هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
متاهة ما بعد الجامعة.. هكذا نجح أشهر المبدعين بتجاوزها

متاهة ما بعد الجامعة.. هكذا نجح أشهر المبدعين بتجاوزها

  • ض
  • ض

لا شك أنه لا يوجد شعـور يضاهي شعـور لحظة التخرّج في الجامعة. مزيج عجيب من الشعور بالراحة لإنهاء المرحلة الجامعيـة، والطموح لدخول مرحلة جديدة من الحيـاة، وأيضا القلق العارم من المجهول. ما الخطوة التالية؟ ما طبيعة العالم الذي ينتظرك خارج أسوار الجامعة؟ إلى أي طريق المفترض أن تتوجه، هل تكمل مسيرتك الأكاديمية أم تلجأ إلى الوظيفة أم تبدأ في تأسيس مشروع ناشئ؟

 

الواقع أن هذا الشعور من التخبّط ليس شعورا استثنائيا، وإنما كان هو أيضا الشعور نفسه الذي مرّ به مجموعة من أبرز مشاهير العالم في مجالات مختلفة، سواء في ريادة الأعمال أو الأدب أو الفن أو حتى السياسة. السنوات الأولى بعد التخرج بكل ما تحمله من تخبط واضطـراب أحيانا، واللجوء إلى النمطية أحيانا أخرى، والتمرّد على مجال الدراسة ودخول الحياة العمليّة من بوابة مجالات مختلفة كليا في أحيان ثالثة.

  

إيلون ماسك.. الدكتوراة أم الصواريخ؟
صورة مبكـرة للتقني ورائد الأعمال إيلون ماسك في بداياته  (مواقع التواصل)

 

إيلون ماسك الآن يُعتبر واحدا من أهم أيقونات ريادة الأعمال التقنيـة حول العالم، مؤسس شركتي "تسلا" (Tesla) و"سبيس إكس" (Space X)، وربما الاسم الأبرز عالميا في تحقيق اختراقات تقنيـة فيما يخص قطاعات الطاقة والفضاء والمركبات. التحق ماسك بجامعة بنسلفانيا وحصل على درجة البكالوريوس في الفيزياء، ثم أكمل عاما دراسيا في مدرسة وارتون للأعمال التي حصل منها على درجة البكالوريوس في الاقتصاد من الجامعة نفسها.

 

في العام 1995، وعندما كان ماسك في سن الرابعة والعشـرين قرر الانتقال إلى كاليفـورنيا ليبدأ في دراسة درجة الدكتـوراة في الفيزياء التطبيقيـة وخواص المواد في جامعة ستانفـورد العريقة. فقط ليقـرر بعد يومين اثنين من التحاقه بالجامعة ترك رسالة الدكتوراة بالكامل، والتفـرغ لاهتماماته بالانضمـام إلى "فقاعة الإنترنت" (dot – com boom) التي ازدهرت في ذلك الوقت، والتي أدّت إلى ركض الجميع لتنفيذ مشروعات ريادية متصلة بشبكة الإنترنت التي كانت تتنامى بشكل هائل في زمن قياسي في منتصف التسعينيات.

 

خلال تلك الفتـرة أطلق إيلون ماسك شركته البرمجيـة الأولى المواكبـة لفقاعة الإنترنت "Zip2" التي تخصصت في مجال توفير حلول الأعمال والخرائط والتسويق، والتي بيعت لاحقا في العام 1999 لشركة "كومباك" (Compaq) بمبلغ 307 مليون دولار، كان نصيبه فيها 22 مليون دولار. كانت أرباحه من هذه الشركة هي الخطوة الأولى التي دفعته في طريق إنجازه لمشروعاته العملاقة من حيث النجاح والتأثير مثل "باي بال" ثم "سبيس إكس" و"تيسلا"، ليتحول خلال السنوات اللاحقة إلى واحد من أهم رواد الأعمال التقنيين والصناعيين عالميا، وأكثرهم ثراء أيضا. (1، 2)

 

ستيف كينج.. التدريس يقود إلى الرعب
كاتب الرعب الشهير ستيفين كينج في بداياته (مواقع التواصل)

 

عندما يُذكـر اسم "ستيفن كينج" يقفز إلى الذهن فورا أدب الرعب ولا شيء سواه. كينج يُعتبر واحدا من أهم وأشهر كُتّاب الرعب في العالم على الإطلاق، صدرت له الكثير من المؤلفات بيع منها أكثر من 350 مليون نسخة حول العالم، وتم تحويل معظمها إلى أفلام رعب ناجحة للغاية في قاعات السينما وحققت إيرادات هائلة، ربما أهمها وآخرها وأكثرها شهـرة فيلم "الشيء" (It) الذي صدر في العام 2017 واستطاع الاستحواذ على لقب أفضل فيلم رعب في التاريخ من حيث الإيرادات التي تجاوزت سقف الـ 700 مليون دولار.

  

كينج الذي يملك ثروة قدّرها البعض بنحو 400 مليون دولار حتى الآن تخرّج في جامعة ماين (Maine) في العام 1970 حاملا بكالوريوس الفنون في اللغة الإنجليزية. كان من المفتـرض أن يبدأ رحلته مدرّسا للغة الإنجليزية في خريف العام نفسه الذي حصل فيه على شهادة تخرّجه، لكنه لم يستطع أن يجد وظيفة متاحة للتدريس في هذا العام، وهو الأمر الذي جعله يبحث عن وظيفة أخرى خارج مجاله لتسديد نفقاته.

  

أخيرا، استطاع ملك الرعب أن يحصل في هذا العام على وظيفة متواضعة في مصنع غسّالات في مدينة ماين، وهو الأمر الذي ساعده على تسديد ديونه ونفقاته اليومية، في الوقت الذي تابع فيه هوايته بكتابة القصص القصيرة لبيعها في إحدى المجلات، كانت إحداها قصـة باسم "graveyard shift" والتي ستتحول لاحقا بعد عشرين عاما من هذا التاريخ إلى فيلم ناجح.

  

في العام 1971 عاد ستيفن كينج لمجال عمله في التدريس في مدرسة هامبدين أكاديمي الثانوية مدرّسا للغة الإنجليزية، واستمرّ في وظيفته لمدة عامين لتأمين حياته العائلية بعد أن تزوّج حديثا، حتى قرر أخيرا أن يأخذ قرار الاستقالة بعد أن بيعت روايته المرعبة الشهيـرة "كاري" (Carrie) والتي مهّدت له الطريق أن يعمل كاتبا ومؤلّفا بدوام كامل، ويبدأ مسيرته الأدبية العظيمة التي قادته ليكون أشهر مؤلف رعب نفسي طوال العقود التالية حتى لحظة كتابة هذه السطور. (3، 4)

  

جيف بيزوس.. أن تترك مسيرة وظيفية رائعة وتؤسس شركة
صورة قديمة لجيف بيوزس مؤسس "أمازون" يقف بين الكتب في مراحل الشركة الأولى (مواقع التواصل)

  

اليوم جيف بيزوس هو أغنى إنسان على وجه الأرض، بثـروة هائلة تُقدّر بنحو 160 مليار دولار جاءت من وراء شركته العمـلاقة "أمازون" التي أصبحت واحدة من أقوى الشركات العالميـة في مجالات عديدة أهمها البيع الإلكتروني. على الرغم أن عمـر هذه الشركة لا يتجاوز الربع قرن، فإنها أصبحت في مصاف الشركات العمـلاقة التي تمتلئ بالنجاح والإبداع والتفوق، وتضم عددا هائلا من الموظفين حول العام لا يقل عددهم عن نصف مليون شخص.

  

عندما اتخذ جيف بيزوس قرار تأسيس "أمازون" في العام 1994 بإمكانيات متواضعة للغاية، كان بهذا القرار يتخذ أصعب قرار ممكن في حياته، باعتبار أنه منذ تخرّجه في جامعة برينستون بتفوّق حاصلا على درجة جامعية في مجال علوم الكمبيوتر والهندسة الكهـربائية في العام 1987، شقّ بيزوس حياته الوظيفية بنجاح كبيـر مباشرة بعد التخرج حيث عُرض عليه العمل بالعديد من الشركات المميزة في الثمانينيات مثل "إنتل" و"بيل لابز" وغيرها.

  

بدأ بيزوس عمله بعد التخرج في شركة "Fitel" حيث قام بتصميم برامج مختلفة أهّلته للانتقال إلى العمل في "وول ستريت" والتي استطاع أن يحقق فيها مسيرة مهنيـة ممتازة جعلته يصل إلى أعلى المناصب القيادية في شركات مالية كبـرى، وهو ما كان سيضمن له قطعا تقاعدا مريحا في حياته لاحقا. لكن بيزوس رفض الاستمرار في هذه المسيرة الوظيفية العظيمة، وقرر أن يتوجّه إلى افتتاح شركته الناشئة الجديدة "أمازون" في العام 1994 -وهو في الثلاثين من عمـره-، والتي تحولت لاحقا إلى أكبر شركة تجارة رقمية في العالم. (5، 6)

 

أنغيلا ميركل.. من كيمياء الكوانتم إلى مستشارة ألمـانيا
أنغيلا ميركل، المستشارة الألمانية في أحد المعامل الكيميائية (مواقع التواصل)

 

على مدار سنوات طويلة، اعتُبرت المستشارة الألمـانية أنغيـلا ميركل واحدة من أبرز قادة العالم، ومن ضمن أوائل النساء الأكثر تأثيرا بلا شك. أنغيلا ميركل بملامحها الألمـانية الباردة الصارمة المليئة بالجدية التي تعبّر عن طبيعة الشعب الذي تحكمه، تولّت منصب مستشارة ألمانيا بدءا من نوفمبر/تشرين الثاني 2005 حتى الآن، وتعتبر من أبرز القادة الألمان التي شهدت البلاد طفرة كبـرى على يديها خلال سنوات حكمها.

  

ربما يثير دهشـة الكثيـرين أن ميركل لم تدرس العلوم السياسية ولم تنغمس في السياسة طوال عمرها لتصل إلى هذا المنصب. في الواقع، أنغيلا ميركل كانت عالمـة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، حيث درست تخصص الكيمياء الفيزيائية في جامعة لايبزغ وتخرجّت فيها في العام 1978 بتقدير متفوّق يمنحها حق العمل كمعيدة بالجامعة، فتقدمت لشغل هذه الوظيفة في كلية الهندسة بشرق برلين، لكنها رُفضت من التعيين في هذا المنصب.

   

سبب الرفض كان مُدهشا، بل وكان سببا مهما في اهتمام ميركل بالسياسة فيما بعد، وهي أن جهاز الشرطة في ألمانيا الشرقية -جهاز أمني سياسي أُطلق عليه اسم "ستاسي" (Stasi)- والذي كان يقوم بأدوار أمنية استبدادية باعتبار أن ألمانيا الشرقية كانت امتدادا سياسيا تابعا للاتحاد السوفيتي، طلب من المعيدة الشابة أن تقوم بالتجسس على زملائها والطلبة وتقوم بتقديم معلومات إلى الجهاز، وعندما رفضت ميركل رفضا تاما استُبعدت من الوظيفة.

  

اتجهت ميركل لاحقا إلى الاستمرار في العمل الأكاديمي، فعملت على مدار 12 عاما عقب تخرجها في الجامعة كباحثـة أكاديمية، واستطاعت الحصول على شهادة الدكتوراة في كيمياء الكوانتم (Quantum chemistry) من الأكاديمية الألمانية للعـلوم في برلين سنة 1986، واستمرت حتى نهاية الثمانينيات في عملها العلمي والأكاديمي، حتى بدأت في دخول العمل السياسي الحزبي في نهاية الثمانينيات عندما سقط جدار برلين وتوحّدت الألمانيتان مرة أخرى، وهو ما قادها إلى تبوأ مقعد زعيمة المعارضة، ومن ثم الوصول إلى منصب المستشارة بعد هذا التاريخ بخمسة عشر عاما. (7، 8)

  

هيلاري كلينتون.. البداية كانت في مطعم لتجفيف السلمون
صورة قديمة تجمع بين الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، وزوجته المرشحة الرئاسية هيلاري كلينتون (مواقع التواصل)

  

عندما خسرت هيلاري كلينتون معركة الانتخابات الأخيرة أمام الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترمب، كمرشّحة الحزب الديمقراطي، لم يكن وصولها إلى هذا المركز سوى نهاية رحلة طويلة للغاية من العمل السياسي على مدار عقود، إما كزوجة الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، وإما حتى كناشطة سياسية تبوّأت مناصب تنفيذية شديدة الفعالية في الحكومات الأميـركية المتعاقبة.

  

ومع ذلك، لم تخلُ حيـاة السياسية الأميـركية المخضـرمة من مراحل يمكن وصفها بالمُدهشة، خصوصا مرحلة ما بعد التخرج في الجامعة. في العام 1969، تخرجت هيلاري كلينتون حاملة بكالوريوس مع مرتبة الشرف في مجال العلوم السياسية جامعة ويليسلي. ألقت هيلاري كلينتون خطبـة رائعة في حفل التخرج الجامعي، وتلقّت إعجابا كبيرا من زملائها وأساتذتها، فضـلا عن مسيرتها المتفوّقة في الدراسة.

  

بعد التخرّج مباشرة، وخلال فتـرة الصيف، كانت أول وظيفة تحصـل عليها هيلاري كلينتون هي أن سافرت إلى آلاسكا في أقصى الشمال الغربي من الولايات لتقوم بأغرب وظيفة متوقعـة بالنسبة لطالبة متفوّقة تخرّجت لتوها في الجامعة وهي "غسل الصحـون" في مطبخ تابع لحديقة ماونت كاينلي ناشيونال بارك التي تعتبر من أبرز الأماكن السياحية في الولاية. كما التحقت أيضا كعاملة في مصنـع لإنتاج وتعبئة أسماك "السلمون" في الولاية نفسها!

  

تحكي كلينتون في كتابها الذي يؤرخ سيرتها الذاتية "Living History" أن العمل في مصنع السلمون تطلّب منها أن ترتدي قفازات وأحذية طويلة تصل إلى الركبة، وأن تقف لفترات طويلة في بركة من الماء المختلطة بالدم لتنظيف أمعاء أسماك السلمون. تقول إن هذه التجربة رغم أنها تنتمي إلى عالم مختلف تماما عن عالمها السياسي والحقوقي، فإنها ساعدتها بشكل كبير في التدريب على المواقف الشاقة والصعبة التي واجهتها في واشنطن لاحقا.

 

ومع ذلك، كانت نهاية هذه الوظيفة الأولى التي شغلتها كلينتون بعد التخرج من الجامعة هي الطرد، والسبب أنها أخبرت أحد مشرفيها أن بعض هذه الأسماك يبدو سيئا وغير نظيف، وأنها تعتقد أن هذا السمك تم تربيته واصطياده في ظروف غير صحية. (9، 10)

      


  

في النهاية، هذه النماذج وغيرها تؤكد أن عالم ما بعد الجامعة مختلف تماما عن الإطار النظري والعملي الذي درسته طوال عمرك في مقاعد الدراسة. ربما -وهذه ليست قاعدة- يؤمّن لك التميّز الجامعي مسارا وظيفيا مميزا بعد التخرّج، لكن المؤكد أن النجاحات الكبرى في حياتك ما بعد الجامعة تحكمها العديد من الأمور التي تتجاوز بكثير تفوقك الدراسي من عدمه.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار