيوبها، ومدى انتشارها في العالم عموما والعالم العربي خصوصا في السنوات الأخيرة. ومن ثمّ تصبح الإجابة عن السؤال المطروح في أول التقرير أكثر وضوحا بحسب إمكـانيات وقدرات ورؤية رائد الأعمال نفسه.

 

ما الفرنشـايز؟ وكيف بدأ؟

          
القصـة بدأت في الولايات المتحدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، فبعد الحـرب الأهلية الأميـركية التي امتدت ما بين (1861 - 1865) وانتهت بتأسيس دولة فيدرالية حديثة، والبدء في دفع عجلة الاقتصـاد، أدرك الأميـركيون أن بلادهم شاسعة المساحة بشكل يشمل قارة كاملة تقريبا. هذا الاتسـاع الهائل على الرغم من كل مميزاته في جلب الموارد وتأسيس الصناعات وفتح أسواق تجارية فإنه كان يحمل مشكلة كبيرة أيضا في زمن بلا قطـارات وطائرات وهواتف محمولة وبريد إلكتروني وشبكة إنترنت.

 

البداية لظهـور الامتياز التجاري بمعناه العصـري كان على يد شركة "سينجر" (Singer Corporation) الأميـركية العاملة في مجال تصنيع ماكينات الخياطة في منتصف القـرن التاسع عشر، حيث اعتمدت الشركة على وكلاء لها في كافة الولايات الأميـركية لتوزيع ماكينات الخياطة الخاصة بها، ثم منحتهم حقـوق تصنيعها وتوزيعها تحت اسم علامتها التجارية الأصلية وفقا لاتفاقيات فنيّـة ثابتة للتصنيع والتوزيع، ووفقا لنسب معينة من المبيعات.

 

ومع ذلك، فشلت التجربة فشلا ذريعا حيث لم تحقق الشركة في ذلك الوقت أرباحا كافية من وراء هذا النظـام، لكنها اعتُبرت تاريخيا من ضربات البداية الأولى لتطوير هذا المفهوم تجاريا واعتماده بشكل عالمي في العقود اللاحقة. ففي النصف الثاني من القـرن التاسع عشر بدأ مصطلح "الفرنشايز" ينتشر على الألسنة. كلمة فرنسية بحتة معنـاها الحرفي هو "حق الامتياز" أو "أن تتحرر"، وهو مصطلح يمكن القول إنه أعاد تشكيل وجه الاقتصـاد العالمي لاحقا على الرغم من أنه جاء من رحم الواقع الاقتصادي الذي كان موجودا وقتها في ابتعاد المسافات عن بعضها البعض. (1، 2)

          


              

يقرر الفرنشايز ببساطة أن كل صاحب مشروع (Franchisor) يمكنه أن يمنح حق علامته التجـارية إلى شخص أو شركة أخرى (Franchisee) مقابل اتفاقات محددة. كمثال، شخص استطاع أن يفتتح مطعما مميزا في المغرب، وحقق شهرة كبيرة. إذا أراد هذا الشخص أن يتوسع ليفتتح فرعا لمطعمه في الأردن مثلا فمعناه أنه سيضطـر إلى أن يسافر قاطعا مسافة هائلة، ثم يبدأ في شراء أو تأجير متجر مناسب، ثم يبدأ في متابعته بشكل دوري، فضلا عن الدخول في صعوبات قانونية مختلفة بحسب البلد.

 

هنـا يأتي "الفرنشايز" ليحل هذه المشكلة، سوف يقوم رائد أعمال في الأردن بشراء "حق الامتياز" لهذا المطعم المغـربي، ويفتتح بنفس الاسم سلسلة مطاعم في الأردن مستفيدا من شعبية العلامة التجارية الأصلية في المغرب، ويقدم منتجات متطابقة تماما مع المنتج الأصلي، بمعايير صناعة وخدمة وتنسيق مطابق تماما للعلامة التجارية الأصلية في المغرب، مقابل اتفاقيات مادية وإجرائية يتم الاتفاق عليها بينهما.

 

كان الفرنشايز حلا ممتازا منذ ظهـوره على المستوى التجاري، لكنه لم يحصل على التوسع العالمي الهائل إلا في النصف الثاني من القـرن العشرين مع نجاح واحد من أبرز النماذج العالمية على الإطلاق، واعتبار هذا النجاح نقطة تحول كبـرى للكثير من الشركات العالمية في كافة المجالات للذهاب إلى الفرنشايز بشكل متسارع.

 

الفرنشايز اللعين هو ما يجب فعله

           

"الفرنشايز.. الفرنشايز.. الفرنشايز اللعين هو الشيء الذي يجب أن نفعله.. هذا المطعم شديد الروعة أكثر بكثير من حصره على موقع واحد.. يجب أن يكون هناك ماكدونالدز في كل مكان، من الساحل إلى الساحل.. لدي اعتراف لكم ياشباب، منذ أن جئت إلى كاليفورنيا وشاهدت هذا المطعم الرائع الذي يقدم منتجا استثنائيا، وقتئذ عرفت فورا ما يجب فعله: الفرنشايز.. الفرنشايز.. الفرنشايز.. الفرنشايز!" - راي كروك في مواجهـة الأخوين ماكدونالدز، من فيلم "المؤسس" (The Founder) (3)

 

تظل ماكدونالدز تحديدا هي المثال الأول والأبرز على مفهـوم النجـاح الهائل القائم على الفرنشايز. راي كروك لم يكن أكثر من مجرد مندوب مبيعات لأحد منتجات الألبان الذي زار مطعم ماكدونالدز في سان فرانسيسكو ليعرض عليه ماكينات الألبان، ليكتشف روعة المطعم ويقنع الأخوين بالدخول معهما كشريك. كان النجاح الهائل الذي خلّد اسم راي كروك هو قدرته على الاستيلاء على علامة ماكدونالدز التجارية، ثم نشرها حول الولايات المتحدة بالكامل باستخدام حق الفرنشايز.

 

الفرنشايز كان هو السبب في افتتاح أول فرع لماكدونالدز خارج سان فرانسيسكو في عام 1955. وبعد عدة سنوات، وبقدوم عام 1963، كان عدد شطائر ماكدونالدز المباعة قد تجاوز المليـار شطيرة، من خلال 200 مطعم منتشر في معظم مدن البلاد. وفي بداية السبعينيات ظهرت علامة ماكدونالدز التجارية عالميا في طوكيـو وسيدني وميونيخ وأمستردام. وفي نهاية هذا العقــد، مع حركة التوسع المذهلة في انتشار ماكدونالدز حول العالم، تم افتتـاح المطعم رقم خمسـة آلاف في طوكيـو عاصمة اليابان. وعندما توفي راي كروك في عام 1984 كانت ماكدونالدز في أهم مدن العالم، وأعلنت الشركة بيع البرجر رقم (50 مليار) في نفس عام وفاته. (4)

 

كان الفرنشايز هو الوصفة السحرية الأساسية لنجاح ماكدونالدز وتحويله من مجرد مطعم صغير على أطراف سان فرانسيسكو إلى إمبراطورية ضخمة تجسّد قمة الإمبـريالية الأميـركية والغزو الثقافي للعالم. صحيح أن مثال ماكدونالدز دائما هو الأشهر عندما يأتي الحديث عن الفرنشايز، ولكن يمكن القول إن كل العلامات التجارية العالمية بلا استثناء تقريبا تتبع نظـام الفرنشايز في بيع علامتها التجارية إلى المناطق الإقليمية للتوسّع حول العالم.

    

   

هذه العلامات التجارية لا تقتصر فقط على المطاعم السريعة والمشروبات، بل تمتد لتشمل وسائل إعلام وصحافة ومصانع وشركات تقنية وشركات بحثية وكل أنواع الأنشطة التجارية بلا استثناءات تقريبا، ليصبح الفرنشـايز هو الشيء الذي يجب أن تفعله أي علامة تجارية نشطة للتمدد خارج حدودها من ناحية، وللحفاظ على بريق علامتها التجارية بمنحها الطابع الإقليمي والعالمي من ناحية أخرى.

 

خيـار مهم لروّاد الأعمال
أي رائد أعمال يجد نفسه بصدد تأسيس شركة ناشئة دائما ما يكون الهاجس الأول له هو صعوبة البدايات. البدء في تأسيس علامة تجارية من الصفر هو أمـر شديد المشقة بلا شك، ولا يتطلب فقط منهجيات إبداعية وإدارية قوية ومتطورة، بل يتطلب أيضا وقتا طويلا نسبيا ربما لا يكون لدى رائد الأعمال القدرة أو الصبر أو الإمكـانيات لتحمّله، بكل ما يشهده من أزمات ونكبات وأخطاء وإعادة التئام ومخاطر قد يمر بها المشروع.

 

لذلك، لطالما كان الفرنشايز أحد أهم الخيارات أمام رائد الأعمال باعتباره المرادف البديل لتأسيس شركة ناشئة من الصفر، باعتبار أن الفرنشايز يغطي كافة الأنشطة والمجالات بلا استثناء تقريبا. هذا الخيار يكون أكثر أهمية بالنسبة لروّاد الأعمال الذين لديهم القدرة المالية على شراء حقوق امتياز لشركة عالمية سواء كبيرة أو متوسطة أو صغيرة، والعمـل بناء على مخططات مشتركة يقتضيها عقد الفرنشـايز لتوسيع فروعها محليا أو إقليميا.

   

   

ما يحدث أن الشركة المانحة للامتياز (Franchisor) تقوم بمنح مشتري الامتياز (Franchisee) الحق في إنتاج وبيع وتوزيع وتسويق منتجات أو خدمات الشركة الأصلية، بما في ذلك قيام الشركة المشترية للامتياز باستخدام العلامة التجارية للشركة وسمعتها وإجراءاتها وتقنياتها في البيع. الحصول على هذه الحقوق يكون بتوافق كل من المشتري للامتياز ومانحه عبر دفع مبلغ مبدئي من المال لمانح الامتياز (تسمى رسوم الامتياز)، إلى جانب نسبة من المبيعات الإجمالية أو السنـوية أو الاثنين معا.

 

هذه الحالة يلجأ إليها روّاد الأعمال ذوو القدرة المالية لتخطي "صعوبة البدايات" من ناحية، وتحقيق الأرباح سريعا من وراء سمعة العلامة التجارية العالمية من ناحية ثانية، والاعتماد على خبـرة ونصائح وكفاءة العلامة التجارية الأصلية من ناحية ثالثة، مما يجعل المشـروع ككل ينطلق بشكل أسرع، ويجلب أرباحا بشكل أكبر، ويُدار بكفاءة أعلى بواسطة إرشادات الجهة المانحة لحق الامتياز، مما يجعل رائد الأعمال يسير على خط آمن من الإجراءات المقررة سلفا دون الحاجة إلى اتخاذ قـرارات مفصلية غير محسومة العواقب.

 

مزايا وعيــوب الفرنشـايز
مع ما يبدو من فرص كبيرة يقدمها الفرنشايز لكنه مثله مثل أي شيء آخر له مزاياه وعيوبه. هذه المزايا والعيوب تتعاظم عندما يكون مشتري الامتياز شركة ناشئة أو رائد أعمال مبتدئ يركز رأس ماله في شراء حقوق علامة تجارية ويستهدف الربح من ورائها، وتقل عندما يكون مشتري الامتياز شركة كبيـرة بدورها لا تعاني من أزمات وجودية وقامت بشراء حق امتياز عالمي لزيادة وجودها في سوقها المحلي والإقليمي.

 

بمعنى أكثر شمولا، مزايا وعيوب الفرنشايز ثابتة المعايير ولكنها متغيرة التأثير وقطعا غير مضمونة النتائج باختلاف الأسواق ونوعيـة الاتفاقيات ومستوى التنسيق الإداري والإنتاجي والتسويقي بين مشتري الامتياز ومانحه الأصلي. هو إذن -كأي شيء آخر مرتبط بحركة الأسواق- له مزاياه وعيـوبه. المزايا التي تداعب عين المستثمر بالبريق الطامع، والعيوب التي تحذر المستثمـر من الاندفـاع المتهوّر.

          

                

الفـرنشـايز عالميا وعربيا.. حقائق وأرقـام
على الرغم من التمدد الهائل في صناعة الفرنشايز الذي يشهده العالم فإن الإحصائيات الدقيقة التي ترصد سرعة نموّه حول العالم ما زالت قاصرة، أو بالأحرى لا تستطيع مجـاراتها بعد أن تحوّلت إلى قطب أساسي من أقطاب حركة انتقال رؤوس الأموال وتأسيس الشركات حول العالم، وعنصر أساسي في الدفع الاقتصادي للدول من خلال التأثير على معدلات التوظيف والإنتاج عالميا.

 

على المستوى العالمي، يُسـاهم الفرنشايز بأكثر من تريليوني دولار من الإيرادات العالمية سنويا، وتلعب الولايات المتحدة الأميـركية دور البطل في الاستحواذ على صناعة الفرنشايز عالميا، حيث تضم أكثر من 3 آلاف جهة مزوّدة لحقوق الامتياز تغطي أكثر من 300 مجال مختلف. ويعتبر الفرنشايز هو السبب المباشر في توفير ما بين 18 إلى 21 مليون فرصة عمل في أميـركا. كمـا تُقدّر صنـاعة الفرنشايز بـ 50% (أي النصف) من إجمالي تجارة التجزئة بالكامل في أميـركا.

 

وبشكل عام، تُشير الإحصاءات إلى أن صنـاعة المأكولات والمشـروبات على رأس صنـاعة الفرنشايز على الإطلاق خصوصا "الوجبات السريعة"، كما تستمر ماكدونالدز على رأس قائمة أكبر شركات الفرنشايز حتى الآن. وتشير بعض الإحصاءات أيضا إلى أن مشروعا من بين كل 12 مشروعا تجاريا يتم افتتاحه في العالم هو مشروع فرنشايز، وأن هناك مشروع فرنشايز يتم افتتاحه كل 8 دقائق لليوم التجاري. (5، 6، 7)

      


عربيا، يُقدّر سوق الفرنشـايز في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا "MENA" بحوالي 30 مليار دولار في عام 2017 بمعدل نمو سنوي ما بين 25-27% كمتوسط. هذا السوق تستحوذ كل من السعـودية والإمارات بالتسـاوي تقريبا على حصته، حيث تُقدّر بعض التقارير حصـة السعودية من سوق الفرنشايز في المنطقة بحوالي 50% (15 مليار دولار)، بينما تُقدّر تقارير أخرى حصـة الإمارات بحوالي 18 مليار دولار (أي حوالي 60% من سوق الفرنشايز في المنطقة). ومع ذلك، فعدد مانحي حقوق الامتياز من منطقة الشرق الأوسط إلى العالم حتى عام 2017 لا يزيد عن 850 علامة تجارية، وهو ما يعتبر عددا متواضعا للغاية مقارنة بسوق الفرنشايز في المنطقة.

 

أما في مصـر فصناعة الفرنشايز تحقق نموا مطردا، حيث صعد قطاع الفرنشايز المصري من 25 علامة تجارية فقط في عام 1999 إلى حوالي 430 علامة تجارية في عام 2012. وبحسب تصريحات رسمية تُقدّر استثمارات الفرنشايز في مصر في عام 2017 بحوالي 60 مليار دولار (3.5 مليار دولار تقريبا) تتنافس على مبيعات سنوية تقدر بـ 12 مليار دولار وتساهم في خلق الآلاف من فرص العمل المباشرة. (8، 9، 10، 11، 12، 13، 14)

 

في النهايـة، يمكن القول إجمالا إن الحصول على حق الامتياز لأحد العلامات التجارية المميزة عالميا أو إقليميا أو حتى محليا يعتبر من أفضل الطرق لبداية مشروع مميز لرائد الأعمال، فقط إذا وضع في اعتباره كافة مزايا وعيـوب هذا الأسلوب وقارنه -بعناية- مع تكاليف ومجهود بناء شركة ناشئة تؤسس لعلامة تجارية من الصفر.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار