اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/11 الساعة 16:38 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/21 هـ

انضم إلينا
بين السمعة والحقيقية.. ما الذي يبحث عنه العلماء؟

بين السمعة والحقيقية.. ما الذي يبحث عنه العلماء؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
"ما يظهر على أنه ضروري ومثير للاهتمام هو غالبًا ما يُعترف به من قبل الآخرين على أنه ضروري ومثير للاهتمام مما يجعل من يُنتجه هو شخص أكثر أهمية في عيون الآخرين"


"إن سوق البضائع العلمية له قوانينه، وهي قوانين لا علاقة لها بالأخلاق"

 

حسنًا، ذلك سؤال غريب بعض الشيء، فمعظم أفكارنا التي تتناول العلم تدور حول العلم ذاته كنظريات وفرضيات وخطوط سير الأفكار، قد نتساءل عن المنهج العلمي بالصيغة "كيف؟" لكننا لا نتساءل أبدًا عما يفكر فيه العلماء بداخل مجتمعهم بالصيغة "فيم؟" أي فيم يفكر العلماء؟ تعطينا قوة العلم، وقدراته البديعة على استخراج الحقائق من باطن الطبيعة بدقة لم تحدث من قبل، فكرة عن العلماء تشبه أسرار السير الذاتية القديسين، أنهم مجموعة من الباحثين عن الحقائق، وأن هذا الهدف السامي هو ذاته المحور الذي يدور حوله الصراع في مجتمع العلماء، فإن كان هناك تنافس ما فيما بينهم فهو فقط تنافس حول الوصول للحقائق الطبيعة.


ذلك في الحقيقة شيء رائع، لكن في تلك النقطة يضرب لنا بيير بورديو (Pierre Bourdieu)، عالم الاجتماع الفرنسي، مثالًا بسيطًا عن عالِم ما يحاول فهم معضلة معقدة على مدى سنوات عدة، ثم قبل أن يصل للنتيجة بأشهر قليلة يظهر أحدهم بحل لتلك المشكلة وينشرها في مجلة علمية مشهورة، إن كان هذا العالم يهتم فقط للوصول إلى الحقائق وتطوير المعرفة العلمية فسوف يفرح لأن أحدهم توصل إلى حل المشكلة، لكننا لا نرى ذلك، ما يحدث هو أنه يصاب بخيبة أمل إن لم يكتئب، هنا يجادل بورديو بأن ممارسة العلماء لعملهم تخضع لعوامل محددة مركبة، فهناك عوامل اجتماعية (Social interest) وهي موضوع هذا التقرير، وعوامل جوهرية (intrinsic) لها علاقة بالرغبة في الوصول للحقائق، لكن تلك العوامل متداخلة بحيث لا يمكن لنا فصلها عن بعضها البعض.
  

"بيير بورديو" عالم الاجتماع الفرنسي (مواقع التواصل)

  

خصوصية العلم

يبدأ بورديو ورقته البحثية المسماة "خصوصية الحقل العلمي والظروف الاجتماعية لتطور العقل" بتوضيح أن الفرضية الرئيسة التي ترتكن إليها "سوسيولوجيا/علم اجتماع العلم" هي القول* إن الحقيقة الموضوعية لمنتج ما، حتى وإن كان هذا المنتج هو الحقيقة العلمية، مبنية بشكل رئيس على الظروف الاجتماعية لإنتاجها كمحدد لبنية ووظيفة الوسط العلمي، العلم إذن هو نشاط بشري يخضع لنفس القواعد المجتمعية المتعلقة بتوزيع السلطة، الاحتكار، النزاعات والإستراتيجيات، الاهتمامات والمكاسب، لكن في العلم تظهر كل تلك العوامل بأنماط خاصة.


حقل العلم هو موضع صراع تنافسي بين الأفراد العاملين به، لكن من الخطأ -من وجهة نظر بورديو- أن ننظر إلى هذا الصراع على أنه يحدث بسبب مكاسب مادية  أو سياسية مثلًا، في تلك الحالة سوف يبدو مجتمع العلماء -بالنسبة للعاملين بحقول أخرى- بالفعل غير مهتم بأن يحصل على أية مكاسب، لكن ما إن ننظر إلى الشكل المخصوص من اهتمامات الحقل العلمي، ويعني بورديو هنا السُمعة/المكانة، سوف نجد بالفعل أن ذلك هو المكسب الحقيقي الذي تدور حوله الصراعات في الحقل العلمي، وما إن ننتبه لتلك الوجهة سوف يتشابه نمط الصراع داخل الحقل العلمي مع بقية الحقول، يقول بورديو:

"الحقل العلمي هو موضع صراع تنافسي يدور حول احتكار السلطة العلمية"

 

ويضيف بعد عدة فقرات: 

"يُنتج المجال العلمي ويستلزم وجود أنماط خاصة من الاهتمامات، تظهر الممارسة العلمية كـ "غير مهتمة" فقط بالنسبة إلى اهتمامات أخرى مُنتجة ومُحدِدة لمجالات أخرى"


قبل استكمال رحلتنا مع بورديو هنا ربما يجب علينا أن نتعرف قليلًا إلى بعض المفاهيم المهمة المكونة لنظريته الاجتماعية، لنبدأ بمفهوم المجال/الحقل (Field Theory) والذي تكرر كثيرًا منذ بدأنا حديثنا، فالمجتمع عند بورديو - بتبسيط شديد - ليس مجالًا واحدًا وإنما يتكون من فضاءات اجتماعية أساسها هو نشاط معيَّن، كالعلم، الصحافة، السياسة، كرة القدم.. إلخ، يتنافس الأفراد في تلك المجالات لاحتلال مواقع الهيمنة، والمجال هو موضع صراع اجتماعي فهناك دائمًا نقاط (فاعلين) غير متساوية في القوة، فالعالِم مثلًا يريد أن يعمل بأرقى الجامعات وتنشر أبحاثه بأرقى المجلات العلمية، وداخل كل من تلك المجالات تتواجد مجموعة خاصة من القواعد وهى التى تحدد هوية الأفراد المتواجدين به، وكذلك تفرض حدود معيّنة على الداخلين إليه.

أشكال الربح في العلم


 
يمكن إذن أن نتعامل مع "المكانة العلمية" على أنها رأس المال في الحقل العلمي، في الحقيقة تلك واحدة من أكثر أفكار بورديو إثارة للاهتمام، فهو -على عكس كارل ماركس- يرى أن مفهوم رأس المال لا يقتصر فقط على الثروة، وإنما يتجاوز ذلك إلى أبعاد أخرى متنوعة، فهناك رأس المال الثقافي ورأس المال الاجتماعي ورأس المال الرمزي (المكانة/السمعة العلمية هنا)، والتي يمكن استخدامها لتوليد منافع أخرى، يمكن التعامل مع المجتمع إذن كفضاء متعدد الأبعاد ويحسن ذلك من قدراتنا على تحليل المجتمعات بشكل أعمق حينما ندرس تشكل وتمايز هذا الفضاء واقعيا من خلال الهيمنة على رأس المال بأي شكل يظهر به.


في تلك النقطة دعنا نتأمل بورديو وهو يتحدث عن مطاردة الباحثين في الوسط العلمي لهذا النوع الخاص من الربح الرمزي:

"لا بد من القول إن تنظيم الاستثمارات يتم -بشكل واعٍ أو غير واعٍ- عبر توقعات المستثمر عن متوسط فرص الربح، لذلك فإن سبب قابلية الباحثين في الوسط العلمي للتركيز على تلك المشكلات التي تُعد الأكثر أهمية (والتي تم إعطائها تلك الأهمية لأن منتجيها كانوا يتمتعون بدرجة عالية من الشرعية) هو لأن الإجابة عليها تعطي قدرا أكبر من الربح الرمزي (يقصد المكانة العلمية)، يؤدي ذلك التنافس الشديد بعد ذلك إلى انخفاض متوسط معدلات الربح الرمزي مما يدفع ببعض الباحثين للتخلّي عن تلك المشكلة والسعي خلف أخرى أقل مكانة لكن تدور حولها درجة أقل من التنافس بحيث يحققوا أكبر قدر ممكن من الربح على الأقل"

 

يعني ذلك، كما رأينا من الاقتباس السابق، أن تلك السلطة/الهيمنة في الوسط العلمي هي ما يحدد هوية العلم، فأنت تدخل الوسط البحثي -كطالب دكتوراه جديد مثلًا- لا لتجد أن هناك فقط تنافس بين مجموعة من الأفكار بحيث سوف تصل الفكرة الأفضل إلى القمة، لتعتبر هي صاحبة كل الأهمية بين الباحثين، لكن هناك درجة من الهيراركية المؤسساتية (الهرمية وسلسلة المراتب) هنا والتي تسمح للمؤسسات الأكثر هيمنة بالتأثير على خط سير العلم وبالتالي تحديد ماهيته، لذلك يعترض بيير بورديو على ما نسميه بـ"الوسط العلمي" ليقول إنه اصطلاح ظهر فقط ليغطي على تلك الهيراركية.
 

هناك ما نسميه رأسمال ثقافي في الوسط العلمي، ويعني ذلك مجموعة المهارات والقدرات المكتسبة والمعاني التي تمثل الثقافة السائدة في الوسط، والتي حددتها صراعات سابقة (مواقع التواصل)

 
يقول بورديو:

"يكون الحكم على الإسهامات العلمية للعاملين بالمجال العلمي مشوبًا - خلال كامل حياتهم الأكاديمية - بالمواقع التي يشغلونها في الهيراركية المؤسساتية"

 

وكذلك

"يمكن تعريف الحقل العلمي في أية لحظة بحالة توزيع السلطة بين زعماء الصراع فيه"

 

فالبعض يدرس في جامعات مرموقة، على يد أساتذة ذوي مكانة عالية، فيحصل على تدريب في مؤسسات أفضل مع مصادر أفضل، لكن من المهم هنا أن نلحظ أن ذلك يؤهله بالتالي للحصول على مكان بحثي مرموق فيما بعد، مما يضعه مباشرة في مكانة -درجة هيمنة- أعلى من غيره بغض النظر عن الموهبة، بالتالي فإن هناك ما نسميه رأسمال ثقافي في الوسط العلمي، ويعني ذلك مجموعة المهارات والقدرات المكتسبة والمعاني التي تمثل الثقافة السائدة في الوسط، والتي حددتها صراعات سابقة.

تعطي تلك المكانة لهذا الشخص قدرا أفضل من العلاقات الاجتماعية في الوسط العلمي والتي تمثل بدورها رأسمال اجتماعي قوي، فالواقع من وجهة نظر بورديو هو مفهوم اجتماعي يظهر من خلال علاقاتك مع الآخرين، حيث يقول إن العلاقات التي يكونها الأفراد تمثل مصدرا غاية في القوة يتيح الفرصة للوصول إلى فوائد أو موارد قيمة، ما يعني أن الصراع على السلطة العلمية في الوسط لم يكن أبدًا بين فاعلين متساويين في القوة.


 
إذن فالوافد الجديد على الوسط العلمي يجب أن يدرك أن هناك قواعد يعمل بها الوسط قبل أن يدخل، وهنا يمتلك اختيارين، فإما يتبنى سياسة الاستثمار الآمن، أي أن يدخل في التسلسل ليترقّى بقواعد الإبداع العلمي التي تضعها السلطة العلمية الحالية شيئًا فشيئًا حتى يحصل على درجة من السلطة، أو أن يدخل بعنف، في مغامرة خطيرة غير محسوبة العواقب، لتغيير ما تعنيه "الشرعية" في الوسط العلمي، بالتالي فإنه سيلقى معارضة شديدة من أصحاب السلطة الموجودين حاليًا، وهي خطة لا تنجح كثيرًا.


يقول بورديو:

"على الجانب الآخر، هناك ابتكارات مبتدعة (مهرطقة)، تلك التي - بتحدي قواعد المنظومة العلمية القديمة - تخلق انقسامًا جذريًا بلا أية فرصة لحلول وسيطة، بين المنظومتين"

 

ويضيف:

"إن مؤسسي تلك المنظومة الجديدة يكسرون اتفاقات تبادل السلطة القائمة والتي كانت مقبولة، على الأقل بشكل ضمني، من قبل المرشحين في التسلسل القائم، فيرفضون أي تشريع غير الذي يفرضونه"

 

وعلى الرغم من الصراع في الوسط العلمي، فإن هناك بعض الافتراضات التي يعتبرها الخصوم بديهية وخارج منطقة الجدل، لأنها تشكل الشرط الضمني للحجة الأساسية في الوسط العلمي، ويعني بورديو هنا أنه على الرغم من الرقابة التي تفرضها المؤسسة العلمية، فإن هناك درجة أعمق من الرقابة التي لا يمكن الجدل أو الصراع عليها لأنها تختص بالحقيقة المجردة التي تعني انتماءك لهذا المجال.
 

البحث من أجل البحث

لكن عند تلك النقطة يجب أن نعاود النظر قليلًا فيما نظنه عن شكل العلم في تلك المنظومة، حيث قد يعتقد البعض أن ذلك يعني أنه لا توجد أية حقائق علمية إذ إن كان هدف العلماء هو فقط الحصول على المكانة العلمية بغض النظر عن الحقائق العلمية، حيث كل ما هنالك هو فقط ميول للسلطة القائمة في الوسط العلمي.
  

الباحث النقي عن الحقيقة ربما هو شخص لا وجود له في الوسط العلمي، أو أي وسط آخر، فهو دائمًا شخص يود أن يعمل دون قيود اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية

مواقع التواصل
 

هنا يتوقف بورديو ليقول -في صورة تساؤل- إن البحث عن الحقائق، وإن لم يكن هو الهدف الرئيس للوسط العلمي كربح، إلا أنه ربما مندمج بصورة أصيلة في تكوين هذا الوسط، ما يعني أنه قد لا توجد أمامك كباحث فرصة لاختراق المنظومة من أجل الاهتمام، والاهتمام فقط بالحقائق، لكن المنظومة نفسها، وإن كان ذلك بشكل غير مباشر، تبحث وراء الحقائق العلمية، ربما كنتاج جانبي للصراع.
 

أن تكون جزءًا من الوسط العلمي إذن لا يعني أنك في يوتوبيا البحث من أجل البحث، للأسف سوف تخضع لقدر من الضغط الذي يرتبط بحسابات عدة لا يكون الوصول للحقيقة تحديدًا هو هدفها، يضع ذلك يومًا بعد يوم أعباء عدة على أكتاف الباحثين، خذ مثلًا ضغط المؤسسات والهيئات الحكومية وغير الحكومية على الباحثين من أجل النشر فقط، بغض النظر عن اكتمال البحث ورصانته، ومع التوتر والازدحام الشديد بالوسط لا نجد أن هناك فرصة سهلة للإنجاز.
 

إن الباحث النقي عن الحقيقة ربما هو شخص لا وجود له في الوسط العلمي، أو أي وسط آخر، فهو دائمًا شخص يود أن يعمل دون قيود اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، في المقابل فإن هناك جهات حكومية أو غير حكومية، بسبب مشكلاتها الاقتصادية والسياسية والتي تؤثر على تمويلها، وهناك سلطة علمية تتمثل في المكانة التي يحصل عليها البعض في الوسط العلمي، وهناك قواعد وأساسيات وعادات وثقافة سائدة، تميل إلى وجهة النظر التي تقول إن هذا الشخص يجب أن يخضع للتوجيه، للأسف.

 _______________________________________________________

الهوامش:

*جميع الاقتباسات المذكورة في المقال والمعلّمة بالأزرق ترجمها كاتبه من الورقة البحثية:

خصوصية الحقل العلمي والظروف الاجتماعية لتطور العقل (The specificity of the scientific field and the social conditions of the progress of reason).

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك