اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/13 الساعة 16:12 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/21 هـ

انضم إلينا
عندما يتحول الموظف لمدير.. كيف تصنع بيئة عمل إبداعية؟

عندما يتحول الموظف لمدير.. كيف تصنع بيئة عمل إبداعية؟

  • ض
  • ض
لا يخفى اسم جنرال موتورز عن أي أحد، الشركة الأميركية العمـلاقة التي تعتبـر -في حد ذاتها- إمبراطورية تصنيعية في الولايات المتحدة، تأسست في بدايات القـرن العشرين، ومع ذلك تستمر كواحدة من أباطرة الصناعة العالمية. هذه الشركة الضخمة نُقـل عنها في الكثير من الكتب الإدارية المتخصصة أن لها عادة غريبة نوعا، كلمـا أصبحت الأمور عسيـرة على المديرين والموظفين وعانت الشركة من مأزق ما في أحد قطاعاتها يتم حشد الموظفين للاجتماع في قاعة اجتماعات كبيرة تابعة للشركة وعرض أحد الأفلام القديمة للشركة.

 

هذا الفيلم يعود إلى عام 1991، حيث كانت الشركة تمرّ بمأزق كبير في قطاعات مختلفة، وبدأت في تدشين حملة إغلاق لبعض المصانع وتسريح العمّال فيها لمواجهـة العجز الذي تواجهه، ومن بين هذه المصانع مصنع الشركة في مدينة ويلمنغتـون بديلاوير، حيث يبدأ العـرض بظهـور المدير التنفيذي لشركة جنرال موتورز في أحد المشاهد يقول فيه بلهجـة قاطعة: إن هذا المصنع سوف يغلق أبوابه في غضون ثلاث سنوات، ولا يوجد أي إمكانية لإعادة النظر في هذا القـرار أو إبطاله.

 

بعدها بقليل يظهـر المدير العام للمصنع الذي من المقــرر إغلاقه أمام حشد من العمّال المُحبطين في المشهد الثاني فيما يفتـرض أنه كلمة اختتامية يقـول فيها: حسنا.. ربما لن نستطيع أن نقنـع الإدارة بأن يعيدوا النظـر في قرار غلق المصنع. من الواضح أننا لن نستطيع إنقاذ المصنع، ولكننا نستطيع أن نفعل شيئا آخر.. أن نجعلهم يشعـرون بأنهم أغبياء لأنهم اتخذوا مثل هذا القـرار!

 

بعد هذا التصـريح -وعلى مدار الثلاث سنوات اللاحقة التي قررتها الإدارة التنفيذية لإغلاق المصنع- بدا هنالك ما يبدو "تفجّرا في مهارات العمّال"، واكتسب المصنع بعمّاله حق التعديل في آليات الإنتاج، وبدأوا يصنعـون السيارات بمهارات فائقة، كل منهم يعمل في المصنع كأنه هو صاحب العمل نفسه وليس مجرد عامل أو موظف.

 

أصبحت هذه القصـة الملحمية في الإصرار والتحفيـز من أيقونات شركة جنرال موتورز الكلاسيكية التي ما زالت تعرضها على عمّالها وموظفيها من وقت إلى آخر

رويترز
 

 بدأت السيارات التي ينتجهـا المصنع الذي يوشك على الإغلاق تنتشر في السوق بشكل كبير، ويتحدث الكل عن جودتها بشكل جعل تجّار السيارات يطلبونها على نحو خاص. كان العمّـال والموظفون يعملون بأقصى طاقاتهم خلال تلك السنـوات، لا لشيء سوى لتطبيـق ما قاله مديـرهم لهم بوضوح: فلنجعلـهم يندمون على اتخاذ قرار إغلاق هذا المصنع. بعد مرور ثلاث سنوات عندما جاء وقت تنفيذ قرار إغلاق المصنع وتسريح العمّال أعلنت الإدارة العليا أنها "أعادت النظـر في هذا القرار وأبطلته"، لأن الموظفين في مصنع ويلينغتـون أصبحوا يقدمون قيمة عالية جدا لمنتجاتها، ومن المستحيل التخلي عنهم.

 

أصبحت هذه القصـة الملحمية في الإصرار والتحفيـز من أيقونات الشركة الكلاسيكية التي ما زالت تعرضها على عمّالها وموظفيها من وقت إلى آخر، وأصبحت أيضا واحدة من أقوى نمـاذج "الإدارة المنفتحـة"(1).

 

عندما يتحوّل الموظف إلى مدير

ما فعله مدير المصنع الذي كان من المقرر إغلاقه -ربما بشكل عفـوي غير مقصود- هو أنه قام بتحطيم "الإدارة التقليدية" المنغلقة المبنية على الأوامر من نوع: سوف نغلق المصنع، ولا يمكن العودة في هذا القرار، إلى مرحلة جديدة من الإدارة هي إدارة منفتحة مبنية على الحقائق وإطلاق يد الموظفين في اتخاذ الإجراءات المناسبة.

 

هذا النوع من الإدارة المنفتحـة يضرب واحدة من أكبر المشكلات في الشركات في مقتل، وهي شعور الموظف -أي موظف- بأنه يذهب إلى عمله بهدف أن يؤدي دوره فقط ثم يحصل على أجره فينصرف، إذ يتمثل كل تركيزه على أداء وظيفته المحدودة، أو -ربما في أفضل الحالات- يركّز على أداء الفريق الذي ينتمي إليه، أما الشركة ككل -ككيـان جامع له ولغيـره- فمن النادر أن يهتم الموظف في الشركة التقليدية بهذه الأمور.

 

الإدارة المنفتحة تجعـل كل موظف يتحول إلى مدير، مدير لنفسـه أولا فيظهـر أفضل ما فيها من مهارات، ومدير أيضا بخصوص التنسيق مع زملائه والاطلاع بشكل عام على أداء الشركة التي ينتمي إليها، وهو بالضبط ما فعلـه مدير مصنع جنرال موتورز عند مواجهـة الأزمة، صـارح الموظفيـن بوضوح أن هناك مشكلة، ثم أوجد لهم هدفا جماعيا بعد الإقرار بوجود مشكلة، ثم أوضح لكل موظف وعامل أن الأمر لم يعد فقط يقتصـر على أداء كل منهم لوظيفته بقدر ما هو يتمثّل في ضـرورة أن يكون كل شخص مديرا لنفسه، يطلق إبداعاته ويديرها بأكمل وجه، ويساعد زملاءه في ذلك أيضا حتى يتم تحقيق الهدف.

 

ما فعله مدير مصنع جنرال موتورز الذي كان مهددا بالإغـلاق هو ببساطة أروع نموذج ممكن لمفهـوم الإدارة المنفتحـة الذي يجب أن يتم تطبيـقه في أي شركة ناشئة تحديدا، لأنه -ببساطة- أسلوب الإدارة الأفضل في تحقيق الأهداف الكبيرة في زمن قياسي.

رغم أن مفهوم "الإدارة المنفتحـة" له الكثير من التطبيقـات والخطوات التي تختلف في ملامحها من شركة إلى أخرى،  فإنها أصبحت الأساس الذي تقوم عليه إدارة الشركات حاليا (فري بيك)

 

افتح "الكتب" للموظفين والشركاء

الكثير من المراجع الإدارية تقرر حقيقة أنه منذ عقد الثمانينيات تحديدا أصبحت الشركات حول العالم تميـل إلى أسلوب "الإدارة المنفتحـة"، والتخلي عن سطوة الإدارة الفـردية المنغلقـة التي تنحصـر أنشطتها في إصدار القرارات من الإدارة العليا للإدارة الوسطى التي تقوم بفرضها على الموظفين كما هي دون أي تدخل من طرفهم سوى التنفيـذ.

 

هذا الأسلوب المنفتح كان له نتائج مميزة شهدتها العديد من الشركات في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، مثل شركة أميـركية تدعى "سبرينغفيلد" تعمل في مجال إعادة التصنيع للمحركات حيث سجّلت زيادة تعادل 15% من مبيعاتها على نحو ثابت على مدار سنوات طويلة بعد تبنّيها هذا المنهج، وشركة "بي إس إس" (BSS) للمنتجات الطبية بعد تبنّيها هذا الأسلوب حيث تضخمت أنشطتها لتصبح واحدة من أكبر الشركات في هذا المجال.

 

ورغم أن مفهوم "الإدارة المنفتحة" له الكثير من التطبيقـات والخطوات التي تختلف في ملامحها من شركة إلى أخرى -وفقا لخصوصية كل شركة- فإنها أصبحت الأساس الذي تقوم عليه إدارة الشركات حاليا، نظـرا للنتائج الهائلة التي تعود على هذه الشركات مهما كان مجال نشاطها، وتقوم الإدارة المنفتحـة على ثلاثة محـاور أدت إلى تبنّي هذا النظـام الإداري في المؤسسات العصـرية.

المحور الأول: الناس يعملون بشكل أفضـل عندما يعـرفون ماذا يحدث حولهم

الشركات التي تتبع آلية الإدارة المنفتحـة تعمل على تمكين الموظفين لمعرفـة ما هو أكثر بكثير من عملهم الأساسي أو أهدافهم الفردية، وإنما تجعلهم على اطـلاع واسع على آليات العمـل الكبيرة وحساباتها، ويتعلمون أيضا كيف أن عملهم الذين يقومون به يؤثر على الناتج الكلي لوحداتهم، ومن ثمّ أداء الشركة ككـل.

 

الموظف الذي يعمل في مجاله فقط يعتبـر على الفور متوسط الإنتاجية، أما الموظف -حتى لو كان عاملا في مستودع أو موظف خدمة عمـلاء- عندما يعـرف ما يكفي عن ميزانية الشركة، وتنبؤات نجاحها، والمشكلات التي تواجهها، وبيانات الربح والخسارة، وقادر على قراءة نتائج التقارير التي تعبر عن مستوى الشركة، هذا الموظف -تحديدا- هو الأكثر قدرة على الإنتاج بشكل أفضل، والتنسيق مع غيـره بشكل أكبر، وإبراز مهاراته بشكـل أوسع.

 

 

المحور الثاني: الموظف الذي يعرف أهداف شركته وحساباتها يتحمّل المسؤولية

في الأيام الخالية كان المديرون الأشخاص الوحيدين المخوّلين بالشعور بالقلق عندما تنخفض معدلات المبيعات، أو يحدث إنتاج أقل لأي خط إنتاجي مما كان مخططا.

 

في عصر الإدارة المنفتحة الكـل يرى تلك الأرقام، كل موظف وعامل يتحمّل المسؤولية لجعـل الأرقام أفضل، أو لتطوير للشركة، أو لتعديل في مسارها، أو حتى لحل مشكلة طارئة. بمعنى آخر الإدارة المنفتحـة تفتح التفكيـر الجماعي للمساهمة في حل الأمور، وجعلها تسير بطريقة أفضل، وسرعة أكبر، وتكلفة أقل.

 

الإدارة المنفتحة في هذه الحالة هي تحويل كامل المنشأة إلى عقل كبير يساهم في قيادة دفّتها، وليس فقط قصرها على عقول المديرين الذين لا يتجاوز عددهم الأصابع.

 

المحور الثالث: كل موظف يسعى لنصيـب من كعكة نجاح الشركة

في العادة، معظم الموظفين في الشركات -مهما كان مجالها وحجمها- يعملون على جني المال براتب محدد مهما كانت أرباح الشركة وعوائدها المادية، فقط ينالون ما تم الاتفاق عليه من أجر، فضلا عن بعض الحوافز التي تضعها الشركات بشكل تقليدي نمطي بهدف تشجيع الموظفين للاستمرار في البقاء لا أكثر.

 

تحت مظلة الإدارة المنفتحة الأمر يتجاوز تماما فكـرة العمـل المأجور التقليدي إلى فكـرة شعـور الموظف أنه يعمـل في مؤسسة ينتمي إليها انتماء حقيقيا، فموظفو الشركات التي تنتهج الإدارة المنفتحة يفكّـرون ويتصرّفون كأنهم يملكون المكان، وبالتالي يعمـل كل منهم بإطـلاق أفضـل ما لديه من مهارات ينبني عليها أن يجني قطعـة من الكعكـة، ليس فقط في مكافآت مالية، وإنما يمنح دعما معنـويا وتفاعليا كبيرا يصل إلى مرحلة الحصول على أسهم ملكيـة من الشركة كما تنتهج الكثير من الشركات اليوم(1، 2).

 

نماذج من أشكال التحفيز بالإدارة المنفتحـة

بناء على المعايير الثلاثة للإدارة المنفتحـة تنتهج معظم شركات العالم المتقدم الآن أنظمة إدارية قائمة على فتح الأبواب لموظفيها وعمّالها، سواء بإعلامهم المستمر بالحقائق، أو دمجهم في العمليات الإدارية العليا، أو حصولهم على نصيب من الكعكة إذا قاموا بعمل إنجازات كبيرة في تطوير مسارات العمل.

 

بعد تطبيق هذه الحملة سجّل مقياس الرضا الوظيفي عن الشركة مستوى قياسيا كانعكاس واضح عن مستوى رضا الموظفين والعاملين عن إدارة الشركة

 

أبرز مثال على نمط الإدارة المنفتحة ما قامت به الخطوط الجوية الأميركية التي أطلقت حملة لمدة 3 أشهر قامت من خلالها بتشجيع كافة موظفيها في كل أقسامها بتقديم أي اقتراحات تطرأ على بالهم بخصوص تطوير أي قطاع من قطاعات الشركة.

 

النتيجة أن هذه الحملة جمعت آلاف الاقتراحات، تم فرزها إلى 1600 اقتراح قابل للتطبيـق والاستفادة منه، الأمر الذي ساهم في زيادة إيرادات الشركة بمبلغ 20 مليون دولار. في المقابل قامت الشركة بمنح الموظفين الذين اشتركوا في هذه الاقتراحات حوالي 5 ملايين دولار (ربع المبلغ الذي جمعته) على شكل إما جوائز تقديرية أو مادية بحسب قوة الاقتراح وتأثيـره في تطوير مسار الشركة.

 

بعد تطبيق هذه الحملة سجّل مقياس الرضا الوظيفي عن الشركة مستوى قياسيا كانعكاس واضح عن مستوى رضا الموظفين والعاملين عن إدارة الشركة التي تتعامل معهم بهذا الانفتاح، حتى الذين لم يحصلوا بشكل مباشر على مكافآت مباشرة.

 

في ولاية مينيسوتا الأميـركية استطـاع فريق من المهندسين في شركة "تيننت" تطوير نظام جديد لتبسيط عملية اللحام المعقدة وجعلها أكثر فعالية، ويعمل على تقليل المخزون الاحتياطي من الوحدات الجاهزة، لكن الإدارة -مضطـرة- قامت برفض النظام لأنه سوف يكلف حوالي 100 ألف دولار، وهو مبلغ فادح لم تكن الشركة قادرة على بذله من أجل تطوير هذا القطاع.

 

ولأن الشركة تعمل بمنهجية الإدارة المفتـوحة فقد أعلنت لجميع موظفيها وعمّالها بخصوص هذه الأزمة، وأن من يستطيع أن يدلي بدلوه في سبيل حلّها فليبدأ في ذلك بدون الرجوع للإدارة، الأمر الذي جعل مجموعة من العمّال والفنيين العاملين في اللحام يبتكرون نموذجا مبسّطا لإنجاز نفس العملية المطلوبة بالضبط بتكلفـة أقل من ألفي دولار!

 

هذا النظام الذي قام بإنجازه مجموعة من اللحامين البسطاء الذين يعملون في الشركة، قام بتوفيـر آلاف الدولارات بعد اعتمـاده من الإدارة، وعاد على كافة العاملين بحوافز سخيّـة.

 

الأمثلة على نظـم الإدارة المنفتحة لا تنتهي، ورغم أن أبرز تطبيقاتها يكون على الشركات الكبـرى والمتوسطة إلا أن الشركات الناشئة يمكنها الاستفادة منها بشكل كبير (فري بيك)

 

شركة باسم شمادزو للأجهزة العلمية (Shimadzu Scientific Instruments) تعمل في مجال إنتاج وبيع المعدات العلمية في ولاية ماريلاند الأميركية، تتبع نظـاما متميزا يقتضي بأن يتم ترقية الموظفين المميزين بشكل سنوي إلى منصـب نائب مدير عام الشركة لمدة أسبوعين كاملين.

 

خلال فتـرة الترقية تلك يتاح للموظفين -من كافة الأقسام والمجالات- أن يتعرّفوا بالتفصيل على كيفيـة إدارة الشركة من أعلى، وبيئة الإدارة، وماذا يفعل المديرون، بل والمشاركة في اتخاذ القـرارات التنفيذية كذلك. بعد مرور فتـرة الأسبوعين يعود الموظفـون مرة أخرى إلى أقسـامهم بعد أن يتشبعوا بشكل كامل بوسائل وطرق إدارة الشركة، ويقومون بمشـاركة هذه النظم مع زملائهم عبـر عصف ذهني مستمر(3).

 

الأمثلة على نظم الإدارة المنفتحة التي تتبعها الشركات لا تنتهي، ورغم أن أبرز تطبيقاتها يكون على الشركات الكبـرى والمتوسطة فإن الشركات الناشئة تحديدا تعتبر المستفيد الأكبر من تطبيـق ملامح من هذا النظام الإداري، لأنه يضمن دائما التحفيز الذاتي المستمرّ لموظفي الشركة من ناحية إنتاجية، ودوران الأفكار الإبداعية من ناحية أخرى.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك