اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/11 الساعة 20:32 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/26 هـ

انضم إلينا
إمبراطوريات الفنجان.. مقاهٍ تحولت لظاهرة عالمية

إمبراطوريات الفنجان.. مقاهٍ تحولت لظاهرة عالمية

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
     

أُريد رائحة القهوة. لا أريد غير رائحة القهوة. ولا أريد من الأيام كلها غير رائحة القهوة. رائحة القهوة لأتماسك، لأقف على قدميّ، لأتحول من زاحف إلى كائن، لأوقف حصتي من هذا الفجر على قدميه. لنمضي معًا، أنا وهذا النهار ، إلى الشارع بحثًا عن مكانٍ آخر.

 - محمود درويش ( 1 )

  

منذ لحظة اكتشافها في بلاد الحبشة في القرن الخامس عشر، وانتقالها إلى بلاد العرب ومنها إلى العالم كله، كوّنت القهـوة ما يبدو أنها علاقة وطيدة لا انفصـام لها مع الشعراء والفنانين والأدباء والعلماء في كافة أماكن وثقافات العالم تقريبا. المشروب الساحـر الذي ألقى بأثره على الشاربين بمزيج من السهر وتبديد الإرهاق والتسلية والإفاقة والتركيز والرائحة الساحرة، وحتى المرارة التي تفوق مرارة الأيام أحيانا.

    

ومع ذلك، ثمة نوع آخر من الناس الذين وقعوا في علاقة مختلفة -أكثر عمقا من الشعر بالتأكيد- مع القهــوة: علاقة البزنس؛ كانت القهـوة سببا في جعل البعض يحوز عدة مليارات من الدولارات، وجعل البعض الآخر من المشاهير بعد أن كانت حياته أقل من العادية، وكانت أيضا سببا لتكوين إمبراطوريات عمـلاقة من علامات تجارية تتواجد في كل مدن العالم.

  

هنا؛ نستعرض ثلاثة أمثلة من محبّي القهـوة الذين بادلتهم القهــوة الحب مجسدا على شكل مال وشهرة ونجاح عالمي، محوّلة شغفهـم -الذي يشـاركهم فيه مئات الملايين- إلى نماذج ريادية عالمية يؤلّف عليها كتب ونقاشات وتحجز مكـانها الدائم في دراسات الحالة والنمذجة للشركات الناشئة في هذا المجال. نسلّط الضوء هنا على البدايات المتواضعة التي تحولت لاحقا إلى إمبراطوريات ضخمة.

 

ستاربكـس.. إمبراطورية على أنقاض الروتين

في العام 1981 كان هوارد شولتز شابا عشـرينيا يعمل في وظيفة عادية للغاية كمسؤول للتسويق والمبيعات في شركة "زيروكس" (Xerox) العالمية. لاحقا، تلقى عرض عمل جيد قام على إثـره بالاتجاه غربا إلى مدينة سياتل في أقصى الشمال الغربي للولايات المتحدة، ليلتحق بالعمل لدى شركة صغيرة محدودة تعمل على بيع المشروبات، كان اسم هذه الشركة "ستاربكس للقهـوة والشاي والبهارات"، تأسست في العام 1971، وكان لديها مصنع صغير وعدد محدود من المتاجر المحلية المقتصـرة فقط على ولاية واشنطن الغرب.

   

  

استطاع شولتز الحصـول على منصب مدير التسويف في الشركة التي لم يكن يميّزها أي شيء تقريبا. فقط شركة تعمل على إنتاج أدوات تقليدية للمشروبات محدودة الفروع ومحدودة الخدمات، كانت مهمته الأولى هي تنشيط المبيعات، فسافر إلى إيطـاليا للبحث عن عروض مبيعات لشركته الصغيرة خارج الولايات المتحدة، ففوجئ أن الإيطاليين يشربون القهـوة بطعم وأسلوب مختلف تماما عن الأميركيين بمزيج من القهوة والنسكافيه والإسبريسو، كما يتناولونها في مساحات واسعة تتيح لهم النقاش والحديث فيما بينهم.

    

كانت هذه الملاحظة هي الغنيمة الأكبر بالنسبة لشولتز الذي عاد إلى سياتل مرة أخرى بتغيير شامل في طريقة تقديم القهوة والمشروبات، حيث عرض على أصحاب الشركة خطة للتوسع في افتتاح "المقاهي" حول الولايات المتحدة بدلا من الاكتفاء بالمتاجر، إلا أنه اصطـدم بعقليـة أصحاب الشركة الروتينية الذين صمموا أنهم لن يقدموا على خطوة افتتاح المقـاهي إطـلاقا، وأن الهدف الأول والأخير للشركة هي بيع وتوريد القهوة والشاي والبهارات إلى المقـاهي.

     

مع هذا التعسّف الروتيني الأقرب للحماقة، قدم شولتز استقالته بعد أن رأي بعينيه أسوأ نموذج ممكن من التعنّت الذي جعل شركة ترفض فكـرة ممتازة مضمونة تقريبا، وتفضّـل بيع القهوة والشاي بأسلوب البقالة. ومع ذلك، كانت الفكـرة قد اختمرت في ذهنه لدرجة أنه عزم على تنفيذها بنفسه رغم ضعف الميزانية، فاستطـاع في منتصف الثمانينيات أن يفتتح مقهى في مكـان جيد في سياتل، أطلق عليه اسما إيطـاليا بحتا "غورنال" وطبّق فيه كافة الأفكـار التي لاحظها في رحلته الأخيرة، النتيجة هي تزايد الإقبال على المقهى الخاص به بشكل كبير على مدار ثلاث سنوات من افتتــاحه.

    

ثم أخيرا، جاءت الفرصة الأكبر لهوارد عندما تم عرض الشركة التي كان يعمل لديها "ستاربكس" للبيـع -وهو ما كان متوقعاً بسبب سوء إدارتها الروتينية-؛ فلم يضيّع الفرصة وقام بشـراء الشركة على الفور، وأعاد افتتـاحها بشكل مختلف كليا عن السابق حيث أطلق علامتها التجـارية بحلتها الجديدة كسلسلة مقـاهٍ تطبّق أساليب مميزة في بيع القهوة وتصميم المساحات الواسعة للزائرين.

     

   

وخلال ثلاث سنوات فقط من شراء هوارد لستاربكس، استطـاع المسوّق المخضـرم أن يتوسع بسرعة هائلة في الولايات المتحدة، حيث وصل عدد فروعها عام 1990 إلى 55 فرعا مع تطبيـق إستراتيجية شراء حق الامتياز  "فرانشايز" بشكل كبير، ثم بعدها بعامين -عام 1992- طــرحت أسهم ستاربكس للبورصة مما أتاح له فرصة أكبـر في التوسّع حوال العالم، حيث افتتح أول فرع خارج الولايات المتحدة في اليابان سنة 1996، وأول فرع في المنطقة العربية سنة 1999، ليصل عدد فروعه في العام 2004 إلى أكثر من 7500 فرعا حول العالم موزّعين على 31 دولة.

  

في العام 2017، وصل عدد الفروع التي تشغّلها شركة ستاربكس إلى 27399 متجرا حول العالم، ويبلغ عدد الموظفين لديها حوالي 238 ألف موظف، كما تبلغ ثــروة هوارد شولتز حاليا أكثر من 3 مليارات دولار. ربما كان من حسن حظ شولتز أنه عمل مع مدراء بهذه العقلية المتصلّبة التي جعلته يفتتح مشروعه بنفسه، ويستحوذ على الشركة التي غادرها ليحوّلها إلى أكبر إمبراطورية مشـروبات في العالم لاحقا! ( 2 ، 3 ، 4 )

  

جمهــورية عالمية للقهــوة بدأت من طاولة المطبخ

مع اندلاع الحرب العـراقية الإيـرانية، وتدفق الآلاف من المهاجرين واللاجئين هربا من القتال الدائر الذي استمر ثمانية أعوام، كانت عائلـة "سحر الهاشمي" إحدى العائلات الإيـرانية التي اتخذت قرارا بالانتقال إلى بريطانيا في فترة الثمـانينيات، وبدء حياة جديدة بالكامل.

   

لم يبدُ أن هنـاك تميزا خاصا في حياة سحر الهاشمي، حيث التحقت بالمدرسة ومن ثم الجامعة لتدرس الحقوق في جامعة بريستول، تخرجت من الجامعة لتلتحق بوظيفة نظـامية عادية، سافرت إلى الأرجنتين وقضت بها فترة، ثم عادت مرة أخرى إلى بريطـانيا لتبحث عن وظيفة جديدة، وهو ما يبدو أنها لم توفّق فيه أيضا، فقررت السفـر مرة أخرى إلى أميـركا لقضاء بعض الوقت مع أخيها الذي يعيش في نيويورك. كانت هذه الرحلة تحديدا هي البوابة الأساسية التي خرجت من وراءها واحدة من أشهر مقاهي العالم.

    

سحر الهاشمي - مؤسسة جمهورية القهوة

مواقع التواصل 
   

قفزت الفكـرة في رأسها للمرة الأولى عندما كانت تجلس في إحدى المقاهي العامة بمدينة نيويورك لتتذوق القهوة الأميـركية المفضلة لديها والتي كان من الصعب توافرها بسهولة في بلادها. هنا طرحت على نفسها السؤال: لماذا لا تقوم هي بنفسها بتنفيذ هذه الفكـرة، وتقوم بافتتـاح مقهـى يقدم أجود أنواع القهـوة بأشكال مختلفة تلائم كافة الأذواق، وتكون مختلفة عما هو سائد في الأسواق حينئذ؟

    

وكأي رائد أعمال شحذت همته الفكـرة، بدأت سحـر الهاشمي في تأدية الخطوة الأولى: البحث؛ بدأت في البحث بشكل مكثف بخصوص طرق بداية المشروع، دراسة المقـاهي في العاصمة لندن، دراسة جودة القهوة في المقاهي المختلفة ومقارنتها بأنواع أخرى، وأخذ ملاحظـات وتخيل وصفات وتعديلات في طرق صناعة القهـوة. النتيجة أن أصبح لديها الخطة الكاملة لافتتـاح مشروع "مقهى" ناجح يقدم مزية تنافسية جديدة للسوق.

     

وعندما حان وقت تنفيذ المشروع، كانت الصدمة في انتظـارها، لا يوجد أي جهات تمويل متحمّسة لفكـرة المشروع، لدرجة أنها قوبلت بالرفض من أكثر من 19 جهة تمويلية مختلفة، إلى أن استطاعت في النهاية الحصـول على تمويل متوسط بقيمة 75 ألف جنيه إسترليني من جهــة حكومية بريطانية، استطاعت أن تستغلها في افتتـاح أول مقهـى لها في العام 1995، باسم "جمـهورية القهــوة" (Coffee Republic).

    

خلال عامين اثنين، قدّمت في مقهاها الصغير تشكيلة واسعة من نكهات القهـوة المختلفة التي تناسب كل الأذواق ، وتعاونت مع إحدى الشركات التسويقية التي وضعت لها مخططا طموحا لتوسيع أرباحها، وهو ما ساعدها في افتتاح الفرع الثاني لها سنة 1997، ثم تحويل مشروعها لشركة مساهمة لها أسهم في البورصة جعل الشركة تملك رأس مال ضخم ساعدها في المزيد من التوسّع لتصـل عدد فروع المقهى خلال خمس سنوات فقط من افتتـاحه إلى حوالي ثمانين فرعا داخل بريطانيا وحدها.

    

كتاب الجميع قادرون - جمهورية القهوة (مواقع التواصل الإجتماعي)

     

في العام 2001 تركت سحر الهاشمي دورها في إدارة شركتها التي أصبحت تدر حوالي 30 مليون دولار سنويا، وقامت بإصدار كتاب شهيـر بعنـوان: الكل يستطيع أن يفعلها: كيف أقمنا جمهورية القهـوة من على طاولة المطبخ. الكتاب الذي سجّلت فيه خطوات نجاح المشروع من بدايته، والمصاعب التي واجهتها وكيف تجاوزتها واستطاعت أن تحوّل فكـرتها البسيطة إلى واحدة من أشهر المقـاهي في بريطـانيا. والأهم: كيف استطاعت استغلال فكـرة عابرة أثناء جلوسها في أحد المقـاهي وتحويلها إلى واقع جعلها من أشهر سيدات الأعمال في بريطانيا، بعد أن كانت شابة حقوقية عادية تبحث عن الوظائف.( 5 ، 6 ، 7 ، 8 ، 9 )

   

كوستا كوفــي.. في مديح المهاجر الإيطـالي

مقهـى "كوستا" (Costa) يعتبر من أكبر وأشهر العلامات التجارية العالمية في مجال صناعة المقاهي. المقهـى بريطـاني المنشأ، يعتبر أكبر سلسلة مقـاهٍ في بريطـانيا، وثاني أكبر سلسلة مقـاهٍ عالمية على الإطلاق بعد مقهى ستاربكس الأميـركي، حيث يمتلك أكثر من 3400 فرع حول العالم موزعين على أكثر من 31 دولة. المقهـى اليوم مملوك بالكامل لشركة "وايت بريد" (Whitbread) الفندقية البريطـانية، بعد أن استحوذت على ملكيـته في العام 1995.

    

  

ولكن بالعودة إلى نهاية الستينيات، لم تكن الأمور بهذا البريق، عندما هاجرت عائلة "كوستا" الإيطـالية إلى بريطانيا بحثا عن فرص أفضـل في الحياة، لاحظ الأخوان برونو وسيـرغيو كوستا أن هذا البلد العامر بالفرص يفتقـر إلى القهـوة الأصيلة، ربما كان هذا السبب في ميل الشعب البريطاني إلى الشاي أكثر من أي مشروب آخر. ليس بسبب روعة الشاي، وإنما بسبب نقـص خبـرتهم بروعـة القهـوة ومذاقها عندما تُصنع بشكل مختلف عما هو سائد.

  

في العام 1971، تأسس أول متجر " كوستا " بواسطة الأخوين في العاصمة لندن كمتجر متخصص في صناعة نكهـات القهوة الخاصة من إبداعهما، وبدآ في توريدها إلى المقـاهي والمتاجر. بعد عدة سنوات، وبقدوم العام 1978 افتتح الأخوان أول مقهــى مفتـوح للجمهــور بنفس الاسم، قدما من خلاله كافة نكهـات القهوة المميزة التي اختلفت تماما عما هو سائد في السوق البريطاني وقتئذ، مما أتاح له شهــرة كبيــرة خلال فتـرة الثمـانينيات كواحد من أهم المقـاهي الواعدة في بريطانيا.

   

في منتصف الثمانينيات قام سيرغيو -أحد الأخوين المؤسسين- بشراء حصـة أخيه، وعمل على افتتاح المزيد من المقـاهي وتوسعتها حتى وصل عدد فروع المقهـى إلى 41 فرعا في كافة المدن البريطانية في منتصف التسعينيات. هذا التوسع الكبير، مع الشهـرة الواسعة لجودة المشروبات التي يقدمها المقهى جعــل شـركة "وايت بريد" (Whitbread) التي تعتبر أكبر شركة بريطـانية متخصصة في مجال الفندقة وإدارة المطاعم تستحوذ بالكـامل عليه في العام1995.

       

    

ومنذ تنفيذ عملية الاستحواذ، أطلقت الشركة سلسلة توسّعات ضخمة للمقهـى الإيطالي داخل بريطانيا وخارجها، ليصل عدد فروعها إلى آلاف المقـاهي حول العالم تحمل علامتها التجارية، كما قامت أيضا الشركة بالاستحواذ على العديد من شركات تصنيع القهـوة وتغليفها في عدد من دول العالم، كما أطلقت خدمات مختلفة مثل "كوستا إكسبريس" التي تستهدف توصيل خدماتها إلى الشركات والمستشفيات وتواجدها في محطات دعم الوقود والطرق السريعة، فضـلا عن خدمة "كوستا درونز" في شواطئ دبي المسؤولة عن إيصال المشروبات للمصطـافين عبر طائرات الدرونز الصغيرة.

  

لا يزال نموذج "كوستا كوفي" تحديدا يوضّح أن تقديم الخدمـة المختلفة والسريعة للمستهلكين -حتى الذين يشيع بينهم عدم ميلهم لهذا النوع من الخدمات أساسا- يؤدي في النهاية إلى لفت الأنظـار؛ بل وربما تغيير ذوق المستهلك على المدى الطويل. هذا ما حدث؛ استطـاع كوستا تحويل مذاق شعب له باع تاريخي تراثي شهيـر مع الشاي إلى شعب يُدمن القهــوة أيضا. ( 10 ، 11 ، 12 )

  

  
لا شك أن العالم الريادي يعج بعشرات العلامات التجارية الضخمة في مجال صنـاعة المقـاهي لا تقل أبدا عن أهمية التجارب التي أوردناها في هذا التقرير. ومع ذلك؛ يمكن القول إن معظم هذه التجارب لها المبـادئ نفسها: فكـرة جديدة، تنفيذ مختلف، التوسّع خارج الحدود. هذه المبادئ الثلاثة هي الأعمدة الأساسية التي تقوم عليها صناعة الفندقة والمطاعم والمقاهي بلا استثناءات تقريبا، ويظـل التطوير المستمر هو أساس بقائها واستمراريتها فيما بعد.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار