اغلاق
آخر تحديث: 2017/8/14 الساعة 17:00 (مكة المكرمة) الموافق 1438/11/22 هـ

انضم إلينا
بين التقاط الأفكار وتبنيها..مشروعات عربية رائدة لدعم الشركات الناشئة

بين التقاط الأفكار وتبنيها..مشروعات عربية رائدة لدعم الشركات الناشئة

  • ض
  • ض

يُقال إن الأفكار الريادية المتميزة مُلقاة على الرصيف، لكنّ قليل من يلتقطها. وإذا التقطها أحدهم، فقليل من يستطيع أن يحوّلها من مجرد أفكار في الهواء إلى واقع مادي مُعاش. وإذا استطاع أن يعرف "الكيفية" لتبني هذه الفكرة وتنفيذها فنّيا، فقليل منهم من يستطيع أن يجد القوة اللازمة التي تعينه لتنفيذ هذا المشروع، سواءً القوة بمفهومها المادي التمويلي، أو توفير حاضنة للمشروع سواءً بمكان التنفيذ أو الاستشارات الفنية الخبيرة التي تعتبر بمثابة إرشادات الطريق.

 

العالم العربي يعجّ بالروّاد الشباب الذين يسعون للعمل على تأسيس شركاتهم الخاصة في ظروف شديدة الصعوبة، ليست فقط من ناحية الاضطرابات السياسية والأمنية والانهيارات الاقتصادية. وإنما أيضا بسبب عدم توافر الحاضنة الاجتماعية العامة للمشروعات الريادية، بشكل متفاوت بين الدول العربية. وهو الأمر الذي يتسبب في غرق الكثير من المشروعات الريادية المتميزة، على الرغم من أنها -إذا كُتب لها النجاة- كان في الإمكان أن تساهم في إيجاد حلول جذرية لمشاكل مزمنة.

 

ومع ذلك، فقد شهدت السنوات الأخيرة نموا ملحوظا في مبادرات "دعم ريادة الأعمال" سواءً على النطاق المحلي لكل دولة عربية، أو على النطاق العربي الإقليمي ككل. شملت هذه المبادرات الريادية أشكالا مختلفة من منصّات تمويل جماعي أو بيئات لروّاد الأعمال أو حاضنات أعمال متطوّرة. وقد كان من نتائج هذه المبادرات -التي تعتبر في حد ذاتها مشروعات ريادية أيضا- المساعدة في تسريع وتيرة إنشاء الشركات الناشئة العربية، وتسهيل الحصول على التمويل والخبرات الفنّية بشكل أسرع وأكثر كفاءة.

 

هنا نستعرض خمس تجارب ريادية مختلفة تستهدف دعم حركة تأسيس الشركات الناشئة في العالم العربي بأشكال مختلفة تتنوّع ما بين تمويل ودعم فني وتوفير بيئات العمل وغيرها. تم عرض هذه المشروعات عبر برنامج "روّاد الأعمال" الذي يبثّ على قناة الجزيرة، في حلقات وثائقية مدتها 24 دقيقة بالمتوسط؛ حيث تتناول قصص نجاح هذه التجارب بالتفصيل، من حيث نشوء الفكرة وتطوّرها وإنجازاتها، فضلا عن رؤى أصحابها للمستقبل الريادي في العالم العربي ونصائحهم لروّاد الأعمال.

 

رايز أب.. البداية كانت برؤيا "طلعت حرب"


بعد رحلة طويلة من المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والإنسانية، وشغله منصب رئيس اتحاد الطلبة في المدرسة والجامعة، قرر عبد الحميد شرارة أن يتخلى عن مسار الحياة الوظيفية المعتادة، وأن ينتظر اللحظة المناسبة لتأسيس شركته الريادية.

 

كانت بداية الفكرة نابعة من حلم، رأى فيه عبد الحميد -فيما يرى النائم- أن زعيم الاقتصاد المصري طلعت حرب يقف مخاطبا الشباب في ميدانه، ويخبرهم أن ريادة الأعمال هي الأساس لتقوية اقتصاديات الدول، وأن عصر ريادة الأعمال خيّم على الجميع. وقتئذٍ قرر شرارة أن يبدأ شركته الناشئة في هذا المسار. في العام 2013، أطلق عبد الحميد شرارة برفقة "أبكون أودونيل" مبادرة "رايز آب" (Rise Up) الريادية التي تستهدف أن تكون حلقة وصل بين روّاد الأعمال وبعضهم البعض، ومنصة لدعمهم للحصول على فرص استثمارية وتمويلية واستشارية لشركاتهم الناشئة، لإمرارهم من أصعب المراحل التي تمر بها أية شركة ناشئة، خصوصا مرحلة بداية المشروع التي تعتبر الأكثر مشقّة وارتباكا لأي رائد أعمال.

 

كانت بداية الشركة صعبة أيضا. بدأت عملها بفريق مكوّن من سبعة أشخاص، ثم ارتفع العدد في العام الثاني إلى 14 موظفا. وبحلول العام 2015، ومع توسّع نشاط الشركة، وصل عدد فريق العمل إلى قرابة أربعين موظفا؛ حيث تحوّلت المبادرة من مبادرة محلية في مصر إلى شركة ناشئة إقليمية تخدم مجتمع ريادة الأعمال في الشرق الأوسط وأفريقيا عبر فعاليات دولية وشبكات تفاعلية متنوّعة.

 

اليوم، تنظم المنصّة فعالية عالمية سنويّة (Riseup Summit) تستهدف من خلالها جمع كافة الأطراف الفاعلة في ريادة الأعمال على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي، سواءً من رواد أعمال وممولين وجهات استثمارية وحاضنات أعمال وبيئات عمل، واستطاعت جذب ممثلين من كبرى الشركات العالمية مثل غوغل وفيس بوك ومايكروسوفت. وتنجح المبادرة حاليا في اجتذاب حوالي 3 أو 4 صناديق استثمارية بالمتوسط سنويا، بعضها له بُعد إقليمي والآخر محلي. وعلى الرغم من أن الشركة ما زالت تعاني نقصا تمويليا في رأس المال المحلي، وتتلقى تمويلاتها من الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، إلا أن لديها خطة طموحة للتوسّع في دعم مشروعات ريادة الأعمال التقنية تحديدا في العالم العربي وأفريقيا، وتلقّت دعوات لتنظيم مؤتمرها السنوي في منطقة الخليج. (1)

 

ذو مال.. التمويل الجماعي يخلق النجاح الجماعي
  

"العالم العربي هو أكثر منطقة في العالم تحتوي على شباب.. هؤلاء الشباب هم الطاقة والحماس والمستقبل.. فإذا استطعنا بشكل ما أن نُلهم هؤلاء الشباب أن ينتجوا أفكارا مبدعة، حتما سنكون قادرين على تغيير الواقع الذي نعيشه"

(عبد الله عبسي)

 

عندما كان عبد الله عبسي، ابن 16 عاما، قرر ألا يكمل دراسته الجامعية في مجال هندسة الكمبيوتر بالجامعة الأميركية ببيروت؛ حيث بدأ العمل في هذا السن المبكر على تأسيس 5 مشروعات ريادية، استطاع من خلالها أن يدرك تماما حجم الصعوبات التي يواجهها رائد الأعمال المبتدئ بخصوص التمويل. رأى بعينيه في تلك الفترة المبكرة من عمره أسوأ كابوس يواجه ملايين الشباب العربي المقبلين على تأسيس المشروعات، وهو كابوس التمويل الذي يقف دائما عائقا أمام الأفكار المبدعة القابلة للتطبيق.

 

كانت هذه هي الشرارة التي جعلت رائد الأعمال اللبناني الشاب عبد الله عبسي يبدأ في دراسة العمل على إطلاق مشروع "ذو مال" خصوصا في بدايات العقد الحالي التي برزت فيها حول العالم آلية التمويل الجماعي عبر الإنترنت. الأمر الذي ساعد على انطلاق "ذو مال" يستهدف توفير التمويل للمشروعات الريادية في العالم العربي.

 

تأسست شركة "ذو مال" في العام 2012 كأول منصة عربية للتمويل الجماعي (Crowd Funding). تقوم فكرة المنصة على توفير الدعم التمويلي لأصحاب المشروعات عن طريق جمع التبرعات لهم عبر الإنترنت، بعد إطّلاع الجمهور على خطة المشروع والفكرة العامة له والمستهدف من وراءه، دون أن تضع المنصّة سقفا للتمويل، أو أن تشارك بالاقتراح على تمويل مشروعات دون غيرها. الأمر متروك تماما للجمهور والممولين في اختيار المشروع الذين يرغبون في دعمه، وبأي سقف من التمويل، بدون تدخل من المنصّة. ويتم تحصيل الأرباح بنسبة من قيمة التمويل.

 

حققت المنصة نجاحا ملحوظا منذ تأسيسها تقريبا، بشكل يشير إلى تعطّش الشباب العربي إلى هذه الفكرة التمويلية المميزة؛  حيث قفز عدد المشروعات التي طلبت التمويل عبر المنصة في العام 2013 -أي بعد عام واحد من إطلاقها- من حوالي 390 مشروعا إلى أكثر من 10 آلاف مشروع في نهاية العام 2016، ما جعل "ذو مال" من أهم المنصات التمويلية الجماعية التي تدعم المشروعات الناشئة في الدول العربية. حصد رائد الأعمال عبد الله عبسي مجموعة من الجوائز في مجال ريادة الأعمال، وصنّف في العام 2016 واحدا من بين 100 شاب عربي تحت سن الأربعين من حيث التأثير بحسب "الأربيان بيزنس". ( 2 )

 

صندوق "إم إي في بي".. عندما يتحوّل الممول إلى صديق
  

بعد رحلة طويلة في العمل في القطاع المصرفي، قرر اللبناني وليد حنّا أن يبدأ رحلته الريادية بالتركيز على جوانب التمويل، عندما لاحظ أن المشكلة الكبرى في مجال ريادة الأعمال بالعالم العربي، هي وفرة الأفكار الإبداعية القابلة للتطبيق، مع غياب كامل للآليات التمويلية التي يمكنها أن تتلقّف هذه الأفكار وتحوّلها إلى حقيقة، ليس فقط في لبنان، وإنما في العالم العربي ككل.

 

في العام 2009، انطلق صندوق رأس المال المخاطر "إم إي في بي" (MEVP) من بيروت بتمويل مبدئي قيمته عشرة ملايين دولار. لعب الصندوق دور حلقة الوصل بين المستثمرين ورجال الأعمال من ناحية، وبين الأفكار والمشروعات الريادية من ناحية أخرى، خصوصا تلك التي تركز على الجانب التكنولوجي في كافة المجالات. وبمرور السنوات تضاعف التمويل، حتى أصبح الصندوق يدير استثمارات بقيمة 120 مليون دولار، تركز على دول الخليج والشام ومصر.

 

في العام 2010، بدأ مشوار الألف ميل بالنسبة للصندوق عبر دعم مشروع واحد، تلاه بدعم 7 مشروعات في العام 2012، ثم 3 مشروعات في العام 2013. وبقدوم العام 2014 قدم الصندوق دعما لثمانية مشروعات، ليرتفع العدد إلى 13 مشروعا تم دعمها في العام 2015 الذي شهد أعلى محصلة لدعم المشروعات منذ بدء تأسيس الصندوق. وفي العام 2016، قدم الصندوق دعما جديدا لخمسة مشروعات، ليرتفع إجمالي عدد المشروعات التي دعمها صندوق "إم إي في بي" في منطقة الشرق الأوسط إلى حوالي 35 مشروعا، استطاعت أن تخلق المئات من فرص العمل في المنطقة.

 

في الوثائقي، يشرح وليد حنّا المدير التنفيذي للصندوق مجموعة من أكثر العوامل أهمية على الإطلاق والتي يجب أن يولّيها رائد الأعمال العربي اهتمامه إذا كان يستهدف تمويل مشروعه الريادي من خلال صناديق رأس المال المخاطر. هي نفس العوامل التي يطبّقها صندوق "إم إي في بي" وغيره من الصناديق التمويلية العالمية. (3)

 

جريك كامبس .. ملتقى لروّاد الأعمال في قلب القاهرة
   

بعد رحلة طويلة في عالم ريادة الأعمال استمرت لمدة ثلاثين سنة، بدأت في العام 1986 بدأت باستثمار رائد الأعمال المصري أحمد الألفي في العديد من الشركات، تجاوز عددها 200 شركة.  خطرت الفكرة للألفي في بدء تأسيس واحد من أهم المشروعات الريادية التي شهدها مجتمع روّاد الأعمال في مصر مؤخرا، وهو "الجريك كامبس".

 

جريك كامبس هو مبنى تراثي أقيم على أنقاض مبنى قديم تابع للجامعة الأميركية في وسط القاهرة، تأسس في العام 2013 بهدف أن يكون مُلتقى كبير لروّاد الأعمال في مصر، وأيضا لتوفير ساحات عمل واسعة للشركات المحلية والدولية، إلى جانب عمله كحاضنة للأعمال والمؤتمرات والأحداث التي يمكن أن تعقد فيه، بما فيها المناسبات الفنية والموسيقية أيضا. مساحة الجريك كامبس حوالي 25 ألف متر مربع تم تقسيمها إلى مساحات إدارية صغيرة مخصصة للشركات الناشئة وحاضنات الأعمال والشركات متعددة الجنسيات، التي تتخذ من الكامبس مقرا لها. هذا الإقبال لم يأتِ بسهولة في البداية، حيث واجه المؤسس مشكلة في إقناع رواد الأعمال والشركات في تأجير مكاتب لشركاتهم، أو تفعيل مؤتمراتهم في المكان، وذلك بسبب ارتفاع تكاليف تطوير المبنى التاريخي. إلا أنه وبعد مرور عدة أشهر، استطاع الجريك كامبس اجتذاب العديد من الشركات بشكل توسّع سريعا لاحقا.

 

الحدث المفصلي الأهم في تاريخ الجريك كامبس كان استضافة قمة (Rise Up) السنوية العالمية بحضور عدد من الشركات العالمية الكبرى، والذي تمكن خلالها من جذب الأنظار حول العالم، ليتحول الكامبس خلال أربع سنوات إلى واحد من أهم مراكز ريادة الأعمال في مصر؛ حيث اجتذب أكثر من 140 شركة ناشئة، إلى جانب شركات عالمية مثل غوغل وأوبر ومايكروسوفت.

 

يخطط المسؤولون عن الجريك كامُبس لبدء التوسّع في مختلف المحافظات المصرية، حيث تقرر أن تكون محافظة أسيوط في صعيد مصر هي المحطة التالية التي ستشهد نقطة انطلاقة جديدة للمشروع، مع تنامي حركة ريادة الأعمال في صعيد مصر. (4)

 

يوكاس.. احتضان الريادة رغم الحصار
   

في العام 2011، أطلقت الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية في قطاع غزة مبادرة رياديّة أطلق عليها اسم "يوكاس"، هدفها دعم حركة ريادة الأعمال في القطاع وتمكين الشباب الخريجين من تنفيذ أفكارهم الريادية التقنية، عن طريق توفير سبل الدعم المختلفة.  وهو الأمر الذي بدأ يأتي بأُكله سريعا، بحلول العام التالي مباشرة. في العام 2012، قامت يوكاس باحتضان خمسة مشاريع ريادية، بتمويل من وكالة "دانيدا" الدانماركية للتنمية الدولية من خلال مشروع مع منظمة أوكسفام البريطانية، حققت 3 من هذه المشروعات الخمسة النجاح والاستمرار في سوق العمل المحلي والدولي عن طريق الاعتماد على العمل عن بعد.

 

تقوم حاضنة الأعمال يوكاس باستقبال الأفكار من الشباب الخريجين عبر موقعها الإلكتروني، ودراسة هذه الأفكار ومن ثم تحديد المشروعات الأكثر إبداعا والقابلة للتطبيق، خصوصا في المجالات التي تمسّ الواقع الغزّاوي مثل المشروعات الخدمية والزراعية والصحية والتعليمية والبيئية. لاحقا، تبدأ الحاضنة بتطوير هذه الأفكار وتدريب الشباب المتقدّمين إليها عبر تطوير مهاراتهم الريادية وتعليمهم أساسيات الأعمال مثل خطط التسويق وإعداد الموازنات. كما تقدم أيضا حلولا متنوّعة لأصحاب المشروعات لتمويل مشروعاتهم، وتقديم بيئة عمل مناسبة، ومخيّمات سنوية لأصحاب الأفكار الريادية المبدعة.

 

الحاضنة لا تكتفي فقط بالتقاط المشروعات وتدريب الشباب، بل تستمر في تقديم الدعم الإداري والتقني بعد انطلاق المشروعات. وهو الذي يضمن ثبات هذه المشروعات أمام الأزمات التي قد تواجهها بعد انطلاقتها، خصوصا في المراحل الأولى من إطلاقها. وعلى الرغم من الحصار الإسرائيلي الذي يتسبب في نقص العديد من المتطلبات التقنية اللازمة لدعم المشروعات، تحتضن يوكاس حوالي 40 مشروعا رياديا سنويا في قطاع غزة، وتسعى لزيادة قدرتها الاستيعابية للمشروعات السنوية لتصل إلى ثمانين مشروعا، أي ضعف قدرتها الحالية؛ وذلك لموافاة الإقبال الكبير من الشباب على ريادة الأعمال داخل القطاع المحاصر. (5)

 

أخيرًا، هذه النماذج من المشروعات الريادية الهادفة إلى تسهيل وتسريع وتيرة تأسيس الشركات الناشئة، تعد هي الأساس الذي تقوم عليه أية طفرة محتملة في عالم ريادة الأعمال في المنطقة، لاسيما إذا شهدت توسّعا كبيرا لتشمل كافة المدن العربية، سواءً بالمستوى المحلي المحدود أو الإقليمي الواسع. وهو الأمر الذي بدأت بوادره في الظهور، على الرغم من العقبات العديدة التي ما زالت تعترض قافلة ريادة الأعمال العربية، مقارنةً بغيرها من المناطق حول العالم.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك