اغلاق
آخر تحديث: 2017/5/31 الساعة 16:02 (مكة المكرمة) الموافق 1438/9/6 هـ

انضم إلينا
المدرسة الرفائيليّة.. طريقك لاستلهام الأفكار الناجحة

المدرسة الرفائيليّة.. طريقك لاستلهام الأفكار الناجحة

  • ض
  • ض
اسمه "مايكل أنجلو". أنت حتماً تعرف مايكل أنجلو، حتى لو سمعت عنه بشكل بسيط، هو واحد من أعظم الفنانين الإيطاليين على مرّ التاريخ، ومن أبرز رموز عصر النهضة الأوروبية. تألق في كل الفنون تقريباً: الرسم والنحت والهندسة والشعر.

 

في العام 1508، أصدر البابا "يوليوس الثاني" مرسوماً يكلّف الفنان العظيم مايكل أنجلو بأن يتولّى بنفسه القيام بإبداع لوحـة عظيمة تزخـرف سقف كنيسة سيستينا في الفاتيكان. وعلى الرغم من رفضه الشديد في البداية، اضطر أنجلو -في الأخير- إلى الانصياع لضغوط البابا، وبدأ في مشروع رسم اللوحات الخالدة التي تزيّن سقف الكنيسة حتى الآن، وتعتبر ذروة سنام فنون عصر النهضة في القرن السادس عشر.

  

أغلق مايكل أنجلو باب الكنيسة على نفسه ومساعديه وعمّاله، وتفرّغ مدة 4 سنوات كاملة لإنجاز اللوحة، بذل خلالها جهداً مضنياً، قام برسم 400 شخصية على مساحة 40 مترا طولاً و14 مترا عرضاً. وسُجّــل عنه رفضه الشديد أن يراقبه أي شخص أثناء عمله، سواء للمساعدة أو الإشراف من رجال الكنيسة أنفسهم، أو حتى الأمراء المحبّين لفنّه والذين توددوا إليه. انعزال كامل عن المجتمع والحياة، لحين ينتهي من تحفته الفنّية التي ستخلّد اسمه على مرّ العصور، والتي ظهـرت على هذه الصورة الفنية البديعة..



في نفس التوقيت بالضبط؛ كان في إيطاليـا فنانٌ آخر شديد الإبداع خلّده التاريخ هو (رفائلو سانزو)، أو المعروف تاريخياً باسم (رفائيل). كان فناناً معاصراً لمايكل أنجلو، وبينهما منافسة شديدة في الفن والإبداع، وإن كان لكل منهمـا مدرسته الخاصة. أثنــاء العمــل على لوحة سيستينا التي شرع فيها أنجلــو، كــان (رفائيل) يتلوّى بنــار الفضول، ويتساءل كل يوم بعقلية الفنــان عن مستوى المشروع الذي يعمل عليه أنجلو طوال هذه الشهور، وكيف يبدو سقف الكنيسة الآن؟

 

مجموعة من الروايات التاريخية الشهيرة تقول إن صبر رفائيل قد نفذ؛ ولم يستطع أن يسيطر على فضـوله، وقرر أن يتسلل إلى الكنيسة ليلاً بنفسه؛ ليرى ما الذي قام بعمله (أنجلو). وهو ما حدث بالفعل، تسلل إلى داخل الكنيسة، ووقف يتطلّع إلى سقفها بنفس الانبهار الذي يصيب أي أحد يتطلّع إلى تحفـة أنجلو الفنية، التي كانت قد اكتملت تقريباً وقتئذ. غــادر رفائيل الكنيسة، ومرّت عدة سنوات بعد هذا الموقف، وعادت الحياة إلى هدوئها المعتاد مع الإعلان عن انتهاء عمل أنجلو، وفُتحت الكنيسة لمرتاديها وزوّارها لمن يريد أن يشاهد تحفة أنجلو.

 

حتى جاء عام 1511؛ ليستيقظ مجتمع عصر النهضة على إعــلان من الفنــان (رفائيل) هذه المرة، عن عمــل فنّي جديد له، يعتبــر من أبــرز أعماله على الإطلاق، ومن أشهــر ملامح عصر النهضة الإيطـالية والأوروبية على الإطلاق، وهو لوحة (مدرسة أثينا)..

 


في اللوحة يجسّــد رفائيل -بأسلوبه الرقيق المميز في الرسم- عددا من الشخصيات التاريخية من أبرز العلماء والفلاسفة الذين اجتمعــوا في مدرسة يونانيــة، شملت فلاسفة أوروبيين ومسلمين وآسيويين. لوحة شهيـرة للغاية، تعتبــر مُجمّعا رمــزيا لأشهــر الشخصيات العالميــة التاريخية التي كانت لها إسهامات فلسفيــة مهمــة حتى ذلك العصــر، كنــوع من التكـريم لهم، تجمعهم مدرسة يونـانية باعتبـار اليونان هي مهد الفلسفة القديمة..

 

ولكن، عند التدقيق في اللوحة لاحظ النقاد شيئاً ما لفت انتبــاههم. لاحظوا أن بعض العناصر مُستلهمة تماماً من أسلوب (مايكل أنجلو) في الرسم، الذي يختلف عن أسلوب رفائيل. بات واضحاً أن رفائيل اقتبس أسلوب أنجلو في رسم بعض الشخصيات، بعد أن استرقَ النظر للوحة (سقف الكنيسة) أثناء تسلله لمعبد سيستينا. لم يجرؤ أحد على اتهام رفائيل (الفنان العظيم) بأنه سارق أو مقلد. هو فقط قام بدمج أسلوب أنجلو في بعض العناصر من لوحته، فانجرت عنه تحفة جديدة بالكامل، جمعت ما بين أسلوبه الشخصي الذي يطغى على اللوحة، وبين (لمحة اقتباس) من فنان آخر. هل كـان رفائيـل يطبّق "النمذجة" (Benchmarking) دون أن يعرف؟ (1، 2)

 

في رحاب النمذجة
كلمة (Benchmarking) هي واحدة من أشهر المصطلحات انتشاراً على ألسنة روّاد الأعمال والاقتصاديين، والتي من الصعب إيجاد ترجمة حرفية لها سوى (المقارنة التفاضليّة)، أو بمصطلح أكثر تخفيفاً (النمذجة). وهي تعني باختصار التعلّم من تفوّق الآخرين، واستنسـاخ أفكارهم الناجحة التي يمكن تطبيقهـا على مسار المشروع؛ حتى لو كانت هذه الأفكار مستلهمة من (مجالات أخرى) مختلفة تماماً. (3)

 

ما فعلـه (رافائيل) في إبداع لوحته (مدرسة أثينا) يمكن وصفه -بشكل أو بآخر- بأنه سار على طريق بعض من أفكـار مايكل أنجلو؛ حيث قام بأخذ ملمـح من أسلوب أنجلو وقام بإدماجه في أسلوبه الشخصي، فخرجت اللوحة تحفة فنيـة خالدة يشيد الجميع بإبداعها وروعتها.

 

الشركات في عالم اليوم مدفوعة دفعاً إلى أسلوب النمذجة، عن طريق بلورة مبدأ التعلم من الآخرين، واستنساخ ما هو مناسب للعمل في المشروعات المختلفة، وبذلك يمكن نقل أفضل الطرق والممارسات عن طريق أفكار الآخرين، بدلاً من الأسلوب التقليدي الداخلي من بحث الشركات أو الروّاد عن حلول للمشاكل أو الابتكارات الجديدة، من داخل المنشأة فقط.

 


باختصار: النمذجة لا تعني أبداً سرقة أفكـار الآخرين أو الاستيلاء عليها؛ وإنما السير على نفس الطريق، أو استلهام بعض الأفكار من الآخرين وتطبيقها لإنتاج نموذج إبداعي جديد، حتى لو كان في مجال مختلف تماماً.

 

النمذجة هي أن تقوم بنقـل خبرة أو فكـرة أو أسلوب أو تصوّر من جهـة ما، وتطبّقها على مشروعك الخاص حتى لو كان مساره مختلفاً تماماً عن مسار الجهـة التي قمت باستنساخ الفكـرة منها. والناتج سيكون (إبداعياً)، فقط إذا كان النموذج الذي تختاره هو النموذج السليم. بمعنى آخر، النمذجة هي أن تستفيد شركة (طباعة) من أسلوب شركة (وجبات سريعة) في التوزيع والمبيعات.

 

مصنع "اللحوم" الذي ألهم فورد
في العام 1912، قام هنـري فورد (مؤسس شركة فورد العالمية للسيارات) بزيارة سريعة لمصنع اللحوم الأساسي في مدينة شيكاغو الأميركية. وربما لم يكن يخطر بباله أن زيارته تلك ستكون سبباً رئيساً في تحقيق نهضة كبيـرة تشهدها صناعة السيارات بقيادة شركته.

 

لاحظ فورد أثناء تجوّله في المصنع الطريقة التي تنتقل اللحوم بها من عامل إلى عامل آخر عن طريق "معلاق" يسير على قضيب حديدي يمـر على جميع العاملين. العامل الأول يقوم بمهمّة معينة، ثم ينتقـل المعلاق إلى العامل الثاني الذي يقوم بأداء وظيفة أخرى، ثم إلى العامل الثالث حتى تنتهي العملية كلها. لم يكن هذا الأسلوب شائعاً بشكل كبير في المصانع ذلك الوقت، وحتماً لم يكن شائعاً في مصانع السيارات تحديداً التي كان يستلزم العمـل عليها الكثير جداً من الجهد اليدوي، الأمر الذي جعل -أيامها- شراء سيارة واحدة أمراً باهظاً؛ لم يكن يقدر عليه سوى صفوة الصفوة، بسبب عملية التصنيع المُرهقة للسيارات.

 


عندما عاد فورد إلى مصنعه، بدأ في التخطيط لتطبيق نفس الفكـرة الميكانيكية في التصنيع التي رآها في مصنع اللحوم؛ ليتمكن من تحويل المصنع بالكامل إلى هذه الصورة الميكانيكية خلال ستة أشهر فقط. ومع بدء تشغيل المصنع بالطريقة الجديدة، أصبح العامل الأول يقوم بتركيب قطعة معينة في هيكل السيارة، ثم تنتقل ميكانيكياً إلى العامل الثاني الذي يضيف قطعة جديدة، ثم الثالث الذي يقوم بعمل تطوير ما، ثم الرابع.. إلخ.

 

وهكذا، أصبح لكل عامل مهمة محددة يقوم بإنجازها بشكل أسرع وبجودة أعلى وبسهولة أكبر، قبل أن تنتقل المهمة إلى العامل الذي يليه. وهي الطريقة المعروفة الآن في كافة مصانع السيارات حول العالم، فقط بعد أن شهدت تطوّرات كبـرى أبرزها التحكّم الآلي، واستخدام ذراعات روبوتية لإنجاز العمليات المعقدة.

 

ماذا فعـل هنري فورد؟ هو لم "يسرق" أفكار مصنع اللحوم قطعاً، هو فقط قام بنقل فكـرة "عملية معالجة اللحوم" في مصنع اللحوم إلى صناعة السيارات، ثم قام بتطويرها وتعديلها لكي تُلائم صناعة ثقيلة ومعقدة مثل السيارات، ومن ثمّ انتشر هذا الأسلوب حول العالم. (4)

 

خذ الفكرة.. طوّرها.. عُد إليهم!
في العام 1950، كانت اليابان قد خرجت من الحرب العالمية الثانية شبه مُدمّرة، وإن كانت قد بدأت ملامح الإعمار فيها. في هذا العام، كانت شركة (تويوتا) للسيارات قد ظهرت إلى الوجود على شكل شركة صغيرة لصناعة السيارات المحلية في اليابان. قام مؤسس الشركة (إيليجي تويوتا) بإرسال ابنه إلى الولايات المتحدة لزيارة مصانع السيارات، والتعرّف على خيارات ووسائل التصنيع في الغرب.
   


كانت رحلة منتجة، استطاع خلالها الابن التجول في عدد من مصانع السيارات، مثل فورد وجي إم وكريسلر، وأيضاً قام بالتجوّل في العديد من المنشآت التجارية في الولايات المتحدة، ولفت نظره العديد من الأمور المختلفة. ولكن أكثر ما لفت انتباهه هو طريقـة يتّبعها الأميركيون -والغربيّون عموماً- في مراكز التسوّق، وهي تقليص المخزون بشكل مستمرّ، وإعادة ملء الأرفف في المراكز التجارية أثناء الليل حتى تكون جاهزة للمتسوّقين صباحاً بشكل تلقائي.

 

كانت هذه اللمحة البسيطة هي بداية إنشاء شركة تويوتا لمفهـوم مبتكر في الموازنة بين المعروض من المنتجات والمخزون منها، سمّيت بطريقة (JIT)  التي تعني (Just In Time)، وتعتبـر واحدة من أشهـر تكتيكات التصنيـع التي تبنّتها شركة تويوتا اليابانية، وأصبحت منتشرة حول العالم أجمع.

 

بعد أن قامت تويوتا بتبنّي هذه المنهجية المتطوّرة، استطاعت أن تقتحم السوق الأميركي وتناقش كبار مصنّعيها؛ حتى وصلت نسبة سيارات تويوتا في السوق الأميركية ما يقارب 23 %. أخذت تويوتا الفكـرة في صورتها البدائية، طوّرتها إلى آلية متكاملة من العمــل، ثم قامت بتنفيذها بنجاح. فأصبحت الآلية مرتبطة باسمها للأبد. (4)

 

شركة ملابس تستلهم النموذج من شركة مشروبات
ميلارد دريكسلر كان مديراً تنفيذياً لسلسلة متاجر "غاب" (GAP) العالمية للملابس في واحدة من أسوأ فترات الركود في بيع الملابس في الأسواق المختلفة. كانت هناك أزمة تشبّع في الأسواق، وكان من الضروري أن تقوم الشركة بتبنّي استراتيجية جديدة تقوم بتنشيط منتجاتها.
 


في وسط تلك الفتـرة، وقع نظـر دريكسلر على التقرير السنوي لشركة كوكاكولا الذي كان شائعاً أن يتم نشره في الصحف والمجلات، وأثار اهتمامه بشدة جملة مهمة في التقرير تقول:

"إستراتيجية الاستمرارية في تصدّر المبيعات هي أن تكون كوكاكولا في كل مكان يتواجد فيه الأشخاص العطشى.."

 

على الرغم من أنها جملة موّجهة بشكل كامل لصناعة المشروبات؛ إلا أن دريكسلر قرر أن يتبنّى نفس الفكـرة بعد أن يطوّرها لتناسب صناعة وسوق الملابس، فبدأ في تدشين آلية كاملة من صناعة منتجات معيّنة من الملابس في "غاب" (GAP) وتسويقها تحت شعار:

إستراتيجية الاستمرار في تصدّر السوق، هي أن تكون "غاب" (GAP) في كل مكان يكثر فيه الشباب والمراهقون الذين يفضلون ارتداء ملابس مميزة!

 

النتيجة؟ نجحت هذه الاستراتيجية في إعادة تنشيط مبيعات "غاب" (GAP) بشكل كبير، عندما ركّزت الشركة على إبراز مبيعاتها في أماكن تجمعات الشباب في الجامعات والسينما والأماكن الترفيهية، فقط من خلال فكـرة التقطها المدير التنفيذي من التقرير السنوي لشركة كوكاكولا للمشروبات. (1)

 

ما علاقة صناعة البنادق بأحمر الشفاه؟
في ولاية ميتشغان الأميركية، هناك مصنع محلي صغير يسمى "بونيفيه" متخصص في صناعة بنادق الصيد يواجه مشكلة من تراكم شكاوى الزبائن بخصوص عيوب تصنيعية في العبوّة الأسطوانية الصغيرة في البندقية، التي تؤثر على جودتها وسرعة وضع طلقات الصيد بها.
 


حاولت الشركة معالجة الأزمة عن طريق الاعتماد على مهندسيها لحل المشكلة التي بدأت تتفاقم وتؤثر على مستوى تسويق المنتجات، وانخفاض المبيعات. إلى أن جاء الحـل من آخر مكان يُتوقّع أن يوجد فيه، عندما مرّ مدير المصنع على إحدى مصانع (أحمر الشفاه) التي تقوم بإنتاج عبوّات صغيـرة، وجد فيها الرجل غايته في حجمها وحركتها.

 

استلهمت الشركة فكـرة تصنيع عبوة أسطوانية صغيـرة مشابهة للعبوة التي توجد في أحمر الشفاه، مع تطويـرها لتناسب بنادق الصيد. وبالفعــل قامت بانتهـاج آلية تصنيع لهذا النوع من العبوات صغيرة الحجم، ما أدّى إلى انتهاء المشكلة بأدنى تكلفة وبأسرع وقت. (4)

 

أخيراً، النمذجة هي الحل الأسرع والأقصر لتحقيق تطور أو حل مشكلة. من الممكن أن تستلهم فكـرة عظيمة من آلية عمـل شركة تخزين أسماك، رغم أن مشـروعك يتخصص في مجال صناعة الآلات. ظاهرياً، قد يبدو أنه لا علاقة بين المجالين تماماً؛ ولكن الحقيقة أن استلهام الأفكـار من أي مجال، قد يصب -في النهاية- في تطوير مشروعك وتحقيق إنجازات كبيرة فيه.

 

لو اقتصر كل مشروع على أفكاره الخاصة، ولم يكن هناك أي مجال لتبادل الأفكار وتكاملها؛ فالمؤكد أن البشرية لم تكن لتحقق ربع إنجازاتها التقنية والإنسانية والعلمية التي وصلت إليها حالياً.

مئوية سايكس بيكو

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك