اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/14 الساعة 16:19 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/29 هـ

انضم إلينا
كيف تواجه "هراء" مديرك في بيئة العمل؟

كيف تواجه "هراء" مديرك في بيئة العمل؟

  • ض
  • ض
مقدمة المترجم

لو أنك أحد أولئك الذين يتعرضون للهراء، قد يكون من الصعب عليك أن تصمت عن ذلك، وقد يقودك الأمر إلى الصدام مع الآخر، ويتطور إلى ما هو أكبر من ذلك. في هذا التقرير يقدم لنا الكاتب طرحا مختلفا يبين لمن يلاحظون الهراء كيفية مواجهته بشكل عملي وبدون أن يقعوا في صدام مع الآخرين.

 

نص التقرير

بعد التوهان داخل الفندق الذي يقام فيه المؤتمر، وجدت أخيرا مكان "ورشة الإبداع". رفقة آخرين، جلست على الأرضية، وبعدها بقليل، جاء أحد الطاعنين في السن ليقول "فقط امشِ في أرجاء الغرفة وعرف عن نفسك، لكن لا تستخدم الكلمات"، وبعد دقائق من التصرف بما يشبه التمثيل الصامت، جعلنا المسن نتوقف، ثم أضاف التقطوا "الماندالا" (رسم معقد داخل دائرة بها أنماط متكررة وبها  العديد من الفراغات للتلوين)، وأشار إلى ما يبدو أنه كومة ورق من كتاب تلوين للاسترخاء الذهني.

    

وقال وهو يشير إلى كمية من أقلام التلوين السحرية "استخدموا هذه لاستحضار الماندالا التي تعبر عن كل واحد منكم". بعد ثلاثين دقيقة من التلوين، طلب منا أن يشارك كل منا الآخر الماندالا الخاصة به. وصفت امرأة كيف أن الماندالا الحمراء تصف طبيعتها العاطفية، وأوضح رجل كيف أن الماندالا السوداء تصف المشاعر السلبية التي تطارد حياته، وشخص ثالث وجد أن الكلمات التي تصف حالته قد تكون متكلفة فرقصت تعبيرا عن الماندالا خاصتها.. بعد مغادرة الجلسة التفتت لي إحداهن قائلة "ما كل ذلك الهراء؟". 

    

 

في كل بلدان العالم تشجع المنظمات القيام بالأنشطة غريبة الأطوار التي لا علاقة لها بعمل الموظفين، لقد حضرت من قبل ورش عمل تعلمت فيها القيام بـ"البيت بوكس" (نوع من التلحين عن طريق الفم) والضرب على الطبول الأفريقية. لقد سمعت عن منظمات تشجع العاملين على المشي عبر ممرات الفحم الساخن، والدخول في دورات الانقضاض العسكري، وتوجيه طوافه عبر المنحدرات الخطرة. بل وهناك منظمات تجبر العاملين على القيام بعرض أزياء للملابس الداخلية، والمشاركة في وليمة أكل الحيوانات البرية، ويتضمن ذلك أكل الحشرات وارتداء ملابس على شكل حيوانات عملاقة لتمثيل حكايات عنها.

      

لقد وصفت زميلتي الساخرة ورشة تلوين الماندالا بأنها هراء، لقد اختارت زميلتي كلماتها بحكمة. فقد وصف الفيلسوف هاري فرانكفورت في جامعة برينستون الهراء بأنه الحديث الذي لا علاقة له بالحقيقة، فالكذب يغطي الحقيقة في حين أن الهراء هو لا شيء، وليس بينه وبين الحقيقة أية علاقة. وقد حملت ورشة الماندالا العديد من المؤشرات المرتبطة بالهراء. لقد وجدت حينها أنه من المستحيل أن نستخلص أي معنى مما نقوم به، والأصعب من ذلك أنني حينما حاولت، لم أستطع التأقلم، لذلك فإنني خلال الجلسة أظهرت تقبلي للأمر بأدب بغض النظر عن اقتناعي.

   

إنني وبعد أن قضيت أكثر من عقد من الزمان في دراسة إدارة الأعمال والمنظمات، أستطيع التأكيد أن استجابتي الضعيفة طبيعية جدا وتحتكم لقاعدة، فالتأدب أمر مهم هنا. قد يكون الهراء بمثابة زيتٍ محركٍ لعجلات المؤانسة. ومما يجب الانتباه له أن محاولة استطلاع الهراء وفهمه قد تكون طريقة قوية لخسارة الأصدقاء وتنفير الناس، حتى في الحين الذي نشم فيه رائحة الهراء، فنحن على استعداد لتجاهله كي نتجنب وقوع الصراع ونحافظ على الأجواء هادئة، فرغبتنا في الحفاظ على التفاعل الاجتماعي تغطي على التزامنا بالتحدث عن الحقيقة.

    

في إحدى الهوامش القصيرة في كتابه عن الهراء عام 2005، وصف فرانكفورت عملية التفاعل بين الفيلسوف لودفيغ فيتغينشتاين وفانيا باسكال، ومعلم روسي هو في الحقيقة صديق فيتغينشتاين. يذكر الكاتب أن باسكال كتبت "لقد استخرجت لوزتاي من حلقي وقد كنت حينها في مشفى خاص، وكنت أشعر بالأسى حيال نفسي". ليعقب فيتغينشتاين "أنا متشائم، أشعر أنني كالكلب الذي تعرض للدهس". على ما يبدو كان فيتغينشتاين متقززا فقال "أنتِ لا تعرفين حقا كيف يكون شعور الكلب حينما يُدهس".

   

إن سؤال المهرطقين الواثقين من أنفسهم عن ماهية أفكارهم بدقة هو طريق آخر لدحض تلك الأفكار

مواقع التواصل
 

لم يبدُ رد فيتغينشتاين غريبا فحسب، بل وقحا أيضا، فلماذا فعل الفيلسوف العظيم ذلك؟ لقد كان ذلك الجواب مُعبرا عن حياته كلها، فقد كرس طاقاته الفلسفية إلى حد كبير لتحديد ومجابهة ما اعتبره صورا تخريبية غامضة من اللامنطق. كان فيتغينشتاين مُشمئزا من ملاحظة باسكال بسبب أنها كانت لا تمت لوصف الواقع بصلة، فقد قالت باسكال إنها غير مهتمة عما إذا كان ما قالته صحيحا أم لا.

   

لو أننا تفاعلنا مع الهراء كلما واجهناه مثلما واجهه فيتغينشتاين، فلربما ستصبح حياتنا صعبة جدا في الواقع. وبدلا من اتباع نموذج فيتغينشتاين، هناك طرق يمكن مواجهة الهراء بها بشكل مهذب؛ الخطوة الأولى هي أن نسأل: ما هي الأدلة على ما يقال، فمن المرجح أن يعمل ذلك على تغيير وجهة نظر المتحاورين، حتى لو كانت النتائج غير حاسمة. والخطوة الثانية هي السؤال عن الكيفية التي ستسير بها فكرتهم. وقد وجد أخصائيو علم النفس في جامعة ييل، وهم: ليونيد روزنبلت وفرانك كيل، أنهم حينما طلبوا من المتناقشين أن يقيموا معرفتهم حول الأشياء اليومية على مقياس من 1 إلى 7 -وهذه الأشياء كالمراحيض مثلا- فإن معظم الناس ستكون إجابتهم 4 أو 5، ولكن حينما طُلب منهم أن يصفوا بدقة كيفية عمل المرحاض، خفضوا تقييمهم لما دون الـ3.

  

إن سؤال أولئك الذي يسوقون الهراء بثقة عن ماهية أفكارهم بدقة، فإن ذلك سيكون طريق آخر لدحض تلك الأفكار. وأخيرا سؤالهم ما الذي يعنيه ما يقولون، وفي غالب الأحيان يعتمد متخصصو الهراء على مصطلحات ميتة مثل "العولمة" أو "التسيير" أو "التحسين"، لذلك فإن إقناع الطرف الآخر بالجانب الآخر من الهراءات اللغوية يساعد الجميع على معرفة ما هو حقيقي وما هو مدسوس بطريقة مهذبة في الحديث.

     

إن السؤال المهذب للرفيق هو إحدى الطرق، لكن الأصعب من ذلك هو الاعتراض على هراءات الزملاء الجدد، وقد كشفت لنا عقود من البحث أن الناس عادة ما يستمعون لردود الفعل الإيجابية ويتجاهلون ردود الفعل السلبية، لكن فردريك أنسيل من كلية كينجز بلندن وجد أن الناس يمكن أن يسمعوا إذا كانت السلبيات تتعلق بالمستقبل، لذا فبدلا من التركيز على الهراء الذي حدث في الماضي، من الأفضل أن نبحث عن طريقة نقلل بها نسبة حدوث الهراء في المستقبل.

     

 

قد يكون التركيز على هراء الزميل في الدرجة الوظيفية صعبا، لكن إذا كان الأمر يتعلق بمدير العمل فسيكون ذلك مستحيلا بالطبع، ومع ذلك نحن نعلم أن المنظمات التي تشجع موظفيها على التكلم عادة ما تميل إلى الاحتفاظ بالموظفين، وتميل أيضا إلى تعلم المزيد وإلى تحسين الأداء. فكيف يمكنك مواجهة هراء رؤساء العمل دون الوقوع في براثن غضبهم؟ توفر الدراسة التي أعدها إيثان بوريس من جامعة تكساس في أوستن بعض الحلول لذلك الأمر. وجد الباحث أن هناك فارقا كبيرا يتعلق بالطريقة التي يطرح بها الموظف أسئلته، فأسئلة التحدي غالبا ما تُقابل بالعقوبة، في حين أن الأسئلة الداعمة غالبا ما تُقابل بجلسة استماع عادلة.

  

فبدلا من أن تتجاوز حدودك وتقول لرئيسك "أنا لا أستطيع أن أصدق هراءك"، ستكون فكرة جيدة قول لماذا لا نتأكد من صحة الأدلة المتعلقة بالأمر، ومن ثم نضبطها قليلا لنجعلها أفضل. في المرة القادمة حينما تواجه هراء سيكون من المُغري أن تتجاوز حدود الأدب، لكن ذلك سيعطي لفن الهراء المساحة والوقت اللذين يحتاجهما. كما أنك قد تميل إلى اتباع نموذج فيتغينشتاين ورد الهجوم بهجوم، لكنه من المُحزن أن المهرطقين عادة ما يكونون مُحصنين ضد الهجوم.

     

ويبدو أن التكتيك الأكثر فعالية في الحرب على الهراء هو تطويقه بطرح أسئلة تحمل تعديلات بناءة، فقد يكون ذلك أفضل من الدحض والتفنيد بشكل مباشر. وهكذا ستكون قادرا على تنظيف الفوضى من الداخل بدلا من الغضب المستعر من الخارج.

______________________________

 

مترجم عن (أيون

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار