انضم إلينا
اغلاق
نماذج لأفكار "سخيفة" جلبت لأصحابها الملايين

نماذج لأفكار "سخيفة" جلبت لأصحابها الملايين

  • ض
  • ض

ثمة قصة شهيـرة حكاها الكاتب الأميـركي الساخر المخضـرم "مارك توين" أنه كان يخطب أمام الجمهور في إحدى المرات، فألقى دعابة سخيفة. ظل الناس يرمقونه باستنكار شديد دون أي رد فعل، فقام بتكـرار إلقاء الدعابة السخيفة نفسها مرة أخرى، ليقابله الناس بالنظـرة المستنكـرة نفسها من فرط السخف الذي يسمعونه.

 

عندما كرر الدعابة نفسها للمرة الثالثة، بدأت الضحكات تتعالى حتى انفجـر جميع الجالسين من الضحك. لم يكونوا يضحكون على الدعابة بقدر ما أضحكهم إصـراره على إلقاء هذه الدعابة السخيفة. في النهاية، استطاع أن ينتصــر ويضحكهم بسخافته وملله رغم كل شيء.

  

الأمر نفسه بالضبط ينطبق تماما على عالم الأعمال. بعض الأفكـار في هذا العالم وصلت إلى حد هائل من السذاجة والسخافة واللا معقـولية لدرجة أنه لا يمكنك أن تصدّق أن تجد لها أي سوق أو أن تحقق أي نجاح. ومع ذلك، تفاجأ أن هذه الأفكـار السخيفة قد حققت انتشارا واسعا لدرجة تحول أصحابها إلى أصحاب الثروات الهائلة في زمن قياسي.

  

مئات الملايين من وراء ابتسـامة صفـراء

    

من الصعب جدا هضم فكـرة أن الوجه الأصفر المبتسم الذي نراه في كل مكان، والذي ظهـر عبر عدة عقود وساهم في انتشاره بصورة أكبر وجود التعبيرات (Emojis) التي انتشرت عبر الإنترنت في تطبيقات المحادثات ووسائل التواصل الاجتماعي، من الصعب تصوّر أن هذا الوجـه تقدر قيمته بمئات الملايين من الدولارات وأن الكثيرين دخلوا في معارك لنيل حقوقه التسويقية.

  

القصة بدأت في عام 1963 عندما قامت إحدى شركات التأمين الكبـرى شركة "The State Mutual Life Assurance" بالاستحواذ على شركة أخرى، قامت بعدها الشركة الأم بإطلاق حملة دعائية داخليـة بين موظفيها للتهدئة من مخاوفهم ورفع معنـوياتهم وفرض نظام إداري لطيف جديد يحسّن من كفاءتهم في بيئة عمل إنتاجية. كانت الفكـرة التي تسعى لها الشركة هي بثّ روح التفاؤل بين موظفيها عبر نشر أيقونات معينة في كل مكان سواء على الطاولات أو المكاتب أو الحوائط أو حتى الكؤوس والأكواب والأبواب.

  

تعاقدت الشركة مع هارفي بول المتخصص في العلاقات العامة، وطلبت منه أيقونة تحقق هذا، فما كان منه إلا أن قام برسم هذا الوجـه الأصفر البسيط المُبتسم الذي لم يكلّفه سوى عشر دقائق، وقام ببيعه للشركة مقابل 45 دولارا فقط، أي ما يساوي نحو 330 دولارا بمعايير أيامنا الحالية. وطبعا -كأي كارثة في عالم الأعمال- لم يقم بتسجيل هذا الشعـار باعتباره ملكيـة فكـرية خاصة به، وهو خطأ جعله يندم على فعلته هذه طوال عمـره.

  

لاحقا، بدأت الشركة في وضع هذا الوجه على أزرار أو دبابيس أو الأبواب أو كافة الأماكن في الشركة للاستعمال الداخلي كما اتفق. ولكن، وبمرور الوقت، وبالتحديد في عام 1970، بدأ الوجه المبتسم ينتشر خارج الشركة باعتباره غير مسجّل بشكل قانوني، عندما قام الأخوان برنارد وموراي سباين (Bernard and murray spain) باستخدام هذا الوجـه وتحويله إلى مشاع عبر وضعه على القبعات والملابس ومجموعة أخرى من المنتجات التي قاموا بتصنيعها وبيعها مع وضع عبارة: "نتمنى لك يوما جيدا" (Have a nice day).

   

هارفي بول، أول من رسم الوجه الأصفر المبتسم عام 1963، وتلقى أجرا بقيمة 45 دولارا فقط  (مواقع التواصل)

 

النتيجة أن الفكـرة نجحت نجاحا مذهلا لدرجة أنهم في عام ونصف فقط استطاعوا بيع نحو 50 مليون قطعة من الأزرار والملابس وبعض المنتجات الخفيفة التي رُسم عليها هذا الوجه، وحققا من ورائها ثروة طائلة. كان هذا حتى بدأت محاصـرة الوجه المبتسم قانونيا، وانتقلت ملكيته إلى الفرنسي فرانلكين لوفراني في عام 1972 الذي اعتُبر أول شخص يقوم بالاستيلاء على حقوق الوجه الأصفر المبتسم في أكثر من 100 دولة، والذي قام بناء عليه بتأسيس شركة "The Smiley Company" التي تطرح هذا الوجـه للمنتجات والصحف والإعلانات المختلفة.

  

كان هذا يعني أن فترة السبعينيات التي شهدت تمددا هائلا لظهور الوجه المبتسم في كل شيء تقريبا بدءا من الصحف مرورا بالملابس والأزرار والأغطية وليس انتهاء بالإعلانات التلفزيونية. كانت كل هذه الجهات تلتزم بدفع رسوم لشركة فرانكلين فقـط لأنه يملك حقوق هذا الوجه الأصفر المبتسم الذي صُمّم أصلا وبيع بقيمة 45 دولارا لا أكثر. وكان هذا الوجه يدرّ على شركته نحو 130 مليون دولار سنويا. (1، 2، 3، 4، 5)

  

موقع فكاهي مليء بالقطط يقود إلى الملايين

  

إذا كان من الصعب تصوّر شعار لوجه أصفـر مبتسم صُمّم في 10 دقائق أدرّ مئات الملايين على أصحابه، فربما من السخف هذه المرة تصوّر أن موقعا أُسّس على فكـرة استعراض صور وفيديوهات لبعض القطط السمينة في مواقف مختلفة سيؤدي بأصحاب هذه الفكـرة إلى الدخول إلى نادي الأثرياء. والأصعب تصوّر أن انضمـامهم إلى هذا النادي جاء بعد عدة شهـور فقط من تأسيس هذا الموقع ذي الفكرة السخيفة، ولكن هذا هو ما حدث بالفعل.

  

ما حدث هو أن إريك ناكاجاوا وكاري أونيباسامي كانا قد تأثرا في عصر المدوّنات -قبل ثورة مواقع التواصل الاجتماعي- بأحد المواقع الكوميدية -موقع "something awful"- بصور مضحكة لقطط تبدو أنها تعلّق تعليقات طريفة باللهجة البريطانية الإنجليزية. وكونهما مراهقين، فقد قررا إنشـاء موقع صغيـر يقومان برفع هذه النماذج من الصور والفيديوهات التي تتلاءم مع طبيعتهما الكوميدية.

  

في يناير/كانون الثاني من عام 2007، قاما بتأسيس موقع بدآ في رفع هذه النوعية من الصور عليه وأطلقا عليه اسم "I can has cheezburger"، وهي جملة كوميدية معروفة في أوساط العالم الرقمي في تلك الفترة. لاحقا، قرر ناكاجاوا تحويل الموقع من مجرد موقع شخصي إلى مدوّنة عامة مفتوحة ربحية "Monetized Blog"، مع التوسّع في وضع تعديلات في التصميم تسمح للمستخدمين بإنشاء حسابات لهم على الموقع ورفع صور مماثلة، وأيضا تشجيعهم على تقديم مقترحاتهم وإمكـانية رفع فيديوهات طريفة.

  

المدهش أنه، وبعد عدة شهـور من انطلاق الموقع، حقق إقبالا هائلا من المراهقين ومحبي الحيوانات والصور الفكـاهية، وهو ما جعل مجموعة من المستثمـرين يتقدمون بعرض استحواذ على الموقع بقيمة مليوني دولار في سبتمبـر/أيلول من العام نفسه. وبعد شراء المدوّنة تحولت إلى شبكة كبيـرة من المواقع الكوميدية التي تطرح الصور الفكـاهية خصوصا المتعلقة بالقطط تحديدا، وتأسست ستة مواقع شقيقـة على المنوال نفسه تركز جميعها على الصور اللطيفة أو الميمـز (Memes) المعروفة بشكل كبير بين أوساط مواقع الإنترنت عموما ومواقع التواصل الاجتماعي خصوصا.

  

في عام 2010، أصبح الموقع يتلقى شهـريا أكثر من 35 مليون زيارة، وأكثر من ثمانية آلاف عملية رفع للصور. واليوم ما زال الموقع يعتبر من أكثر المواقع التي تُزوّد شبكات التواصل الاجتماعي. (6، 7، 8)

  

كيف تحصل على مليون دولار بأسهل طريقة ممكنة؟

   

تعتبر هذه القصة تحديدا من أكثر قصص الربح السريع انتشارا على الإنترنت، لدرجة أن الكثير يتداولها بقدر كبير من التشكيك في واقعيتها ربما لفرط سذاجتها لدرجة الاستفزاز. ولكنها -مع كونها ساذجة ومستفزة بالفعل- حقيقية تماما.

  

في عام 2005، أطلق أليكس تيو، وهو شاب بريطاني في الحادية والعشـرين من عمـره، موقعا إلكتـرونيا عبارة عن صفحة رئيسية فقط دون أي إضافات أخرى. الصفحة الرئيسية مقسّمة إلى مليون بيكسل صغير الحجم للغاية ولا يكاد يُرى بالعين، وكتب رسالة في مكان ظاهـر أنه سيبيع كل بيكسل في هذه الصفحة مقابل دولار واحد. وبالتالي، كان الشاب يقول لكل زوّار صفحته إنه يسعى للحصول على مليون دولار. وفي الصفحة نفسها، وكنوع من تحفيـز الزوّار على الشراء، أوضح أنه سيقوم باستغلال هذا المبلغ لتغطية نفقات دراسته الجامعية.

  

وعلى الرغم أن الأمر واضح تماما، وأن الشاب يسعى للوصول إلى ثروة بشكل سريع، فإنه يبدو قد ضرب بمنتهى البراعة على وتر الإعجاب لدى الزوّار خصوصا أن المطلوب ليس كبيرا. فقط دولار واحد من كل شخص أو شركة لشراء بيكسل في صفحته، وهو ما دفع الكثير من الأفراد حول العالم إلى الشراء بالفعل. لاحقا، بدأت العديد من الشركات في شراء بعض البيكسلات في الموقع خصوصا مع الشهـرة الهائلة التي نالها الموقع كواحد من المواقع الطريفة الغريبة التي وجدت مكانها في الحديث عنها في المواقع والصحف، وبالتالي بدأت الزيارات تنهال عليه بأعداد ضخمة بالفعل.

 

خلال عام واحد تقريبا، تمكن أليكس من بيع أغلب البيكسلات في صفحته للأفراد والشركات الذين أعلنوا عن أنفسهم ومنتجاتهم. ولاحقا تحوّل الموقع إلى ظاهـرة حقيقية مع زيادة عدد الزيارات عليه بشكل هائل، لدرجة أنه أُعلن في عام 2006 عن إطلاق مزاد في موقع "eBay" لبيع آخر 1000 بيكسل على الموقع بأسعار تصاعدية، إلى أن تم شراؤها بواسطة أحد المستخدمين بقيمة 38 ألف دولار تقريبا، وهو ما رفع المبلغ الإجمالي الذي حصل عليه أليكس إلى نحو مليون وثمانية وثلاثين ألف دولار.

  

استطاع أليكس تيو أن يحقق مليون دولار بوسيلة لا يمكن وصفها سوى بالسخافة، ولكنها سخافة أثبتت نجاحها على أي حال. (9، 10، 11)

  

إذا كان المنتج عاديا أعلن عنه بشرح مختلف

  

للوهلة الأولى تبدو بطانيـة سنوجي فكـرة جيدة ولكنها ليست رائعة. بطانية شتـوية أخرى ذات تصميم مختلف، حيث صُمّمت لكي يكون لها أكمام طويلة فتبدو بشكل عام أقرب للرداء الطويل منها إلى بطانية. هذه البطانية تفيد جدا في الدول التي تعاني من شتاء قارس البرودة في أوروبا وأميـركا، حيث يمكن للأشخاص ارتداؤها في الأماكن المفتوحة دون حرج. وأصبح معتادا أن يرتديها الناس أثناء حضورهم للمباريات مثلا في أوقات الشتاء أو بقائهم في الشوارع لفترات طويلة.

  

ومع ذلك، المنتج يبدو عاديا وله الكثير من الأمثلة في الأسواق. لكن هذا المنتج تحديدا حقق انتشارا هائلا لدرجة تحوّله إلى ما يشبه علامة تجارية عامة في أواخر عام 2008 وما تلاها، حيث أصبح الكل تقريبا يتحدث عن بطانية سنوجي ليس بسبب كفاءتها وإنما بسبب حملاتها الإعلانية المكثفة التي تظهر جميعا بشكل كوميدي أقرب للسخافة التي تجذب الانتباه. حملة إعلانية لأفراد عائلة يرتدون بطانية سنوجي ويشجعون ألعاب رياضية. حملات إعلانية مضحكة في مواقف مختلفة وغيرها، وهو الأمر الذي جعل سنوجي تبيع أكثر من 4 ملايين وحدة خلال عام واحد.

  

هذه الحملات حوّلت البطانية إلى علامة تجارية شهيرة للغاية تراها في كل مكان، برامج "التوك شو"، إعلانات يوتيوب وقنواته، فيديوهات مضحكة متنوعة. أصبحت البطانية أيضا نوعا من الهدايا التي يتبادلها الأشخاص في المناسبات مثل أعياد الميلاد.

  

أحد الإعلانات المثيرة للجدل بطانية سنوجي الذي حقق ملايين المشاهدات

 

خلال أعوام بسيطة من إطلاق سنوجي استطاعت شركة أولستار برودكتس –الشركة المصنّعة للبطانية- أن تحصد أرباحا هائلة قاربت سقف مئتي مليون دولار خلال عامين تقريبا، حيث بيع منها أكثر من 20 مليون بطانية تقدر الواحدة بعشـرة دولارات. ولاحقا في السنوات التالية تزايدت مبيعاتها لما تقدره بعض المواقع بنحو 500 مليون دولار، وهو رقم ضخم من الصعب أن تحققه شركة تنتج منتجا عاديا مثل بطانية شتوية.

 

هذه المبيعات الهائلة تعود بشكل أساسي للانتشار الواسع للمنتج على الألسنة بسبب حملاتها الإعلانية، أكثر بكثير من اهتمام الزبائن بجودة المنتج نفسه. (12، 13، 14)

           

   

في النهاية، يبدو أن عالم الأعمال له شق عقـلاني يمكن حسابه بالورقة والقلم والحسابات المعقدة، يمجّد الابتكار والإبداع والتطوير والأفكـار الجديدة. وله شق آخر غير عقلاني بالمرة، حيث تتحول الأفكـار الساذجة والبسيطة والأقل من العادية إلى منتجات تدرّ الملايين على أصحابها. الملايين التي ربما لم يتوقّع أصحاب هذه الأفكـار أنفسهم أن يحصلوا عليها من ورائها.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار