اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/4 الساعة 15:33 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/21 هـ

انضم إلينا
"من يضحك أخيرا يضحك كثيرا".. استراتيجية الأزمات للشركات الناجحة

"من يضحك أخيرا يضحك كثيرا".. استراتيجية الأزمات للشركات الناجحة

  • ض
  • ض

بشكل عام، حالة "إنك لن تستطيع معي صبـرا" حالة شائعة في عالم الشركات الناشئة، إن لم تكن الأكثر شيوعا. تبدأ في تأسيس الشركة من الصفر وتطويرها عبر إنفاق المال واجتذاب الكفاءات والمهارات، واضعا نصب عينيك هدفا واحدا وهو الوصول إلى المرحلة التالية. ثم يبدأ بالتدريج شعور الحماس بالتحوّل إلى شعور بالذعر، عندما تكتشف أن المرحلة التالية تأخرت جدا بشكل يفوق ما كنت تتوقعه، إلى أن تصل الأمور إلى درجة الشك أن هنـاك مرحلة تالية بالأساس.

      

الصبر هو الصفـة الأهم على الإطلاق التي يجب أن يتحلّى بها رائد الأعمال. لا يمكن أن يوجد ريادي ناجح لا يتحلّى بهذه الصفـة، لأنها الشيء الوحيد الذي يضمن بقاء المشروع لفترة أطول، خصوصا في أوقات الأزمات الوجودية. الصبر -المدعوم بالتخطيط والمتابعة السليمة- هو الذي يساعد شركة حديثة التأسيس أن تحقق أرباحا جيدة، وهو الذي يدفع شركة ناشئة إلى الحصول على تمويل جيد، وهو الذي يجعل شركة ناشئة يصلها عرض استحواذ كبير. بدون الصبر، اللعبة تنتهي مبكـرا.

  

المئات من الشركات الناشئة تُغلق سنويا حول العالم، بعضها قد يكون قرار إغلاقها سليما، ولكن البعض الآخر يكون السبب في قرار إغلاقها هو عدم قدرة مؤسسيها على تحمّل وطأة المتطلبات المالية، خصوصا في ظل غياب أي وعود مستقبلية تتيح لهم الشعور بأن شركـاتهم قد ترسو قريبا على بر الأمان. في الوقت نفسه، هناك شركات ضـرب أصحابها مثالا مُدهشا في الصبر والتحمّل إلى أن استطاعوا الوصول سالمين.

  

بلـوغر.. النجدة في اللحظات الأخيرة

    

الشعور بالإحباط لا يكون شعورا عابرا في المعتاد أثناء البدء في تأسيس شركة ناشئة، بقدر ما يكون شعورا مُلازما. هذه متلازمة يمرّ بها معظم من بدأ في طريق تأسيس مشروع ناشئ، خصوصا عندما تبدأ الأزمات الكبيـرة في الظهـور ويتحوّل الأمر تدريجيا من حماس البدايات إلى ذعــر الشعور باقتراب النهايات، خصوصا عندما يبدأ الوقت في المرور دون أن تحقق الشركة أرباحا كافية ويبدأ المشـروع في التحول إلى مصدر استنزاف مالي لصاحبه.

    

هذا بالضبط ما شعر به "إيفان ويليـامز" المبرمج ورائد الأعمـال الأميـركي بعد فتـرة من إطلاق مشـروع "بلوغر" (Blogger) عبر شركته الناشئة "بايرا لابز" (Pyra Labs) في الفتــرة ما بين عام 1999 وعام 2000، وهي الفتـرة المعـروفة بأنها فتـرة "فقــاعة الإنترنت" (Dotcom Bubble)، حيث تزاحم الجميع في إطـلاق مشروعه الناشئ عبر الشبكة الرقمية الهائلة التي كانت تتمدد عالميا بسرعة.

    

منذ الشهور الأولى لتأسيس المنصّة، بدت مشـروعا رقميا واعدا بلا شك. منصّة تفتح أبواب التدوين للجميع في عالم ما قبل وسائل التواصل الاجتماعي، تسمح لأي أحد أن يدوّن ما يريد سواء مذكـراته الشخصية أو ملاحظاته أو حتى تحويل منصّته إلى منصة أخبارية أو تقارير مهنية. بمعنى آخر، كان تأسيس منصّـة "بلوغـر" نقلة مختلفة تماما عما كان سائدا في ذلك الوقت، حيث اقتصـرت المواقع على الإنترنت ما بين مواقع أخبار وخدمات وبعض المنتديات.

   

ومع ذلك، بدأت المشاكل في الظهـور. المنصّة ممتازة وتحقق إقبالا كبيـرا لكنها لا توفّر نموذجا ربحيا (Business Model) تحصد من ورائه الأرباح الكافية لتشغيل المشـروع واستمراره وتطويره لاحقا، حيث كان الرهان أولا وأخيرا على مستوى إقبال الجماهيـر على المنصة ومن ثمّ تبنّيها بواسطة شركات كبرى. بمعنى آخر، لم يكن الوصول إلى نموذج ربحي ثابت هدفا لمؤسسها في تلك الفتـرة.

   

فقط بعد مرور عام واحد من إطلاق "بلوغـر"، بدأت السيولة النقدية تنفد من يد مؤسسها "إيفان ويليامز"، وهو الأمر الذي دعاه إلى تخفيض عدد الموظفين قليلا في شركته. ومع ذلك، لم يبدُ أن هنـاك أملا في دعم أو تمويل أو استثمـار، الأمر الذي جعله يتخلّى عن المزيد منهم إلى أن اضطـر إلى التخلّي عن كامل الموظفين العاملين على مشروع تطوير "بلوغر" (Blogger) توفيرا للتكاليف، وتعهّد هو بإبقاء المشـروع على قيد الحيـاة فقط بتركيز كل ما تبقى لديه من سيولة نقدية على استمرار المشـروع، والبحث عن طرق ووسائل ربحيـة يمكنها أن تلعب دور قُبلة الحيـاة لشركته الصغيرة.

        

منصة "بلوغر" في عام 2001، قبل استحواذ شركة غوغل عليها

        

أخيـرا، جاء الفـرج. في نهاية عام 2002، بعد عامين من الصراع على البقاء، تقدمت شركة غوغل التي كانت وقتئذ شركة محرّك بحث رقمية واعدة، ولم تكن قد تحوّلت إلى العمـلاق الرقمي العالمي الذي هو عليه الآن. تقدمت الشركة وقتئذ بعـرض استحواذ كامل على منصّة "بلوغر" (Blogger) بقيمة 50 مليون دولار، تقوم على إثـره شركة غوغل بضم "بلوغـر" إلى مجمـوعة خدمـاتها الرقمية. ومن هذا التاريخ، لا تزال مدوّنات "بلوغــر" واحدة من أهم خدمـات غوغل الكلاسيكية التي لم تتغيـر ولم يتم حذفها طوال هذه المدة.

  

بعد هذا الاستحواذ، انطلق رائد الأعمال إيفان ويليامز في مسيـرة ريادية واسعة ساعدته في المشاركة في تأسيس ورئاسة مجموعة من أهم المشروعات الرقمية العالمية مثل "تويتـر" ومنصة "Medium" وغيـرها، لتتجاوز ثـروته اليوم نحو المليار دولار ويعتبر من أهم روّاد الأعمال الأميـركيين. (1، 2، 3، 10)

    

إيفـرنوت.. الإنقاذ يأتي في الثالثة صباحا
فيل ليبين، أحد مؤسسي "إيفرنوت" (غير معروف)

    

في عام 2008، وبعد مرور عدة أشهـر من إطـلاق تطبيـق "إيفرنوت" (Evernote) المتخصص في تنظيم مهـام الأفراد والشركات، بدأ كلٌّ من رائدي الأعمال المؤسسين للتطبيق "ستيبان باشيكـوف" و"فيل ليبين" الشعور بالقلق حول مصيـر هذا التطبيق. في تلك الفتـرة، وعلى الرغم من قوة التطبيـق والمزايا التي يقدمها، فإن الشركـة لم تستطـع فيما يبدو أن تقدم نموذجا ربحيا جيدا يحميها من الانهيـار خصوصا في سنواتها الأولى.

   

وبعد فتـرة طويلة من "طرق أبواب" المستثمـرين والممولين المخاطرين والشركات الداعمة، كانت الردود دائما تأتي بشكل سلبي أو لا تأتي على الإطلاق. هذه الحالة البائسة جعلت فيل ليبين باعتباره المدير التنفيذي يتخذ قرارا نهائيا بتسريح الموظفين تدريجيا في الشركة، ومن ثمّ إغلاقها بعد الانتهاء من تسريح الموظفين وسداد مستحقـاتهم والانتهاء من كافة الالتزامات القانونية والتجارية الأخرى، ليصبـح "إيفــرنوت" مشـروعا فاشلا تم إغلاقه بعد مرور نحو عام من إطلاقه، وذلك لعدم جدواه التجـارية وسقوط الشركة في دوامة من الأزمات المالية الخانقة.

    

وفجأة، وبشكل يبدو أقرب إلى الخيـال أكثر من الواقع، جاء الإنقاذ في الثالثة صباحا في إحدى الليالي الكئيبة التي كان يمرّ بها فيل في تلك الفتـرة. في تلك الليلة، وبشكل اعتيادي كان فيل يتصفّح بريده الإلكتـروني قبل الذهاب إلى النوم، ليفاجأ برسالة طويلة من شخص ما في دولة السـويد يقدّم له نفسه باعتباره أحد المستثمـرين المخاطـرين، وأنه اكتشف تطبيق "إيفـرنوت" واهتم جدا بتطوير بهذا المنتج ويسعى للاستثمـار فيه. وكان قيمة المبلغ الذي طـرحه للاستثمـار الأوّلي لدعم "إيفـرنوت هو" 500 ألف دولار.

       

   

كان هذا المبلغ بمنزلة الإنقاذ الإلهي للمشـروع، والذي رحّب به فيل فورا جاعلا إياه يعيد النظـر بالكامل بخصوص قرار إغلاق الشركة وتسريح الموظفين، حيث قام باستغلال المبلغ في التركيز بشكل كامل على تطوير بعض الإمكانيات في التطبيق التي تساعد على إعادة إقلاع الشركة من جديد، والعمل على نموذج ربحي ثابت يضمن وجود دخل للشركة يحميها من الانهيار.

   

وهذا ما حدث بالفعل، حيث استطـاعت الشركة النهوض مجددا لتحصل لاحقا على سلسلة تمويلات هائلة من مستثمـرين مغامرين مختلفين، حيث حصلت الشركة على تمويل بقيمة 20 مليون دولار في عام 2010، ثم تمويل آخر بقيمة 85 مليون دولار في عام 2012، ثم تمويل ثالث بقيمة 20 مليون دولار في عام 2014، مما جعل الشركة تتوسّع لتفتتح سبعة مقرات لها حول العالم في أميركا والهند والصين واليابان، وليبلغ عدد موظفيها نحو 250 موظفا. واليوم يعتبر تطبيق "إيفـرنوت" واحدا من أهم تطبيقـات تنظيم الأعمال على الهواتف الذكية وتقدر قيمته بأكثر من مليار دولار. (4، 5، 6)

    

باندورا.. فلتعش الشركة ولو عملنا بلا أجر!

  

في عام 1999، تأسست شركة "باندورا" حاملة معها آمالا عظيمة بالنجاح والتوسع. الشركة من أوائل الشركات الناشئة التي عملت في مجال الموسيقى الحرّة باعتبارها أداة ترشيحات موسيقية راديوية حرة عبر الإنترنت، حيث استفادت الشركة من صعـود شبكة الإنترنت عالميا في ذلك الوقت لتقديم خدمة حرة للجمهور باقتراح ما يفضلونه من أغانٍ وموسيقى للاستماع لها، بحيث تعتبر المنصّة كأنها من الجمهور وإلى الجمهور.

 

في البداية حققت الشركة نجاحا جيدا جدا بسبب فكـرتها الممتازة التي قام عليها المؤسس تيم ويسترجرين بشكل ممتاز، خصوصا مع وجود جمهور كبير من الشباب والمراهقين في تلك الفتـرة يفضلون هذه النوعية من الخدمات الموسيقية. النتيجة أن الشركة حصلت سريعا على تمويل مبدئي بقيمة مليوني دولار، مما أتاح لها أن تتوسع في استقطاب الموظفين والعاملين لديها ليشمل عددا كبيرا من الموظفين بدوام كامل.

 

لاحقا، بدأت المشاكل تظهـر في الأفق أثناء "فقـاعة الإنتـرنت" (dotcom bubble) التي كان لها جوانب إيجابية كبـرى في انتشار المواقع والشركات الناشئة، ولكن أيضا كان لها جوانب سلبية أدت إلى فشل الكثير جدا من المشروعات الناشئة، حيث كان التركيز الكامل من طرف الشركات وقتها منصبا على الاهتمام بحصد الزيارات للمواقع والخدمات، دون أن يكون هناك اهتمام بنموذج ربحي حقيقي يضمن البقاء للشركة. في هذه الفتـرة انهارت الكثير من الشركات الناشئة تحت وطأة فقاعة الإنترنت، وبدأ المستثمـرون المغامـرون في وضع حدود مشددة قليلا بخصوص ضخ أموالهم في المشـروعات الناشئة.

 

كانت شركة "باندورا" في وسط العاصفة. في عام 2001 نفدت كافة أموال الاستثمار التي حصلت عليها الشركة، وهو الأمر الذي اضطـر المؤسس أن يسعى للحصول على تمويل عاجل سريعا من طرف المستثمـرين المغامرين ومؤسسات التمويل المخاطر، ولكنه قوبل بالرفض من أكثر من 300 مموّل إما بشكل مُباشر وإما بوعود بالمساعدة لاحقا لم تتحقق أبدا. في هذا الوقت، لم يكن أمام تيم ويسترجين سوى طريقين، إما إنهاء شركة "باندورا" والخروج من السباق مثل عشرات الشركات الناشئة الأخرى، وإما البقاء في ساحة القتال والصبــر حتى الحصول على تمويل جديد.

 

قررت الشركة الصمود والبدء في عمل نموذج ربحي مختلف، كما تخلى مؤسسها عن عدد كبير من الموظفين، وقام في الوقت نفسه بإقنـاع أهم 50 موظفا يعملون في الشـركة أن يستمروا في عملهم في الشركة بدون أجر لمدة عامين للمرور من هذه الأزمة بسلام، ومن ثمّ سيمنحهم التعويضات اللازمة بمجرد استقرار الشركة وحصولها على التمويلات اللازمة لبقائها ومنافستها في الأسواق.

       

    

النتيجة: استطاعت شركة "باندورا" الصمود ولم تسقط، وعلى مدار عامين قامت الشركة بالتحرّك في أكثر من طريق للتعاون مع شركات ومؤسسات كبرى وشركات المحمول وغيرها لدعم خدمة الموسيقى، كما بدأت الشركة في طرح باقة من الخدمات المدفوعة لعملائها في الوقت نفسه الذي بدأت فيه طرح نموذج ربحي لخدمـاتها المجّانية يكفل لها المردود المادي الذي يضمن بقاء الشركة، وهي الإجراءات التي أعادت الشركة مرة أخرى إلى الحيـاة في عام 2004.

 

في عام 2011، طُرحت أسهم "باندورا" لاكتتاب عام في البورصة لتتحول إلى شركة عامة، ومن ثم قامت في السنوات اللاحقة بالاستحواذ على عدد من الشركات الناشئة الصغيرة لدعم خدماتها، ليصل عدد مقـراتها اليوم إلى 26 موقعا وأكثر من 2200 موظف يقدمون خدمـات الشركة لنحو 80 مليون مستخدم نشط. (7، 8، 9، 10)

      

       

في النهاية، يمكن القول إن الذي يضحـك أخيرا في معركة تأسيس الشركات الناشئة وإدارتها هو من يصبـر طويلا. كل شركة عظيمة احتلت مكـانا مميزا في عالم الأعمال جاءت من رحم معاناة في بداية انطلاقها أو منتصف مسيـرتها، لكن إصرار مؤسسيها في الاستمرار على قيادتها وتجاوز الأخطاء وتوجيهها بالشكل الصحيح قادها إلى نجـاح قد يتجاوز ما كان يحلم به المؤسسون أنفسهم.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار