اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/23 الساعة 15:52 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/9 هـ

انضم إلينا
دجاجة عمرو خالد.. كيف تنقذك العلاقات العامة من فضحية؟

دجاجة عمرو خالد.. كيف تنقذك العلاقات العامة من فضحية؟

  • ض
  • ض

"لن ترتقي الروح إلا لما جسدك وبطنك يبقو صح، ومع وصفات آسيـا للفراخ بإذن الله ارتقاءك لربنا في قيام الليل بعد الفطار وفي التراويح هيكون أحلى"

   

ربما لم يكن الداعية المصـري عمرو خالد يتصوّر أن هذه العبارة قد تتسبب له في واحدة من أكبر حملات الهجـوم عليه منذ بدء مسيـرته "الدعـوية" في نهاية التسعينيات إلى اليوم. ففي أول ليلة من ليالي شهر رمضـان، فوجئ الجميع بظهـور عمـرو خالد في إعلان نشره هو نفسه على صفحته الرسمية يروّج فيه لمنتجات إحدى شركات الدواجن السعـودية بأسلوبه الدعوي العاطفي المعتاد، وهو الأمر الذي أثار موجة احتجاج وانتقادات هائلة لم تهدأ حتى بعد أن حذف الإعلان من صفحته بعد عدة ساعات من نشره.

      

نحن هنا بصدد حالة متكاملة الأركان من نموذج الشخصية العامة المؤثـرة -أحببته أو كرهته- الذي تتعرّض علامته التجارية الشخصية (Personal Brand) للضيـاع تحت وطأة هجـوم هائل من الإعلام والصحافة ومواقع التواصل الاجتماعي بسبب خطأ ارتكبه هو بنفسه يرتقي إلى مقام الفضيحة، خصوصا أنه يأتي بعد عدة مواقف أخرى في السنوات الأخيرة كانت سببا في الهجوم عليه، وإن كان الموقف الأخير قد يكون الأكثر تأثيرا.

      

وبعيدا عن دوافع الأزمة وظروفها وأخلاقيـاتها وملابساتها، فإننا في النهاية أمام نموذج آخر من الشخصيات العامة التي تواجه هجوما كاسحا. السؤال الذي يهمنا هنا -من الناحية الريادية-: ماذا ستفعل إذا كنت في مكان عمرو خالد للخروج من هذه الأزمة؟ والإجابة في كلمة واحدة: العلاقات العامة. إدارة حملة علاقات عامة بشكل صحيح هو السبيل الوحيد للخروج من هذا النوع من الأزمات بأقل قدر من الخسائر، وربما العودة مرة أخرى إلى الأضواء.

  

          

قبل أي شيء.. شاهد الأشياء بعين الجمهـور

أول خطوة في طريق إدارة أزمة تمسّ شخصيتك العامة هو أن تدرس الأزمة سريعا من زاوية الجمهور وليس من زاويتك. دراسة الأمور من زاويتك قد تورثك بعض العناد الذي سيؤدي بك إلى السقوط بشكل أكبر في بحر الرمال المتحرّكة، وتزايد مستوى الانتقاد والهجوم ضدك. حلل الخطأ الذي ارتكبته بعين الجمهور لا بعينك، ادرس أدق التفاصيل التي أثارت غضبهم، واسأل نفسك: ماذا سأفعل لو كنت واحدا من الجمهور، ما الذي سوف يستفزني مثلهم؟

   

النظـر إلى المرآة هو أول ما يجب أن تفعله بخصوص إطلاق حملة علاقات عامة خصـوصا أثناء التعرض للأزمات ووضع منهجية دفاعيـة للعلامة التجارية أو الشخصية التي تتعرّض للهجوم. يجب أن ترى ما يراه الجمهور من الزاوية التي يراك منها الجمهور، وليس من خلال ما تراه أنت في نفسك أو من زاويتك. هذه النظرة الفاحصة للخطأ الذي ارتكبته -رغم ألمها- هي التي ستؤهلك لعمل الشيء الصحيح فيما بعد. (1)

      

اعتذر بصدق وبلا مبررات.. ثم خطط لما ستفعله لاحقا

الاعتذار الصادق والمباشر والواضح شيء حتمي لا يمكن تجاهله أو تجاوزه. لا محالة، ستجلس وتكتب بيـانا واضحا يحمل اعتذارا واضحا بصيغة واضحة في سياق واضح، أو ستلقي هذا البيان بنفسك على الجمهور، أو ستنفذه بأي طريقة تتناسب مع نوع الأزمة. المهم أنك سوف تعتذر، ولا يمكن أن تتجاوز هذه الخطوة أبدا.

       

     

طريقة معالجة الاعتذار هي أساس اللعبة كلها، ومن الضـروري أن تُنفّذ وفقا لتوجّهات احترافية من فريق علاقات عامة ومسوّقين محترفين، بدلا من تركها للتقدير الفردي أو الاعتماد على الكاريزما الشخصية. من المهم أن يكون توقيت الاعتذار ممتازا، ليس مبكّـرا أكثر من اللازم وليس متأخرا أكثر من اللازم. التوقيت والأسلوب هما الركنان الأساسيان في تقديم الاعتذار الصحيح الذي يبدأ في إطفاء النيران.

 

والاعتذار يجب أن يكون رسميا ولبقا، يحمل معاني الأسف والاعتراف بالخطأ، والأهم ألا يحمل هذا الاعتذار أوجها من الخضوع أو الذلة تهين صاحبها أو تقلل من شأنه. والأكثر أهمية من كل ما سبق، ألا يُدمج الاعتذار بمبررات من أي نوع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. هذه الخطوة (المبررات) ستُتّخذ بشكل تدريجي لاحقا، بعد تقديم الاعتذار للجمهور بشكل علني. (2)

     

في حالة عمـرو خالد، هو قدّم الاعتذار بالفعل ولكنه لم يكن فعّالا بكل تأكيد. أولا، الاعتذار جاء متأخرا للغايـة -بعد مرور 3 أيام من الأزمة واشتعال مواقع التواصل الاجتماعي بحمـلات عنيفة لانتقاده وتوجيه الإهانات له-، وثانيا أن الاعتذار نفسه لم يكن يحمل من مفهوم الاعتذار سوى كلمة "أنا آسف"، ثم بقية الطرح محاولة للتبـرير، وفي النهاية إلقاء اللوم على الجمهـور ضمنيا أنه تعرّض للظلم، فضلا عن أن الاعتذار حمل بدوره "ترويجا" إضافيا للشركة!

   

اقطع عليهم الطريق.. انتقد نفسك بنفسك

ربما من الصعب أن توجد فضيحة أكبر من فضيحة الرئيس الأميـركي الأسبق بيل كلينتون، الذي سقط سقوطا مدوّيا متورطا في فضيحة جنسية شهيـرة في نهاية التسعينيات، قادت إلى موجـة انتقادات هائلة بحقّه وعاصفة من الهجوم المسلّط عليه من وسائل الإعلام ليس فقط في أميـركا وإنما العالم أجمع. بلا شك، كان الرجل في موقف لا يُحسد عليه، عندما يسقط رئيس أكبـر دولة في العالم الذي يتحدث طول الوقت عن الحريات والأمانة والنزاهة والشرف، يسقط في فضيحة من هذا النوع، هو حتما موقف لا يُحسد عليه ومن الصعب جدا الخروج منه.

      

صورة تجمع بين كلينتون ومونيكا لوينسكي (مواقع التواصل الإجتماعي)
  

وعلى الرغم من أنه واحد من أكثر رؤساء أميـركا كفاءة -بحسب تقييم أجرته "إيه بي سي" (ABC) حاز كلينتون على 65% من رضـا شعبه بعد خروجه من الرئاسة- فإن الأزمة ظلت تلاحقه حتى بعد تركه للمنصب. ومع ذلك، استطاع الرئيس الأسبق علاج الأزمة التي سقط فيها بواحدة من أفضـل حملات العلاقات العامة التي أدارتها بكفاءة.

   

بدأ ظهـور كلينتون المكثف في وسائل الإعلام بشكل صريح يبدأ فيه بالاعتذار أولا ثم ينتقد نفسه بنفسه، ويحكي فيها عن ملابسات الفضيحة التي مرّ بها، في سياق كامل من الانتقاد الذاتي الذي لا يسمح تقريبا لأي شخص آخر أن يوجّه إليه انتقادا أكبر مما وجهه إلى نفسه. في الوقت نفسه، انتهى من تأليف عدة كتب ودعم زوجته في مسيـرتها السياسية، وقام بإلقاء المئات من الخطب والمؤتمرات المختلفة في نواحٍ إنسانية وسياسية، أعادت ظهـوره بمظهر الرئيس السابق المحتـرم، وتناسى الرأي العام هذه الفضيحة.  (3)

   

عند الوقوع في فضيحة مدوّية، من المهم أحيانا أن يكون الاعتذار مصحوبا بحالة من الدراما، حالة من النقد الذاتي العلني أمام الجمهور. ومع ذلك يجب أن يكون هذا النقد حريصا وذكيا يجمع ما بين الطرفة والجدية، ويبعد تماما صاحبه عن الظهـور بمظهـر الضعيف المسكين الذي يجلد نفسه بنفسه ليهين كرامته بشكل أكبر أمام الجمهور. التنفيـذ الصحيح واختيار العبارات الصحيحة هي المحكّ.

   

غيّـر شعورهم بالغضب تجـاهك إلى شعور بالتعاطف
في عام 2007 و2008، بدا أن المغنيـة الأميركية الشهيـرة بريتني سبيـرز تمرّ بأوقات عصيبة كانت على وشك أن تكلّفها خسائر كبيـرة بين معجبيها ومحبيها حول العالم، فعلى الرغم من أن المظهر العام لها يميل دائما إلى التحرر العبثي في التصرفات بشكل يثير إعجاب جمهورها من المراهقين، فإن ما صدر منها تلك الفترة تجاوز كثيرا التحرر للدخول في منطقة الاستياء لدى الجمهور. قامت سبيرز بحلاقة شعرها كاملا أمام الجمهور، وفي موقف آخر قامت بالتعدي على أحد الصحفيين بشكل علني، كما قامت بالتحفظ على أطفالها وحبسهم في المنزل.

      

المغنيـة الأميركية بريتني سبيـرز (رويترز)

  

هذه التصرّفات لم يتقبلها الجمهور باعتبار أنها أمور عادية، بل واجهها بانتقادات عنيفة خصوصا أنها وصلت إلى درجة إهانة أحد الأشخاص والتعامل معه باستعلاء، وهو ما أدى إلى تصاعد رأي عام بمقاطعة ألبوماتها تجاريا. في هذه الظروف، قام فريق العلاقات العامة الخاص بها بالإعلان أن السبب في هذه التصرفات المجنونة التي صدرت منها يعود إلى توترها الشديد والضغط الذي تتعرّض له، فضلا عن أنها كانت تتنـاول بعض الأدوية الموصوفة لها التي جعلتها تميل إلى العصبية وعدم العقلانية في تصرفاتها.

  

النتيجة، تحوّلت موجة الغضب الشديد تجاه المطربة التي بدت لهم "متغطرسة" إلى تعاطف شديد، وبدلا من موجات الهجوم عليها تحوّل الرأي العام إلى "دعمها" في رحلتها العلاجية، وهو الأمر الذي قاد إلى تصـاعد شهرتها مرة أخرى بإقبال الجمهور على أغانيها بالحماس نفسه، مما قادها إلى استعادة مكانها في قوائم الفوربس كواحدة من أكثر المشاهير تأثيرا.  (4)

  

الدرس المستفاد هنا أنه في حالة ارتكابك لأخطاء كبيرة أشعلت استياء جمهورك، من المهم أن يكون من ضمن حملة العلاقات العامة "الدفاعيـة" أن تبرز للآخرين مبررات تدعوهم إلى دعمك وليس الغضب منك، الشعور تجاهك بالأسف وليس الكراهية، وتكون الحجة الدفاعية مقنعة بما يكفي. وقتئذ -إذا أُديرت بشكل صحيح- سيتحول جزء كبير من الحملة الهجومية الغاضبة إلى شعور بالأسف والتعاطف. ودائما "الأسف والتعاطف" من الجمهور أفضل بكثير من التعرض لغضبه.

  

استخدم بعض المرح في نقد نفســك

في منتصف التسعينيات، وفي منتصف مسيرة الممثل البريطاني العالمي الشهيـر "هيو غرانت" الذي وصل إلى قمة تألقه ومجده الفني في تلك الفترة، قُبِض عليه متلبّسا بفعل شائن في الطريق العام بصحبة إحدى فتيات الليل، بتفاصيل مخجلـة للغاية. قامت الدنيا ولم تقعد في أهم فتــرة في حياته العملية على الإطلاق التي يلعب فيها أعظم أدواره.

     

   

وفي مواجهـة سيل هائل من المقالات والاتهامات التي وجّهها إليه الجميع، خرج هيـو غرانت مُعلنا بشكل واضح اعتذاره الكامل عن هذا الموقف، بل وبدأ حملة علاقات عامة ممتازة للانتشار في كافة وسائل الإعلام الأميركي في هذه الفترة، بعكس ما كان متوقعا. لم يختبئ هيو غرانت بعيدا عن الأضواء، بل قاد بنفسه حملة للظهور في كل مكان، لم يرفض لقاء صحفيا واحدا، ولم يرفض الظهور في أي مكان، وكان كل لقاء يظهـر فيه يبدأ فيه قائلا بمنتهى البساطة: أنا أعتذر.

   

لم يكتفِ هيو غرانت بالاعتذار المُجرّد فقط، بل ظهر في أكثر من لقاء ينتقد نفسه ويسخر منها بشكل لاذع، ويشرح كيف تورّط في هذه الفضيحة لدرجة أن الجمهور في بعض الأحوال تجاوب معه بالضحك بدلا من الاتهام. لاحقا، استطاع هيو غرانت أن يقوم بأدوار شديدة التميز أعادته مرة أخرى إلى الساحة بعد الانتقادات الكبيرة التي نالها بكل ما فيها من تفاصيل مشينة. (5)

   

أحيانا يكون من المفيد جدا أن ينتقد المرء نفسه بشكل مرح يدعو الجمهور للضحك. الانتقادات الساخرة للذات في بعض المواقف التي تسببت في الهجوم عليك، إذا تمّت في سياق جيد من اختيار الكلمات والتعبيرات والسياقات، يكون لها أثر ممتاز على الجمهور في تناسي هذه المواقف، وإعادة الشعـور بالاحترام لأصحابها.

   

ابحث عن نجـاح سريع و"حقيقي" في أقرب وقت

في عام 2007، ظهـر الممثل الأميـركي "أليك بالدوين" أمام الرأي العام بصورة شديدة القبح، أقرب إلى الحماقة والغباء والتمرّد، مما كان يهدد مسيرته المهنية بالكامل. طلاق تنـاولته كافة الصحف، تسريب لتسجيل صوتي له يتحدث مع ابنته بطريقة لا تليق على الإطلاق. مواقف مختلفة أورثت الجمهـور انطباعا واضحا أن هذا الرجل أقرب إلى الحماقة وقلة التهذيب والذوق، بغض النظر عن مسيرته التمثيلية الطويلة التي قدّم فيها العديد من الأدوار المهمة.

   

  

الإنقاذ هذه المرة لم يأتِ بحملة علاقات عامة أو اعتذارات أو مبررات من أي نوع، فلحسن الحظ قدّم "أليك بالدوين" دورا رائعا في مسلسل "30 Rock" الذي أُذيع في تلك الفتـرة، وحاز إعجابا هائلا بدوره في هذا المسلسل الذي حصـل فيه على 3 جوائز إيمي لأفضل ممثل كوميدي. كما استطاع أيضا أن يقدم مجموعة أفلام مميزة لاحقا أعادت له الأضواء بأفضل شكل ممكن، وجعلت الجمهـور ينسى تماما الفضائح السخيفة التي أظهرته بمظهـر لا يليق به كممثل ذي كاريزما.

 

من الضـروري تحقيق نجاحات كبــرى و"حقيقيـة" بعد المرور بأزمة علاقات عامة تطال الشخصية، لأن هذه النجاحات تطوي صفحة الأزمات بشكل كامل -مهما كانت بشعة-، بل وربما يُنظـر لاحقا إلى هذه الأزمات باعتبارها كانت دافعا إلى إبداع الشخص لاحقا، وهو أمر يتناوله الجمهور بالإعجاب وليس الضيق أو الكراهية. فقط، يجب أن يكون هذا النجاح حقيقيـا ومختلفا عن مسيـرة الشخصية التي تعرّضت للأزمة.

 

أما العكس، فهو الكابوس بعينه. أن تتعرّض لأزمة عنيفة أقرب إلى الفضيحة، ثم تتلوها بتقديم عمل رديء أو تقليدي أو مثير للاستفزاز، فهذا يعني الهبوط إلى قاع جديد واشتعال حملات أخرى للكراهية والهجوم والنقد اللاذع أكبر من الحملة السابقة. (6)

      

في النهاية، ربما المشكلة الأكبر التي تواجـه بعض أصحاب الشهرة (Celebrities) في مجالات محددة هو افتراض بعضهم القائم على نرجسية ذاتيـة مفادها أنهم طالما استطاعوا الوصول إلى الأضواء، فهي إشارة إلى أنهم قادرون على حل أزمـاتهم بأنفسهم دون الاستعانة بالخبراء، فتكون النتيجة المزيد من السقوط في بحر من الانتقادات المتتالية التي تقود في النهاية إلى غرقهم الكامل. 

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار