اغلاق
آخر تحديث: 2018/5/24 الساعة 13:05 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/10 هـ

انضم إلينا
في عالم الأعمال.. لن تنجح بدون "عدو"

في عالم الأعمال.. لن تنجح بدون "عدو"

  • ض
  • ض

في عالم الأعمال أنت تحتـاج إلى أمرين: الأول "عـدو" أو خصم أو منافس -سمّه ما شئت- دائما أمامك في الواجهـة، وإلا -في حالة غيابه- سيبدو الأمـر كأنك تمارس لعبة الشطرنج بمفـردك.

 

أما الأمر الثاني هو منهج تعاملك مع هذا العدو الذي يجب أن يحمل في طيّــاته كل معاني الحذر والمراقبة والمنافسة والإبداع، وفي الوقت نفسه يحمل بداخله الحب، أو التقدير على الأقل. السبب أن هذا العدو يمثّـل الدافع الأساسي والوحيد لأي إنجاز ستحققه تقريبا. كل تطوّر تقوم به في شركتك وراءه الرغبة في منافسة عدوّك، قد يمد إليك هذا العدو يد المساعدة يوما، وقد تكون إهـانته لك دافعا لتأسيس شركة عمـلاقة، وقد يكون حذرك المستمـر من تميّزه هو الدافع الأكبر للإسراع في الابتكـار والتطويـر.

   

أحبوا أعداءكم.. فقد يكونون سببا في إنقاذكم

في منتصف التسعينيات، كانت شركة آبل تعاني أزمة وجوديـة في كل أركانها تقريبا، أزمة مالية عنيفة وتراجع في المبيعات وتراجع في قيمتها السوقية، فضلا عن اضطـرابات كبيـرة في الإدارة وتخبّط في اتخاذ القرارات. كانت الشركة العملاقة التي تأسست في السبعينيات، واعتُبرت طوال الوقت فرس الرهان المنافس لنظيـرتها "مايكـروسوفت" تعاني من أزمة كادت تطيح بها تماما من السباق، ليبقى حصـان مايكروسوفت الأسود مستحوذا على السوق العالمي.

       

      

في تلك الفتـرة، وكحـل أخير من الشركة للبقاء، تم الاتفاق على استرجـاع مؤسسها الأول "ستيف جوبز" إلى منصب الرئيس التنفيذي للشركة، وكُلّف باتخاذ كل ما يلزم من إجراءات لإعادة الشركة للحياة أو على الأقل إيقاف نزيفها وعدم دخولها في منطقة الاحتضار. بدأ ستيف جوبز رحلته في إصـلاح الوضع وإعادة ترتيب أوراق الشركة، لكن الأزمة المالية الطاحنة التي كانت تمرّ بها كان من المستحيل تجاوزها بشكل داخلي، وكان لا بد من يد خارجيـة للإنقاذ.

 

من أي ناحية يمكن تصوّر أن اليد المنقذة ستمتد لانتشال آبل من أزمتها الوجودية؟ من ناحيـة مايكـروسوفت، الغريم الأول والوحيد لشركة آبل الذي كان من المنطقي أن يبتهج لانهيار شركة آبل وبقائه متفردا على الساحة، ولكن هذا لم يحدث. في عام 1997 أعلنت شركة مايكـروسوفت استثمـار 150 مليون دولار في أسهم شركة آبل المنافسة لها، بهدف إنقاذها من أزمتها الطاحنة وانتشالها من كبـوتها وإعادتها إلى مسارها الطبيعي.

  

كان هذا الاستثمـار تحولا هائلا في مسيرة آبل، حيث استطـاعت الشركة بعد مرور عدة سنوات من إطـلاق جهازها الأسطوري الأول "آيبود" في عام 2001 الذي اعتُبر نقلة نوعية هائلة في مسار الشركة، أتبعتها بجهاز آيفون في عام 2007، ثم جهازها اللوحي الأول في عام 2010، لتتفوّق بشكل ملحوظ على شركة مايكـروسوفت التي أنقذتها في عام 1997 من هلاك محقق.

    

غلاف صفحة التايمز، ستيف جوبز يوجّه رسالة إلى منافسه بيل غيتس (مواقع التواصل الإجتماعي)

     

لماذا مدّت مايكروسوفت يد العون لإنقاذ آبل من الغرق؟ بالطبع لم يكن الأمر عاطفيا أو من باب الشهـامة، وإنما بسبب قرارات مدروسة جيدا، فعلى الرغم أن كلا من بيل غيتس وستيف جوبز حظيـا بمعرفة بعضهما البعض لفترة طويلة -وإن لم تكن علاقتهما الشخصية جيدة- فإن دخول مايكروسوفت للإنقاذ كان سببه الحفاظ على آبل كشركة واعدة في تطوير أجهزة الكمبيـوتر، مع ضمـان بقاء مايكـروسوفت -وقتئذ- على عرش شركة السوفت وير في العالم، فضلا عن أن بقاء آبل على السطح يحمي مايكـروسوفت من شبهـة "الاحتكـار" لسوق الكمبيـوتر العالمي وقتها، الذي كان من الممكن أن يتسبب في مُساءلات قانونية.

  

ما زال ما حدث بين شركتي مايكروسوفت وآبل المتنافستين في التسعينيات يعتبر من أوضح النماذج التي يُضـرب بها المثل على ضـرورة الحفاظ على وجود المنافس القوي دائما في حلبـة السباق وليس التخلّص منه، لأن وجوده سيعني في معظم الأحوال وجود الدافع الذاتي لتطوير الإبداع، وهو ما جعل المراقبين يصفــون العلاقة بين الشركتين العملاقتين المتنافستين حتى الآن بأنها علاقة "حب وكراهية متبادلة" (A Love - hate Relationship). (1، 2، 3، 4)

     

أحبوا أعداءكم.. فإهانتهم لكم قد تكون سببا في إخراج أفضل ما لديكم 
على الرغم أن العالم كله تقريبا يعرف اسم "فيـروتشو لامبـورغيني" مؤسس شركة لامبـورغيني الإيطـالية للسيارات الرياضية الفاخرة، واحدة من أفضل وأقوى شركات السيارات في العالم وأغلاها ثمنـا، فإنه من الصعب جدا أن تجد من يعرف ظروف بداية وتأسيس هذه الشركة، وإذا وجدت من يعـرف فغالبا لن تجد من يصدّق قصتها بسهـولة.

      

منذ طفولته وفيـروتشو مغرم بالمحركات، درس في معهد تقني تخرّج فيه للعمل كميكانيكي سيارات بدا واضحا أنه مميز لدرجة الاستثائية. لاحقا قرر أن يدمج حبـه للميكـانيكا بالنمط الزراعي، فقـرر افتتاح ورشة صغيرة لصناعة الجرارات الزراعية تحديدا بإمكـانيات ممتازة تساعد الفلاحين في الأراضي الزراعية على حرث أراضيهم بشكل جيد.

  
فيروتشو لامبـورغيني (مواقع التواصل الإجتماعي)

         

بدأت العجلة تدور، واستطـاعت ورشة فيروتشو الصنـاعية أن تحقق نجاحا باهـرا في إنتاج الجرارات الثقيلة التي أحاطها بكل خبراته وملاحظاته وتطويـراته، مما جعله يحقق أرباحا كبيـرة وأموالا طائلة. وكأي شخص وجد في جيبه أموالا طائلة، كان أول ما يفعله هو الاستمتاع بها. وكأي إيطـالي آخر تجول في ذهنه فكـرة الاستمتاع بالأموال، كان من الطبيعي أن ينفقهـا على شراء سيـارات فاخـرة ومميزة من كافة الأنواع، حتى أصبح لديـه أسطول كبير من السيارات المختلفة، وعلى رأسها السيارة الفاخـرة العالميـة الأولى "فيـراري".

  

ولكن فيروتشو لم يكن شخصا عاديا، بل كان مهووسا بميكانيكا السيارات والمحركات، وكان من الطبيعي أثناء قيادته لسيارته الفيـراري أن يلفت انتبـاهه عدة خصائص بها تسببت في حدوث أعطال ميكانيكية بها. وباعتباره خبيـرا في الميكانيكا، بدأ في استشكاف العطل بنفســه ثم انطلق إلى مركز للصيانة تابع لشركة فيـراري وأخبرهم بالعطــل وسببه وكيفيــة حلّ المشكلة كذلك! لكنّ العاملين في الشركة رفضوا الاستماع لنصـائحه، وأبلغوه أن يأتي ليستلم سيارته في وقت لاحق.

  

وعندما عاد الإيطـالي الثري لاستلام سيارته الفارهة بعد الصيانة، اكتشف أن المشكلة ما زالت موجودة ولم يتم علاجها، وهو الأمر الذي جعله يطلب لقاء رئيس شركة "فيراري" ليطرح عليه المشكلة ويطرح عليه حلها من واقع خبرته الواسعة في محركات السيارات. وبالفعل تم اللقاء الذي كان نقطـة تحوّل كبــرى في مسار صنـاعة السيارات الرياضية الفاخـرة بشكل كامل.

 

بعد فترة من الانتظار اعتبـرها "فيروتشو" مهينة، سُمح له بمقابلة إنزو فيراري مؤسس الشركة ليدور بينهما نقاش بدا هادئا ثم تصاعدت فيه الأصوات لدرجة كبيـرة، حيث اتهمه مؤسس فيـراري بأنه يتحدث فيما لا يفهمه، وأنه من الأفضـل أن يستمر في صناعة الجرارات التي يقودها المزارعون، وأن رجلا مثله لا يمكن أن يتحدث بخصوص تفاصيل فنية لسيارات رياضية فاخرة مثل فيـراري!

 

هذا اللقاء تحديدا خرج منه فيـروتشـو لامبـورغيني محمّلا بالإهانة، ومحمّلا أيضا بالغضب والرغبـة في الانتقام لنفسـه بأفضل وسيلة ممكنة، مما دفعه إلى اتخاذ أهم قرار في حياته: سوف يطـلق شركة سيـارات خاصة به تعمل على صناعة سيارات رياضية بمحرّكـات جبـارة لها مزايا فائقة، تنافس شركة فيـراري التي اتهمه رئيسها بالجهل.

   

  

بعد مرور عدة أشهـر فقط من هذا الموقف، استيقظ العالم كله على إعلان إطـلاق شركة إيطالية جديدة تحمل اسم "لامبـورغيني" في مايو/أيار عام 1963، تنتج سيارات رياضية ممتازة تحتوي على مشاكل أقل من السيارات الرياضية المنافسة ومزايا أخرى وأسعار أفضل، لتتحول في العقود التالية إلى واحدة من أفضل شركات السيارات العالميـة الرياضيـة.

   

لاحقا، ومع النجاح الكبيـر الذي حققته لامبورغيني في السنوات التالية، قال فيروتشو لامبـورغيني في حوار صحفي له في عام 1991:

"في أحد الأيام في مدينة مودينا كنت أدخل إلى أحد المطاعم، عندما تعرّفت على إنزو فيراري جالسا على إحدى الطاولات. مررت من جانبه وحاولت أن ألقي عليه التحية، لكنه أبعد رأسه إلى اتجاه آخر وتظـاهر أنه يتحدث مع شخص يجلس بجواره حتى يتجـاهلني. تعوّدت أن أتواصل مع كافة رؤساء شركات السيارات العالمية، لكن فيـراري تحديدا لم يتحدث لي مرة أخرى بعد هذا الموقف!"

  

ويبقى دائما السؤال المرتبط بقصة تأسيس لامبـورغيني: ماذا لو استمع عامل الصيانة الأول لاقتراحاته منذ البداية وقام بإضافتها إلى المحركات بلا مشاكل؟ ماذا لو كان إنزو فيراري استمع له بهدوء، ووافق على تطبيق اقتراحاته دون أن يهاجمه؟ ربما كان سوق السيارات الآن مختلفا تماما. (5، 6، 7، 8)

   

أحبوا أعداءكم.. فوجودهم أكبر دافع للإبداع 
بشكل عام، قطعا لا يوجد أسوأ من نموذج "الإخوة الأعداء". عندما يتحوّل الإخوة المتحابون إلى أعداء متحاربين، فالمشهد النهائي يجسّد واحدا من أكبر معضلات الشر قبحا في الحياة. ومع ذلك، هذه الحالة -رغم كونها حالة مقيتة بما يكفي- استطاعت أن تنتـج ثنائيا تنافسيا من أهم نماذج الشـركات العالمية الناجحة التي غيّــرت صنـاعة الملابس الرياضية بشكل جذري خلال عقود. نتحدث هنا عن شـركتي "بوما" و"أديداس" الألمانيتين.

     

      

يعود كل شيء إلى "دايسلر" الأب الألمـاني العادي الذي لم يبرع في أي شيء في حياته سوى صناعة الأحذية. كان يملك مصنعا صغيرا في إحدى المدن الألمانية، وكان ابناه "رادولف" و"أدولف" هما المساعدين الأساسيين له في تشغيل مصنعه. في عام 1936 وأثناء دورة الألعاب الأولمبية في برلين، استطاع دايسلر أن يجتذب عددا كبيرا من الرياضيين الذين فضّلوا ارتداء الأحذية التي يقوم بتصنيعها، مما جعل مصنعه من أكثر مصانع الأحذية شهرة في تلك الفترة.

  

ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية، فتغيّر كل شيء. ومع وفاة دايسلـر، بدأت الخلافات -أثناء الحرب- بين الأخوين تظهـر وتأخذ طابعا عنيفا بينهما بخصوص طريقة إدارة المصنع بعد أبيهم، الأمر الذي قادهما في النهاية إلى الاتفاق أن الحل الوحيد لإنهاء هذه الخلافات هي تقسيم المصنع إلى نصفين، يقوم كل منهما بإدارة نصفه الخاص بشكل مستقل عن الآخر.

 

وفي أواخر أيام الحرب العالمية، ومع اقتراب انهيار ألمانيا النازية وخسارتها أمام الحلفاء، وتحت وطأة القصف الهائل للطائرات السوفياتية والبريطانية والأميـركية، قرر رادولف أن يتوجه بعائلته إلى الملجأ الذي يعيش فيه أخوه أدولف ليسوّيا خلافاتهما ويقضيا معا آخر أيامهما، ليُفـاجأ بأخيـه يصرخ من الداخل -وهو لا يلاحظ أن رودلف قد وصل-: ها قد عاد الأوغـاد الملاعين(2) مرة أخرى (The dirty bastards are back again!).

      

       

كان أدولف يقصد بهذه العبارة عودة الحلفاء إلى القصف مرة أخرى، لكنّ أخاه اعتبرها موجّهة له، وتم تسجيل هذا الموقف -الطريف أكثر من كونه مؤلما- كواحد من أهم الأسباب التي عادت لإشعال الخلاف بين الأخوين والإصرار على تقسيم مصنع الأب بعد انتهاء الحرب، حيث استولى رودلف على نصف المصنـع وسمّـاه "رودا" (Ruda) في البداية ثم حوّله إلى "بوما" (Puma)، بينمـا افتتح أدولف النصف الخاص به وسمّـاه باسم "أديداس" (Adidas).

 

كانت هذه اللحظـات المليئة بالكـراهية هي ضربة البداية لرحلة طويلة من أشرس المنافسات بين اثنين من أكبر الماركات التجارية العالمية الرياضية، أديداس وبوما. أصبحت الشركتان كفرسي رهان بسبب كفاءة الأخوين وتشرّبهما مبادئ صنـاعة الأحذية من والدهما دايسلر، مع تعدد مهارات كل منهما في التسويق للأحذية واستخدام أفضـل الأفكار في جعلها الأحذية الأفضل من حيث الإمكانيات والمرونة والسرعة. والأهم، كانت هذه الخصومة سببا في تحفيز الإبداع في كلا الشركتين لإظهـار أفضل ما لديها للتغلب على غريمتها، وهو الأمر الذي عاد بالإفادة على كليهما وعلى الصناعة العالمية للملابس والأجهزة الرياضية على مرّ عقود طويلة. (9، 10، 11، 12)

    

في النهاية، تعوّد أن تحب أعداءك وتعتبـرهم محفّــزات دافعة لحركة نجاح شركتك، مهما كان مستوى العداء والمنافسة القائمة، فرُبّ عدو ساعدك على النجاح بجعلك تسهـر الليالي للعمل والإبداع، ورُبّ صديق قرّبك إلى الفشـل بزرع راحة مزيّفة ظاهـرها الاطمئنان وباطنها الفشل.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار