انضم إلينا
اغلاق
بعيدا عن خرافات الشغف.. كيف تجد الوظيفة المناسبة لك؟

بعيدا عن خرافات الشغف.. كيف تجد الوظيفة المناسبة لك؟

  • ض
  • ض

مرحلة ما بعد التخرّج من الجامعة هي المرحلة التي يختلط فيها التفاؤل بالقلق، مع ظهـور حزمة من علامات الاستفهام الأولى المؤرّقة: ما نوعية الوظيفة التي سأعمل بها بعد أن أنهيت الدراسة الجامعية؟ هل أعمل في الوظيفة التي تحقق طموحاتي المالية والاجتماعية، أم أتجه إلى الوظائف التي تُرضي شغفي وميولي في الحياة؟ هل سأعمل في وظيفـة بشهادتي الأكاديمية نفسها أم أن طريقي سيكون بعمـل مسار وظيفي مختلف تماما عن مجال تخصصي؟

  

مع ذلك، لا يتوقف الأمر فقط على الخريجين الجدد، وإنما يمتد أيضا إلى مختلف الأعمار بما فيها مرحلة منتصف العمــر وقرارات تغيير المسار الوظيفي (Career shift) بالنسبة إلى أشخاص قضوا فترة طويلة في مزاولة مهنة معيّنة ثم قرروا التخلي عنها لمزاولة مهنة أخرى بدءا من نقطة الصفر. في كل الأحوال، وسواء لحديثي التخرج أو لمن في منتصف مسيرتهم المهنيـة، يبقى موضوع البحث عن وظيفة مناسبة تجمع ما بين السعادة والمال هو الموضوع الجوهري الأول في حياة كل شخص مهما كان مجال دراسته أو وضعه الاقتصادي والاجتماعي.

   

على مسرح "تيد" أُلقيت مجموعة من المحاضـرات شديدة الأهمية والتأثير بخصوص المسار الوظيفي، وما المبادئ التي يجب أن يتبعها أي شخص في أي مرحلة عمـرية للوصول إلى الوظيفـة الصحيحة التي يتمناها والتي تحقق له آماله وتطلعاته في الحيـاة.

     

كيـف تجد العمل الذي تحبه ويثير شغفك؟!

      

"منذ ثماني سنوات، تلقّيت أسوأ نصيحة مهنية في حياتي، فقد قال لي أحد أصدقائي: "لا تلقِ بالا لكونك تحب عملك الذي تقوم به أم لا، فكل ما يهم هو بناء سيرتك الذاتية""

     

أكثر من خمسة ملايين مشاهدة حققتها المحاضـرة الشيّقة التي ألقاها سكوت دنسمـور على مسرح "تيد" في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2012، والتي جعل عنوانها بسيطا ومركزا: "كيف تجد العمل الذي تحب؟" في الواقع على الرغم من بساطة السؤال وشيوعه، فإن دنسمـور ينقل هنا تجـربة شخصية جديرة جدا بالاهتمام، حيث قرر في لحظة من اللحظات أن يترك عمله الذي كان يجعل منه تعيسا -رغم أنه كان يعمل في شركة عمـلاقة-، ثم أمضى أربع سنوات كاملة من حياته بحثا عن عمل ممتع ومُجدٍ يحقق ما يبحث عنه بالضبط، وليس مجرد عمل آخر جديد.

    

في هذه المحاضـرة يوضح سكوت دنسمـور أهم المبادئ الأساسية التي ينصح باتباعها للباحثين عن الوظائف للابتعاد عن منطقة "أعمل في أي وظيفة" والانتقال إلى منطقة "أعمل في الوظيفة التي أحبها". بالطبع الأمور ليست بهذه البساطة حتى في البلاد الغربية، فما بالك بالبلاد التي تُعاني من أزمات اقتصادية وإنسانية مثل العديد من الدول العربية. ومع ذلك، تبقى المبادئ التي يتنـاولها المُتحدث واحدة. يزداد الأمر صعوبة عندما تكون غير قادر على تحديد المجال الذي يثير شغفك أصلا، وهو الأمر الذي سيتطلب منك خوض رحلة كالتي خاضها دنسمــور، والتي يشارك عصــارتها من خلال هذه المحاضرة.

   

ربما أفضل شخص للوظيفة ليس صاحب أفضل سيرة ذاتية
          

فلنفترض للحظة أنك مؤسس أو مدير شركة. شركتك بدأت اليوم بالبحث عن مجموعة من الأشخاص المؤهلين لشغل عدد من الوظائف بها. حسنا، بدأت التقديمات في الانهمار، جبل من السير الذاتية الورقية والإلكترونية، وتم بالفعل تحديد المرشحين المؤهلين بشكل مبدئي. ستجد نفسك أمام نموذجين، النموذج (أ) له سيرة ذاتية مثالية وتوصيـات رائعة، والنموذج (ب) خريج مدرسة حكـومية عادية، يحمل قدرا من التنقل بين الوظائف لأعمال مختلفة مثل أمين صندوق ونادل في مطعم. تذكـر، الاثنان مؤهلان للوظيفة. السؤال هنا: من ستختار لشغل الوظيفة؟!

  

هذا السؤال المثير تطرحه ريجينا هارتلي في واحدة من أشهـر محاضـرات "تيد" التي لامس عدد مشاهداتها عبر المنصة الرسمية سقف ثلاثة ملايين ونصف مشاهدة، واعتُبرت من أكثر المحاضرات تداولا في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة. في هذه المحاضرة تطرح هارتلي تصورا جديدا استثنائيا بخصوص شغل الوظائف بالنسبة إلى الشباب والخريجين وحتى المؤهلين من ذوي الخبرات الوظيفية، وهي أنه ليس شرطا أن تكون أكثر خبرة وكفاءة لكي تكون مؤهلا لشغل وظيفة معينة. العبـرة ليست في طول السيرة الذاتية، بقدر ما تكون العبـرة في توظيف الشخص الصحيح.

  

من الشخص الصحيح الذي تسعى وراءه المؤسسات المخضـرمة في هذا العصر؟ تقول هارتلي -المتخصصة في إدارة الموارد البشرية- أن الشخص الصحيح هو دائما الشخص "المشتبك" كما وصفته، الشخص الذي استطاع سابقا تجاوز الكثير من الصعاب في حياته سواء المهنية أو الشخصية أو الإنسانية. هذا النموذج تحديدا الذي يمثل أولئك الذين حققوا النجاح في أشد الأماكن والمواقف إظلاما يتحلون بالعزم والقدرة على العمل بشكل ممتاز في بيئات الأعمال المتغيرة. بمعنى آخر، تـرى "هارتلي" أن التوظيف الأفضل دائما يكون باختيار المرشح الأقل تقديرا والأكثر شغفا. أو -بحسب تعبيـرها- المرشح الأكثر اشتباكا الذي يحمل الحد الأدنى من المؤهلات الوظيفية، ولديه القدرة على تجاوز الصعوبات والعمل تحت الضغوط أكثر من غيره.

   

تبحث عن وظيفة؟ سلّط الضوء على قدراتك وليس خبرتك  

      

"أتعرفون من الذي يستحق الحسد هذه الأيام؟ أولئك الذين يعملون في وظيفة لها علاقة بتخصصهم الجامعي -ضحك من الجمهـور-. الصحافيون الذين درسوا الصحافة، المهندسون الذين درسوا الهندسة، الحقيقة أن هؤلاء الأشخاص لم يعودوا القاعدة، بل الاستثناء. توصلت إحدى الدراسات في عام 2010 إلى أن ربع خريجي الجامعات فقط من يعملون في مجال له علاقة بشهاداتهم الجامعية. شخصيا تخرجت بشهادتين في علم الأحياء، ما يثير استياء والدي هو أنني لم أصبح طبيبا أو عالما -ضحك-!"

     

محاضـرة شهيـرة ألقاها جيسون شين على مسرح "تيد" في نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2017 وحققت إقبالا كبيرا من المشاهدات. في الأساس جيسون درس علم الأحيـاء في تخصص أكاديمي دقيق، ثم سارت به الحياة وصولا إلى العمل مدير منتجات في إحدى كبرى شركات التقنية العالمية. كيف انتقلت به الحياة هذه النقلة من تخصص أكاديمي بيولوجي إلى وظيفة تقنيـة بحتة؟ وهل هذا أمر سيئ أم أمر طبيعي في العالم الذي نعيشه الآن حيث الربط بين الشهادة الأكاديمية والتخصص الوظيفي يكاد يكون هو الاستثناء وليس الأساس؟

   

في ست دقائق يشارك جيسون بعض الأفكـار الجديدة التي تعتبر شديدة الأهمية للباحثين عن عمـل سواء من الخريجين الجدد أو من هم في منتصف مسيرتهم الوظيفية. التركيز هنا على أن القدرات البشرية المختلفة هي التي تحدد مسار النجاح الوظيفي وليس فقـط الخبرات المذكـورة على الورق أو السيرة الذاتية. كيف يمكن للباحث عن العمـل أن يركز على تنميـة قدراته للقفز إلى وظيفـة مميزة قد تكون أبعد ما يكون عن تخصصه الأكاديمي؟ ولماذا يجب على أصحاب العمــل أيضا البحث عن القدرات أكثر من الشهادات في هذا العصـر تحديدا؟!

   

كن صانعا للفرص      
       

المشكلة التي تتحدث عنها الكاتبة كاري أندرسون تعتبر واحدة من أكثر المشاكل شيوعا والتي تتسبب بالضرورة في تعثرات كبيـرة في حياة الأشخاص المهنية والوظيفية، ناهيك عن الحياة الشخصية. تتحدث كاري أندرسون عن "الخجل" الذي يتسبب في إعاقتك عن إيجاد الفرص وصناعتها. الخجل من التقدم لوظيفة معينة، الخجل من الذهاب إلى مقابلة شخصية بداعي أنك غير جاهز، الخجـل من اقتحام الفرصة وانتزاعها من المنافسين.

  

بشكل ما، كل واحد منا لديه موهبـة خاصة يتمنى أن يعثـر عليها ليبدأ في صناعة أشياء ذات معنى في حياته. ولكن دائما يقف أمام سؤالين: كيف يبدأ أولا، وكيف يتجاوز رهبة البداية ثانيا، خصوصا لو كانت شخصيته نفسها شخصية ترهب التجارب، وتعتبـر الجرأة والاقتحـام والحـركة من الأمور الثقيلة عليها والتي لا يمكن تجاوزها بسهولة. في المحاضرة التي حققت أكثر من مليوني ونصف مشاهدة، تشـرح كاري أندرسون قصتها مع الخجل المزمن، وكيف استطاعت أن تتحرر منه لتتحول إلى "صانعة الفرص" في حياتها المهنيـة والأكاديمية، بعد أن كانت لفتـرة طويلة "مُهدرة للفرص" بسبب شعـورها الانسحابي الدائم. وكيف استطاعت لاحقا مساعدة الآخرين في تجاوز هذه الأزمة.

   

سبب الفشل في الحصول على مسيـرة عمل عظيمة      

       

"حسنا.. إليكم هذا السر الصغير: هل تريدون العمل بجدية؟ اطمئنوا، سوف تنجحون. العالم سيمنحكم فرصة للعمل بجدية. لكن السؤال هنا، هل أنتم واثقون أن هذا سوف يمنحكم مسيرة عمل رائعة ومستمرة ومليئة بالبهجة؟ هذا موضوع آخر يحكمـه "الشغف" ولا شيء سواه. الشغف شيء أكبر من مجرد "الاهتمام العابر"، إنه الشيء الذي يجذبكم أكثر من أي شيء آخر"

    

أكثر من ستة ملايين مشاهدة حققتها محاضـرة البروفيسور لاري سميث أستاذ الاقتصاد في جامعة ووترلو والتي تعتبر من أكثر المحاضرات اختصارا ووضوحا فيما يخص تفضيلات المسارات المهنيـة واختيار التخصصات الوظيفية. يشرح سميث لك -بشكل يجمع ما بين البساطة المرحة والصراحة الحادة- الأسباب التي لن تجعلك تحظى بمسيـرة عمـل عظيمة، وبالتالي استلهام الدروس العكسيـة التي يجب أن تقوم بها للوصول إلى هذه المسيرة التي لا تعني فقط كفاءة وظيفية عالية، وإنما أيضا الاستمتاع بالحياة والشعور بالإنجاز.

      

كلمة "شغف" هي محــور هذه المحاضـرة، يركز المتحدث عليها شارحا مفهوم الشغف بشكل صحيح وعملي بعيدا عن التعريف العاطفي له، ويحدد بعض المحددات التي من الممكن أن تساعد أي شخص في الوصول إلى مرحلة تحديد هدفه، ومن ثمّ الوصول إليه مؤسسا لحياة وظيفيـة عظيمة، حتى لو كانت في مجال آخر تماما غير مجال تخصصه الدراسي، أو حتى غير مجاله المهني الذي استمر فيه لعدة سنوات.

    

حتى تجد العمل الذي تحبه.. لا تتبع شغفك!  

     

على مسرح "تيد" في مدينة "تالين" عاصمة دولة إستونيا، ألقى بينجامين تود محاضـرته التي استطاعت أن تحقق مشاهدات مليونية تجاوزت ثلاثة ملايين ونصف، وتعتبر من أكثر المحاضـرات التي لاقت إقبالا جماهيـريا في مجال التوجيه الوظيفي. في هذه المحاضـرة يتجّه بنجامين اتجاها مغايرا للخطاب التحفيزي المعتاد الذي يؤكد أن العثـور على الشغف هو الأساس الذي يجب أن يسعى له كل شخص في المسار الوظيفي حتى يضمن له الاستمرارية والبقاء والإبداع في وظيفته.

   

الاتجاه العام الذي ينادي دائما بمقولة "اتبع شغفك" ليس صحيحا دائما، حيث أظهرت بعض الدراسات أن الأشخاص الذين يسعون في هذا الاتجاه لا يحققون دائما مفهوم المتعة أو التميز في وظائفهم. الحل البديل الذي يطرحه بينجامين تود هو السعي وراء القيمة. ادخل في المجالات ذات القيمة الكبيــرة وليس دائما المجالات التي تحقق شغفك، وقتئذ ستضمن تحقيق مسيرة وظيفية ممتازة في جوانبها المادية والمعنـوية معا.

   

في المحاضـرة يشرح بينجامين مجموعة من المحاور التي تدعم هذا الاتجاه من بينها استعراض تجربته الشخصية كمؤسس ومسؤول عن إدارة مشروع خيـري في أكسفـورد لمساعدة الطلاب والخريجين في تحديد المسارات الوظيفية المناسبة لهم، قضى خلالها أكثر من 80 ألف ساعة عمل في هذا المجال، وهو الأمر الذي جعله يكوّن فكـرة ممتازة عن الطريق الصحيح للوصول إلى الوظائف المثالية لكل شخص، حتى لو بدت له في لحظة من اللحظات غير مثيرة للشغف الذي رسمه لنفسه.

  

لكي تحصل على وظيفة أحلامك.. ثق في كفاحك       

       

"النجـاح لن تجده في نهاية الخط المستقيم، النجاح ستصل له بعد مشوار متعرّج به الكثير من الصعود والهبوط"

  

هكذا بدأت زين أشر، المذيعة البريطانية من أصول نيجيرية التي تعمل في محطة "سي إن إن" (CNN) الدولية حديثها الشيّق على مسرح "تيد"، والذي حقق مشاهدات لامست سقف المليون مشاهدة. المحاضـرة تحكي بعض المبادئ الإنسانية والمهنية التي تعلمتها زين أشر في سبيل وصولها إلى الوظيفة التي تحبها.

   

قبل أربع سنوات من إلقاء هذه المحاضرة، لم تكن زين أشر أكثر من مجرد موظفة استقبال في إحدى المؤسسات في كاليفورنيا، بعد أن وصلت إليها قادمة من بريطانيا محمّلة بحياة تراوحت ما بين الصعوبة في وفاة أبيها وأخيها في حادث سيارة، وما بين تعليم جيد حصلت عليه بسبب إشراف والدتها الصارم. في ذلك الوقت أدركت أشر أن وظيفة أحلامها هي أن تصبح مذيعة ومراسلة أخبار، وكان هذا الحلم شبه مستحيل في ذلك الوقت لموظفة استقبال.

  

ما فعلته هو أنها لم تنتظر، بدأت في الاتصال بوكالات الأخبار المحلية لتسألهم عما يمكن أن تفعله حتى تعمل مذيعة أخبار! هكذا وبمنتهى البساطة والوضوح، استطاعت أن تجمع المعلومات اللازمة ثم قامت تطوعا بتأجير كاميرا وعمل جولة ميدانية في لوس أنجلوس موثّقة لترسلها إلى وكالات الأنباء المختلفة لإقناعهم أن لديها القدرة على العمل. في الوقت نفسه حددت طريقها في مجال الأخبار الاقتصادية وأهّلت نفسها بتدريب مستمر لمعرفة كافة المعلومات والبيانات الاقتصادية.

  

النتيجة: عُيّنت مراسلة في وكالة الأخبار المحلية، ثم انتقلت منها إلى العمل في "سي إن إن" (CNN) فقط خلال أربع سنوات بدأتها كموظفة استقبال. خلال هذه السنوات تعلمت زين أشر مجموعة من القواعد تشاركها في المحاضرة، أولها أن تثق في كفاحك ومعاناتك وتعرف -أثناء هذه الرحلة- أنها سوف تصب في النهاية في طريق نجاحك وتميزك في وقت من الأوقات.

    

      

في النهاية، الصبر والمرونة هما الأساسان اللذان تقوم عليهما رحلة البحث عن الوظيفة المناسبة. قد تأتيك الوظيفة الصحيحة بعد التخرج مباشرة، وقد تأتيك في منتصف العمر، وقد تأتيك بعد قرار شجاع بتغيير مسارك الوظيفي إلى مسار آخر بعد سنوات طويلة قضيتها في أداء وظيفة معينة. في كل الأحوال، الأمر يتطلب الكثير من المرونة والتخطيط والإصرار، لأنه في النهاية بحثك عن الوظيفة الصحيحة المناسبة هو في الأساس بحث عن الاستقرار الذي تنشده.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار