اغلاق
آخر تحديث: 2018/2/7 الساعة 15:50 (مكة المكرمة) الموافق 1439/5/22 هـ

انضم إلينا
الدمار لا يعني النهاية.. أمم نهضت رغم خسائر الحروب

الدمار لا يعني النهاية.. أمم نهضت رغم خسائر الحروب

  • ض
  • ض

يمكن القول، بلا خطأ كبير، إن واحدا من أهم أسباب مشاكل الدول العربية في مرحلة ما بعد ثورات الربيع العربي هو الافتقار إلى "نموذج" ما. النموذج الاسترشادي الذي يأتي بتجـربة عالمية لدولة خارج النطاق الإقليمي مرت بظروف شبيهة -أو ربما أسوأ- من التخبط الأمني والسياسي وصراع ماراثوني طويل مع الفسـاد واللا استقرار، ثم استطـاعت أن ترسو في النهاية -بعد حزمة إجراءات تنمـوية- على بر الحضـارة والإبداع والتميز الاقتصادي والعلمي والتقني.

     

في النصف الثاني من القـرن العشـرين شهد العالم صعودا مدهشا لمجموعة من الأمم ربما كان يقبع في آخر قائمة توقعـاتها أن يكون لها حاضـر مليء بالانتعاش الاقتصادي والتنموي الذي تعيشه الآن. أمم ريادية استطـاعت أن تحقق قفزات هائلة خلال زمن قياسي، لتصعد من قاع الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلى قمة التقدم الاقتصادي والرفاهية، وتتحول إلى لاعب رئيسي في الساحة العالمية.

    

هنا نستعرض مجموعة من الوثائقيات المتفرقة التي أنتجتها قنـاة الجزيرة لاستعراض عدة تجـارب نهضـوية عالمية، أربع منها في آسيـا وواحدة في أميـركا الجنـوبية. كل وثائقي يسلّط الضوء على المفـاتيح التي قادت هذه الأمم إلى النهوض، ويقارن بين الماضي البائس والحاضـر المبـهر والمستقبل الواعد بالمزيد من التطوّر، بعد أن دارت العجلـة التي كان الجميع يعتبـرها صدئة. تجـارب واقعيـة لأمم رائدة تنتظـر من يدرسها ويسير على خطـاها، أو على الأقل -وهذا أضعف الإيمان- فهـم مفاتيحها لضمّها لأي نموذج نهضوي محتمل قادم.

      

سنغافورة.. من دولة المستنقعات إلى المعجزة الاقتصادية

      

في عام 1965 تم الإعلان عن استقلال سنغـافورة، والذي لم يكن أمرا مبشّرا على الإطلاق لهذه الجزيرة التي تعتبر أصغر دولة في قارة آسيا على الإطلاق، والأقل من ناحية الموارد. في العام نفسه تولى (لي كوان يو) منصب أول رئيس وزراء للدولة المستقلة حديثا، ليجد نفسه أمام تحديات من الصعب جدا مواجهتها: بلد يعوم على بحر من القذارة وعدم التخطيط، شعب غير متجانس هو خليط من صينيين وهنود ومالاويين، فسـاد إداري ضارب في أعمـاق جهاز الدولة والمجتمع، نسبة فقــر مرتفعة للغاية، أفواه جائعــة، مساكن معظمها صفيحي يعيش فيه الفقــراء.

     

اليوم، هذه الدولة نفسها تغيّـرت تماما؛ حيث تحتـل بشكل دائم تقريبا مرتبة ثابتة في قائمة أغنى عشر دول في العالم، ومن أكثر دول العالم احتيازا للعملة الصعبة، ومن أكثر دول العالم من حيث الاستقرار السياسي في قارة آسيا، وتعتبر أيضا واحدة من أفضـل دول العالم في التعليم، حيث تستقطب وفودا وبعثات عالمية للدراسة في مدارسها وجامعاتها، وتعد نموذجا فريدا للصعود الاقتصـادي يتجاوز أغنى الدول النفطية.

    

ما بين الماضي والحاضـر يقبع السؤال الصعب المكوّن من ثلاثة حروف: كيــف؟ كيف يمكن أن تتحول دولة كانت تعيش فيها مجموعة من متواضعي التعليم والصحة والإمكانيات والكفاءات، ينخر فيها الفساد، ويقطن معظم شعبها الصفائح المتهالكة، وينتشر فيها الفقر بأسوأ أشكاله على الإطلاق إلى دولة عصــرية تعتبر محط أنظـار رؤوس الأموال والمستثمرين، ويقترن اسمها دائما بالرفاهية والتميز والإبداع والكفاءة والجودة في كل ركن من أركـانها. بل وتحولت إلى واحدة من أكثر دول العالم من حيث "غلاء المعيشة" بسبب الارتفاع الهائل لمستوى الرفـاهية لسكـانها وقدراتهم الاقتصـادية على المستوى الفردي.


إجابة هذا السؤال عامرة بالتفاصيل الدقيقة التي شهدها كل يوم تقريبا من أيام الاستقلال سنة 1965 حتى منتصف التسعينيات على الأقل، وهي الفتـرة التي شهدت معجزة سنغـافورة الاقتصادية وتحولها إلى نموذج مذهل عالميا. إلا أنه من الممكن إجمـالها في ثلاث كلمات مفتـاحية: قائد مستنيــر، التعليم، ضـرب الفسـاد بكل الوسائل.

    

كان لي كوان يو -الذي يعتبر الأب الروحي للتجربة السنغـافورية- مهتما بتطوير التعليم في البلاد لدرجة تصل إلى حد الهوس، في الوقت الذي اهتم فيه بتوفيـر الموارد المالية من خلال ضرب الفساد وإحلاله بفرص اقتصـادية واستثمارية كبـرى يمكنها جذب رؤوس الأموال وإطـلاق حركة تنمية شاملة في البلاد. اليوم لا يمكن وصف محاولاته بأي كلمة سوى "النجـاح الباهر" الذي تجسدها سنغـافورة كقوة اقتصـادية هائلة بعد أن كـانت دولة "الشوارع القذرة" في ماضٍ غير بعيد.

      

شروق ماليزيا .. الكفــاءة تقود أمة الى الصعود

        

"إنها قصـة مذهلة. أنا عمري من عمـر ماليزيا تقريبا، أتيت إلى الحيـاة عندما نالت استقلالها، ونشأت فيها عندما كانت مكانا هادئا، ورأيت كيف تطورت إلى ما هي عليه اليوم، التغييرات لا تصدق. تحسنت حياتنا كثيرا بسبب التعليم"

     

لم تكن "ملتقى النهرين" أو "أرض الفراشات"، وهما لقبا مدينة "كوالالمبور" عاصمة ماليزيا، في مظهـرها الحالي قبل 30 عاما تقريبا. كانت مدينة هامشية لا تُزار، يسكنها شعب من المزارعين والغارقين في الفقــر وعدم التخطيط. اليوم، نفس المدينة هي مدينة الأبراج الهائلة وواحدة من أهم مدن التسوق في العالم، ومدينة يرتبط اسمها بالضخامة والحضارة والتمدن، ومدينة مركزية أساسية تعد ثالث أكبـر اقتصـاد في جنوب شرق آسيا.

    

إذا كان هذا قد حدث "بسـرعة"، إلا أنه -قطعـا- لم يكن بالصدفة. كانت هذه النهضـة السريعة المذهلة التي شهدتها ماليزيا بسبب سلسلة من الإصـلاحات التي قادتها قيـادات مستنيـرة ذات كفاءة عالية، استطـاعت أن تحوّل ماليزيا من بلد يدعو للشفقة إلى بلد يدعو إلى الإعجاب والذهول. فالأرقام والمؤشرات وحركة البناء والاقتصاد ومستوى التعليم ومستوى التطور الاقتصـادي الذي تحققه البلاد يجعل ماليزيا واحدة من أهم دول النمور الآسيوية خلال العقود الماضية، لا سيمـا مع مطلع الألفية الحالية عندما بدأت البلاد تجني ثمـار إصلاحاتها السياسية والإدارية والتعليمية واسعة النطاق.

    

من الستينيات وحتى الآن بدأت حركة نهوض ماليزيا بسياسات إصلاحية اقتصادية واجتماعية مختلفة، تستهدف جميعها التطوير والتحديث بشكل أساسي ونقل البلاد من الاقتصاد الزراعي إلى الصناعي والتجاري، كان آخر هذه المخططات خطة 2020 التي أشرفت على الانتهاء تقريبا، والتي خلّفت وراءها بلدا مزدهرا شديد التطور والتمدن يكاد يكون مختلفا تماما عن الماضي. انخفض معدل الفقـر من 50 % (أي نصف الشعب الماليزي كان يصنّف بأنه فقير منذ 50 عاما) إلى أقل من 5 % فقط مع مطلع الألفية الجديدة، وتراجعت الأميّة من أكثر من 70 % إلى أقل من 4 % فقط خلال الفتـرة نفسها.

    

النموذج الماليزي مقارب -ظاهريا- للنموذج السنغـافوري، حيث بدأ كلاهما في نفس الفتـرة تقريباً، إلا أن التفاصيل العميقة مختلفة وفقا لتجربة كل منهما. ومع ذلك، يمكن القول إن التجربة الماليزية ظهـرت في أكبر صورها إبان فتـرة حكم مهاتير محمد الممتدة من الثمانينيات إلى مطلع الألفية الثالثة، والتي تقدمت فيها ماليزيا بشكل هائل اعتمادا على الكفاءات والتركيز على التعليم وضرب الفسـاد واجتذاب الفـرص الاستثمـارية العالمية. بمعنى آخر، كانت كفـاءة القيـادة هي التي لعبت الدور المحوري في تطور ماليزيا اقتصادا وشعبا وتعليما ورفاهية.

     

البـرازيل .. إصـلاحات ما بعد حكم العسكـر

       

تعتبر البرازيل من أهم الدول التي مرّت بتجربة اقتصـادية متقلبة للغاية تشمل عناصر معقدة، باعتبار أن البرازيل -مثلها مثل بقية دول أميـركا اللاتينية- كان لها باع طويل مع حكم الانقلابات العسكـرية ومن ثم الانتقال من حكم الجيش إلى السلطة المدنية، والوقوع في أزمـات اقتصـادية طاحنة غير متوقعة بعد فتـرة انتعاش عظمى غير متوقعة أيضا.

         

كدولة مترامية الأطراف -الأكبر في أميركا اللاتينية- ودولة ضخمة الموارد، كان من الطبيعي أن تظهر في البرازيل بعد الاستقلال عن البرتغال مدن تعتبر مراكز تجارية مع مستقبل يبدو واعدا للغاية للتوسع الاقتصادي. في منتصف الستينيات قاد الجيش انقلابا عسكـرياَ واستولى على الحكـم بادئا فتـرة عسكـرية جديدة شهدت بعض الاضطـرابات في أولها، ثم تحوّلت إلى التنمية بشكـل سريع للغاية، خصوصا مع القدرات النفطية التي شهدتها البلاد، أدت إلى حدوث طفـرة اقتصادية كبـرى في نهاية الستينيات وبداية السبعينـات.

     

في بداية السبعينيات حدثت أزمة النفط التي جعلت الحكومة ذات الطابع العسكري تهتز بشدة، خصوصا بعد تصاعد الاحتجاجات الشعبية، وهو ما استمـر حتى انتهى الأمر بانتقال السلطة من الجيش إلى الحكم المدنى في منتصف الثمانينيات، بشكل اعتبر تدشينا للحكم الديموقراطي، ما أفرز تيارات سياسية تنافسية في الوقت الذي كان الاقتصاد البرازيلي في أسوأ حالاته، ويمر بأزمة ديون طاحنة. على سبيل المثال، في التسعينيات وصل معدل التضخم في إحدى الفتـرات إلى 3000 %، وهو معدل ضخم استطاعت الحكومة التغلب عليه وإعادة الأمور إلى نصابها في نهاية التسعينيات، ومع ذلك استمرت المشكلات الاقتصادية خصوصا على مستوى الطبقة الدنيا والوسطى.

      

في منتصف الألفية الجديدة، وفي فترة حكم لولا دي سيلفيا بدأت البرازيل باتخاذ إصلاحيات جذرية،  بالتوسع في التصنيع وتوزيع النمو الاقتصادي السنوي المرتفع بالتركيز على الفقراء ودعمهم، وهو الأمر الذي اعتبر مفصـلا أساسيا في التطور الذي يشهده الاقتصـاد البرازيلي حتى الآن: الاستثمـار والتنمية والتصنيع من ناحية، وتوزيع الثـروة بشكل أكثر عدلا على الطبقات الدنيا والوسطى من ناحية أخرى.

     

بشكل أو بآخر، تجربة البرازيل الاقتصادية مليئة بالتفاصيل التي تجعلها تجربة شاملة لأي دولة. ما بين الاستحواذ العسكري على السلطة، وتهاوي الاقتصاد، واللجوء لصندوق النقد الدولي، وتنفيذ إصـلاحات داخلية، ومعدلات تضخم مرتفعة، والعمل على تنفيذ إصلاحات تسمح بمعدلات النمو للوصول إلى كل الطبقات. تجربة "دسمة" مليئة بالتفاصيل في كافة أشكـالها ما بين صعود وهبوط، وأزمات وحلول.

      

الصين .. تنين يفرض حضوره على العالم

      

عندما تأسس الحزب الشيوعي الصيني سنة 1921 بواسطة واحد من أبرز رموز الصين على الإطلاق "ماو تسي تونغ"، كانت المبادئ الاشتراكية الشيوعية هي كل شيء تقوم عليه. وفي عام 1949، ومع تأسيس "جمهورية الصين الشعبية" تم تدشين الحزب الشيوعي كحـاكم للصين بنظـام حكم فردي مُطلق يختلف تماما عن أنظمة العالم الغربي الديموقراطية. الحزب الشيوعي مازال هو الحزب الواحد الحاكم في الصين حتى الآن، ويفتح المجال لممثلي الشعب بالتصويت على اختيار رئيس الدولة كل خمس سنوات.

      

بدأت الصين على مدار عقدين تقريبا كدولة زراعية بالكامل، إلا أن الاتحاد السوفياتي -لأغراض تتعلق بالصراع البارد بينه وبين أميـركا- استثمـر في بعض الصنـاعات الثقيلة في الصين طوال فترة الخمسينيات والستينيات، وهو ما جعل الدولة الصينية تستحوذ على عدد من الصناعات الثقيلة الأساسية. لاحقا وفي نهاية السبعينيات قررت الصين أن تحوّل مسـارها الاقتصـادي من الشيوعية الاشتراكية الكاملة القائمة على الاقتصـاد الموجه، إلى اقتصـاد حر. هذا التحول لم يكن تحولا اقتصـاديا على الطريقة الغربية، بل أطلق عليه "الطريقة الصينية" في التحول من الاقتصاد الموجه إلى الاقتصـاد الحر.

        

تتجلى المعجزة الاقتصادية الصينية في هذا التحول تحديدا. نجحت الصين نجاحا هائلا في التحول التدريجي والشامل بدون أزمـات كبيـرة من النظـام الاقتصادي الموجه بالكامل إلى الانفتاح الاقتصادي الكامل عبر سلسلة من الإجراءات الاقتصادية التدريجية المتتالية، اعتبـرت ثورة كبـرى في الاقتصاد الصيني جعلها بقدوم عام 2010 الدولة الأكثر تصديرا في العالم، وحوّلها إلى عمـلاق اقتصـادي عالمي جديد في زمن قياسي، مما أهّلها للعب أدوار سياسية واقتصادية كبـرى لم تكن في متنـاولها سابقا.

 



بقدوم التسعينيات، وصلت معدلات النمو الاقتصادي للصين إلى 7 و 8 % ، ولامست سقف الـ 10 % ليخرج أكثر من 500 مليون صيني من براثن الفقر. أما احتياطها من النقد الأجنبي فقد قفز من 11,9 مليار دولار في عام 1985 إلى أكثر من 3.5 تريليون دولار في عام 2016 ، فضلا عن تقديرات للناتج المحلي الإجمالي للصين بحوالي 11 تريليـون دولار. كما شهدت الصين طفـرة ضخمة في جهازها المصرفي جعلها تضم أربع أكبر بنوك في العالم، وطفـرة في قطاع المواصلات والنقل، وطفـرة في التوسع في الانتاج الزراعي، وطفـرات في التمدد الصنـاعي والتقني لتتحول إلى ثاني أكبـر اقتصـاد في العالم في فتـرة قياسية لا تتجاوز 40 عاما.

      

كوريا الجنوبية .. من أسفل قاع الى اعلى قمة

      

في العام 1960 لم تكن كوريا الجنـوبية كما نعرفها الآن كبلد شديد التطور في شرق آسيا، يعتبر من أكثر البلاد الآسيوية نهوضا وتقدما ومنافسـة لكل دول العالم في جودة المنتجات الذي يصنعها أو الخدمات المتوافرة على أرضه أو مستوى الحضارة والعمـران والتقدم الظـاهر في كل شبر فيه. في الواقع، في بداية الستينيات كانت كوريا الجنـوبية في مستـوى بعض الدول الإفريقية الأكثر فقرا، حيث كان الفقــر والمرض والجهل والجــوع في كل مكان.

     

بلد فقيـر الموارد بشكل كبير، تعرّض خلال النصف الأول من القـرن العشرين إلى عدد من النكبات، حيث تم احتلاله من طرف اليابان وتم إنهاء حكمه الملكي. وبعد الحرب العالمية الثانية، ومع انقسام العالم إلى كتلتين شرقية وغربية، اندلعت الحرب الكورية التي استمرت ثلاث سنوات مابين عام 1950 - 1953 لتزيد من مأساة كـوريا الجنوبية وتخلف وراءها في السنوات التالية مشاكل اقتصـادية تزامنت مع أزمة سياسية شملت صراعات بين اليمينيين واليساريين في الاستيلاء على الحكم.

     

مع هذا التمزّق، آلت السلطة إلى "بارك تشونغ هي" الذي تولى السلطة بشكل ديكتاتوري، واستمر حكمه ما بين عام 1960 حتى اغتياله في عام 1979. ومع ذلك، ركز تشونغ هي على إطعـام الأفواه الجائعة بشكل ملحوظ، ودشّن عددا من الإجراءات الإصلاحية في البلاد التي تستهدف تخفيض معدلات البطـالة وتنشيط الحراك الاقتصادي للبلد الفقيـر الذي يعاني من أزمات كبيرة. إلا أنه في المقابل يتهم بأنه كان ديكتـاتورا استحوذ على كافة وسائل الحكم. كان أقرب إلى ديكتاتور مستنير وضع البنية التحتية لمستقبل باهـر حصدته كوريا الجنوبية لاحقا.

     

في العقود اللاحقة ، ومع دخول كوريا الجنـوبية في رحاب الديموقراطية وتمدد شركـاتها التي تتخصص في الصنـاعات الرقمية والتقنية المختلفة مثل "هيـونداي" و"سامسونغ" وغيرها، استطـاعت كوريا أن تقدم نموذجا من الصعب تخيّله لمن يرى بداياتها في مطلع الستينيات، حيث كان الناس يضطـرون في بعض الأحيان إلى بيع شعـورهم الناعمـة للآخرين كبـاروكات للشعر لتوفيـر بعض المال الذي يعينهم على الحيـاة!

 

  

في النهاية، هذه النماذج تناقش صعود دول في عمق العالم الثالث، وليست نماذج لدول مرتبطة في الوعي العربي بصعوبة المقاربة معها مثل اليابان أو ألمـانيا أو أوروبا الغربية. هي دول مرّت بكل ما تمرّ به الدول العربية حاليا من تدني مستويات الجهل والتنوّع الطائفي وانتشار الفسـاد في كل مفاصل الدولة والحياة، ومع ذلك استطـاعت تخطّي كل هذه العقبات لتصبح على رأس قائمة الدول الأكثر تفوّقا حول العالم.

    

ويظل المعنى المُستلهم من هذه التجارب واضحا: يمكن لأي دولة أن تنهض مهما كانت ظروفها سيئة، ويمكن لأي شعب أن يرتقي مهما كان غارقا في الجهل. وتظل تفاصيـل البناء وكفاءة القيـادة ونزاهتها هي المعيار الأول الذي يحدد ملامح المستقبل.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار