اغلاق
آخر تحديث: 2018/6/5 الساعة 13:01 (مكة المكرمة) الموافق 1439/9/22 هـ

انضم إلينا
فشلك بالعشرينات قد يكون بداية لنجاحك بمراحل عمرك اللاحقة

فشلك بالعشرينات قد يكون بداية لنجاحك بمراحل عمرك اللاحقة

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
 

"عمري الآن 23 عاما ولم أحقق أي شيء يُذكــر. تجاوزت الخامسة والعشـرين من عمـري وبالكاد أعمل في وظيفة. اقتربت من الثامنة والعشرين ولم أحقق أي شيء مما كنت أتمنـاه. وصلت إلى الثلاثين من عمـري ولم أصبح مليونيرا بعد!"

     

هذه العبارات هي من أكثر العبارات ترددا على ألسنة الشباب اليوم. حالة كاملة من الهلع والفزع بخصوص العمـر، ربما لم تكن موجودة في أي حقبة من السابق. حتى وقت قريب، كان المراهق والشاب العشـريني يتعامل مع عمـره بأريحية، باعتبار أنه ما زال في أول الطريق. ولكن في عصرنا الحالي، عصـر السرعة والتعجل (Hurry and scurry life)، ومع صعود نماذج مثل مارك زوكربيرغ وغيره من روّاد الأعمال الذين كوّنوا ثروات مليارية في عمر مبكـر، أصبح الشباب يتعاملون مع عمـرهم العشـريني باعتباره "نهاية الطريق" وليس بدايته.

    

بالقطع هذا التصوّر ليس صحيحا. لدينا هنا مجموعة من أكثر النماذج نجاحا في الحياة عموما وعالم ريادة الأعمال خصوصا، تقلّبت فتـرة مراهقتهم وعشـرينيّـاتهم ما بين الوظيفة العادية أو الحيـاة شديدة البساطة، والتي تحوّلت لاحقا إلى حياة عامرة بالنجاح والتميز والإبداع. كانت العشرينيات بالنسبة إليهم نقطة انطـلاق لنجاح أكثر نضجا واستدامة لاحقا.

  

مارك كــوبان.. عبقري يعمل نادلا في مطعم

    

من الصعب جدا أن يجهل أحد في الغرب اسم "مارك كوبان"، واحد من أهم وأشهر روّاد الأعمال في أميـركا، يعمل في السينما والتأليف ولديه عدد كبير من الشركات، وهو يعتبر أحد أبرز الضيوف الدائمين في برنامج "شارك تانك" (Shark Tank) الذي يعتبر أهم برنامج لاستعراض المشروعات الريادية للشركات الناشئة، باعتبار أنه -مارك كوبان- من أهم المستثمـرين المخاطرين الداعمين للمشروعات الناشئة في الولايات المتحدة.

  

الواقع أن كل هذا البريق لم يكن موجودا عندما أتمّ مارك كوبان عامه الخامس والعشرين متخرّجا في جامعة إنديانا. انتقل مارك بعدها إلى العيش في مدينة دالاس ليجد نفسه مُضطـرا لكي يعمل نادلا في أحد المقاهي. لاحقا، استطاع أن يحصل على وظيفة مندوب للمبيعات في متجر لبيع برامج الحاسوب، وأحرز فيه تقدما ملحوظا مستغلا قدراته التسويقية الكبيرة، لكنه سُرعان ما تعرّض للطرد في واحدة من أهم المراحل الفاصلة في حياته المهنية.

  

أثناء عمله في المتجر، استطاع مارك تأمين صفقة قدرها 15 ألف دولار لصالح الشركة التي يعمل بها، في الوقت الذي كان مديـره غير موجود. وعند عودة المدير، واكتشافه لهذه الصفقة، أمره ألا يستمر في عقد الصفقة لأسباب روتينية بحتة، وهو الأمر الذي خالفه مارك واستمر في إجراءات الصفقة، ليفاجأ بعد أن نجح في إتمامها بالفعل أن مديره قرر طرده من العمل بالفعل!

 

كان هذا الموقف الذي عايشه مارك وهو في منتصف عشـرينياته سببا قويا للتفكيـر في ترك العمـل الوظيفي لدى الآخرين والبدء في تأسيس شركة يديرها بنفسه، وهو ما حدث بالفعل حيث قام بإطـلاق شركته الأولى "مايكـرو سولوشنز" (Micro solutions) التي كانت ضربته الأولى في عالم التجارة والأعمال، والتي قادته إلى ما هو عليه الآن كواحد من أهم رواد الأعمال في العالم، حيث تُقدّر ثروته بأكثر من 3 مليارات دولار ونصف.

 

يقول في كتابه "كيف تنجح في العمل التجاري؟": "عندما قدمت إلى دالاس، لم أكن أملك المال الكافي لأستأجر شقة خاصة بي، لذا اضطررت للسكن في شقة أتشارك فيها مع 6 أشخاص، وهو الأمر الذي جعلني أحلم دائما بأن أتمكن يوما ما من العيش في منزل واسع، وكان ذلك الأمر يشكل دافعا بالنسبة لي لكي أحسّن وضعي المالي". (1، 2، 3)  

  

مؤسس إمبراطورية ستاربكس.. موظف عادي تماما

    

هاورد شولتز يقتـرن دائما اسمه بالعلامة التجارية الشهيرة "ستاربكس". رجل أعمال أميـركي، مؤسس سلسلة مقاهي "ستاربكس" العالمية التي تعتبر أكبر سلسلة مقاهٍ في العالم الآن بعشرات الآلاف من الفروع الموزّعة حول مدن العالم كله تقريبا. ثـروة شولتز تقدر بنحو 3 مليارات دولار، وهو يحتل مركزا شبه دائم في قائمة الفوربس لمليارديرات العالم.

   

بالعودة إلى عشـرينياته، لم يكن هاورد شولتز سوى موظّف مبيعات في شركة "زيـروكس" الأميـركية لمستلزمات الطباعة والمكاتب. صحيح أنه كان موظفا مميزا، لكنه في النهاية كان مجرد شاب أميـركي عادي من أسرة متوسطة تخرج في جامعة نوث ميتشغان، وعمل في التسويق في عدة شركات حتى انتهى به الحال إلى "زيروكس" التي قضى فيها معظم فترة عشرينياته، ومنها إلى شركة هامربلاست المصنّعة لآلات القهـوة.

 

في الثامنة والعشـرين من عمـره، وبقدوم عام 1981، قام شولتز بزيارة لأحد العملاء الذي تورّد له شركته آلات القهوة، وكان متجرا صغيرا لبيع القهوة يدعى "ستاربكس" في سياتل بولاية واشنطن الغرب. بمجرد زيارة شولتز للمتجر أعجبه جدا طريقة عمـله، وهو الأمر الذي جعله ينتقل إلى العمل لدى متجر "ستاربكس" الصغير كمدير تسويق للمتجر. لاحقا دبّت خلافات بينه وبين أصحاب المتجر، الأمر الذي دفعه إلى التخلي عن الوظيفة لديه في عام 1985، والاتجاه إلى العمل الحر.

 

عندما وصل شولتز إلى عمر الثالثة والثلاثين، كان قد بدأ افتتــاح مقهــاه الخاص الذي أطلق عليه اسم "جورنال" والذي حقق نجاحا سريعا بسبب تكتيكات شولتز التسويقية المميزة التي اكتسبها من سنوات خبرته الطويلة في مجال التسويق والقهوة، وهو الأمر الذي جعله يتمكن من شراء "ستاربكس" التي كان يعمل لديها سابقا، ويبدأ في تأسيس إمبراطوريته الواسعة ليتحول مقهى ستاربكس إلى أكبر مقهى في العالم. (4، 5)  

   

صانعة هاري بوتر.. سكــرتيرة وأم مطلّقة


   

لا أحد في العالم لا يعرف جي كي رولينغ، واحدة من أثرى وأقوى نساء العالم شهرة وتأثيرا، باعتبار أنها العقل الذي أنتج "هاري بوتر" واحدة من أكثر الشخصيات الخيالية الأدبية والسينمائية انتشارا في العالم. لكن الذي لا يعرفه الكثيـرون فعلا حول العالم أن رولينغ لم تأتِ إلى العالم منتمية إلى أسرة ثرية أو ظروفها كانت ممتازة، بالعكس كانت الظروف التي مرّت بها تعد في حد ذاتها سببا آخر للاحتفاء بنجاحها العالمي.

   

عندما كانت رولينغ في الخامسة والعشـرين من عمـرها، كانت قد مرّت بسلسلة ظروف لا يمكن وصفها بالسهلة إطلاقا. كانت قد حصلت على شهادتها في الأدب الكلاسيكي من جامعة إكستر، ثم انتقلت إلى فرنسا لفترة بسيطة، ثم البرتغال لتعمل معلّمة، إلى أن تزوّجت زواجا فاشلا مريعا، جعلها تحصل على الطلاق وتعود إلى بريطانيا برفقة ابنتها الوحيدة لتقضي فتـرة طويلة من الإقامة مع أختها بعد فاجعة وفاة أمها، وتحصل على إعانة بطالة من الحكـومة، حتى استطاعت العمل سكرتيرة في مكتب منظمة العفـو الدولية.

  

في تلك الفتـرة، بالتحديد عندما كانت في الخامسة والعشرين من عمـرها وتستقل قطـارا من مانشستـر إلى مدينة لندن، حيث تأخر في الوصول إلى وجهته لمدة أربع ساعات، خطـر لها في ذلك الوقت تحديدا فكـرة كتابة رواية "هاري بوتر" التي بدأت في تنفيذها مباشرة مساء ذلك اليوم، بالتوازي مع الاستمرار في عملها سكـرتيرة لإعالة نفسها وابنتها، إلى أن انتهت منها بحلول عام 1995 عندما وصلت إلى الثلاثين من عمـرها، وأطلقت عليها اسم "هاري بوتر وحجر الفيلسوف".

 

على مدار عامين كاملين، استمرت رولينغ في الذهاب إلى دور النشر المختلفة لنشر روايتها الأولى، فكانت تلقى الرفض دائما باعتبار أن العمل متواضع وأن دار النشر لن تستطيع أن تنشر رواية خيالية طويلة بهذا الشكل. في النهاية، وبعد رفضها من أكثر من 12 دورا للنشر، وافقت إحدى دور النشر في بريطانيا على نشر الرواية، لتظهـر إلى النور في عام 1997 وتثير ضجة هائلة في عالم الأدب، مما دفع الأم المطلّقة السكـرتيرة إلى كتابة عدد كبير من أجزاء السلسلة التي تحوّلت جميعها إلى أفلام سينمائية أدرّت مليارات الدولارات. (6، 7، 8)

   

ريتشارد برانســون.. إلى عالم الأعمال مبكرا

    

ريتشارد برانسون وضعه مختلف. البريطاني مؤسس إمبـراطورية "فيرجن" (Virgin) التي تشمل كل الصناعات تقريبا بدءا من صناعة الموسيقى ومرورا بعالم الطيران وليس انتهاء بشركات خدميـة مختلفة، بدأ رحلته الريادية مبكـرا للغاية منذ السادسة عشرة من عمره، بعد أن ترك المدرسة بناء على انتقادات المعلّمين له بأنه فاشل يعاني من أزمة "عسر القراءة"، وهو ما جعلهم يتنبأون أن حياته ستكون شديدة الصعوبة.

 

في عمـر العشـرين، افتتح ريتشارد برانسـون شركـة للتسجيل الرقمي أتبعها بعد عامين بافتتاح استوديو رقمي للتسجيلات. وعند وصوله إلى عمـر السابعة والعشـرين كانت شركة "فيرجن" التي أسسها برانسون واحدة من أكبر شركـات التسجيل الموسيقي في العالم في ذلك الوقت التي تتسابق عليها الفرق الموسيقية للتسجيل فيها. وعندما وصل برانسـون إلى الثلاثينيات، كانت "مجموعة فيرجن" قد تحوّلت من شركة للتسجيل الرقمي إلى عدة شركات أخرى وصل عددها إلى أكثر من خمسين شركة في مجالات مختلفة.

اليوم مجموعة "فيرجن" تضم أكثر من 400 شركة يعمل لديها أكثر من 27 ألف موظف، وتبلغ ثروة برانسون أكثر من خمسة مليارات دولار في رحلة بدأها في فتـرة المراهقة، وما زال يجني ثمـارها حتى الآن. (9، 10)  

   

جيف بيزوس بدأ حياته بطهي البرغر

    

جيف بيزوس مؤسس شركة أمازون يحتل حاليا موقع أثرى أثرياء العالم بثـروة تتجـاوز الـ 130 مليار دولار متفوّقا على بيل غيتس مؤسس مايكـروسوفت الذي احتل هذه المكانة لسنوات طويلة. الآن تعتبر أمازون أكبر عملاقة للتجـارة الرقمية في العالم أجمع، وتستحوذ على العديد من الشركات الكبرى بدورها، وتعتبر من أكبر محرّكات الاقتصاد الرقمي في أميـركا والعالم.

   

بيزوس لم يبدأ حياته الرياديـة مليارديرا ولا عبقريا. الواقع أنه بدأ حيـاته المهنيـة في وظيفة بأحد مطـاعم ماكدونالدز وهو في فتـرة المراهقة مثله مثل الملايين من المراهقيين الأميركيين الذين يعملون في ماكدونالدز لجني بعض المال من ناحية، والتدريب في واحدة من أكثر شركات العالم انضباطا في معايير الجودة والكفاءة من ناحية أخرى. ومع ذلك، لم يكن بيزوس، بحسب العديد من الكتب والتقارير التي تؤرّخ لمسيـرته الريادية، جيدا على الإطلاق في صناعة شطائر البرغر.

   

على الرغم أنها لم تكن أوقاتا طيبة بالنسبة إلى بيزوس، فإنه ذكـر أنه تعلم الكثير خلال الفترة التي قضاها كمراهق يعمل في ماكدونالدز، حيث خاض العديد من المواقف التي تقتضي تنظيف المطبخ، والإشراف على ماكينة شواء اللحوم، وعدم قدرته على ممارسة وظيفة استلام النقود. هذه الأدوار وغيرها ساعدت بيزوس في التدرّب على الحلول السريعة.

   

بعد التخرج من جامعة برينستون، تنقّل بيزوس خلال فتـرة عشرينياته بين أكثر من وظيفة، حيث قضى عامين في إحدى شركات الاتصالات، ثم انتقل إلى قطاع البنوك والمؤسسات المالية بعمر السادسة والعشرين، وخلال أربع سنوات وبوصوله إلى عمـر الثلاثين أصبح بيزوس أصغــر نائب رئيس للشركة.

 

بمعنى أكثر تركيزا، كانت فترة المراهقـة والعشرينيات بالنسبة إلى أغنى رجل في العالم حاليا فتـرة مميزة وظيفيا، وإن لم تخرج عن إطار الوظيفة العادية، إلى أن جاء ميلاد فكـرة أمازون بعد أن تجاوز الثلاثين بعدة سنوات ليتحوّل بيزوس من "موظف واعد" إلى واحد من أهم وأثرى روّاد الأعمال في العالم. (11، 12، 13)

        

      

في النهاية، وعلى نفس منهج قاعدة "ما يأتي سريعا يذهب سريعا"، أيضا يمكن القول إن النجاح الذي يأتي بسرعة غالبا ما يذهب بسرعة. النجاح يحتاج إلى قدر من النضج لحمايته والحفاظ عليه من الاندثار، وهذا النضج لا يأتي سوى بكثرة التجارب ورصد الأخطاء والوقوع فيها. إذا لم تستطع أن تحقق شيئا عظيما في عشرينياتك، فعلى الأقل اجعلها فتـرة تأهيـل لنجـاح تحققه في ثلاثينياتك وما بعدها.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار