اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/30 الساعة 17:24 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/10 هـ

انضم إلينا
لماذا لم نجد كواكب بعد نيبتون؟

لماذا لم نجد كواكب بعد نيبتون؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

تبدأ الحكاية من مفارقة، فرغم أن تسمية حزام كايبر جاءت نسبة إلى الفلكي الأميركي-الألماني غيرارد كايبر (Gerard Kuiper) حينما نشر مقالا سنة 1951 في مجلة الفيزياء الفلكية (Astrophysics) يقترح فيه وجود منطقة واسعة تحتوي أعدادا مهولة من أجرام صغيرة نسبيا بعد كوكب نيبتون، لكن كايبر وقتها توقّع أن ذلك كان فقط في بداية تكوّن المجموعة الشمسية.

 
كان سبب ذلك هو أن كايبر كان يتصور أن كوكب بلوتو -الذي تم اكتشافه سنة 1930- بحجم الأرض، وبالتالي فإن جاذبية كوكب بهذا الحجم قد تدفع تلك الأجسام الثلجية إلى مسافات أبعد من ذلك بكثير مع الزمن، أو تجذبها، المهم أنه قادر على مسح/تنظيف تلك المنطقة من الأجرام تماما، لكن كايبر كان مخطئا، بلوتو ليس بحجم الأرض، وحزام كايبر موجود بالفعل.
 

عوالم ثلجية غامضة

إن دراسة تلك المنطقة من المجموعة الشمسية هي مهمة صعبة للغاية بالطبع، فنحن -حتى بداية التسعينيات- لم نكن نمتلك أية تقنية تعطينا الفرصة لرصد أجسام بذلك الحجم الصغير وتلك المسافات الشاسعة، لذلك لجأ الفلكيون قبل ذلك مع ما أتيح لهم من رصد إلى حساب المدارات، خُذ بلوتو -بحجم أصغر من القمر الأرضي- مثلا فهو يتزامن مداريًا (Orbital Resonance) بدرجة 2:3 مع مدار نيبتون، يعني ذلك أن يقطع نيبتون ثلاث لفّات حول الشمس في مقابل دورتين لبلوتو.

 
لم يكن قبل الثمانينيات حتى استطعنا تطوير الكاميرات التي تعمل بجهاز اقتران الشحنة (CCD Cameras) والتي فتحت عصرا فلكيا جديدا، هنا تمكّن كل من الفلكيين(1) ديفد جيويت (David Jewitt)، من جامعة كاليفورنيا، وجين لولو (Jane Luu)، من معامل إم آي تي لينكولن، من عمل مسح شامل لجيران بلوتو، بعد ذلك توالت الاكتشافات للأجسام ما بعد النيبتونية (Trans-Neptunian Objects)، ثم بات من الواضح أن كوكب نيبتون يتحكم في حركة أجرام كل تلك المنطقة القريبة منه بالدفع أو الشد.
  

حزام كايبر يغلف المجموعة الشمسية كقطعة دونات (ناسا)

 

مع مزيد من المسح اكتشف العلماء أن حزام كايبر يمتد ما بين -تقريبا- 30 و55 وحدة فلكية (Astronomical Unit) (متوسط المسافة بين الأرض والشمس، وتساوي 149.6 مليون كيلومتر)، محتويا على ما يقترب من 100 ألف جرم مما يزداد نصف قطرها عن 100 كم، مع تريليونات الأعداد من الأجرام الأصغر، لكن جسم الحزام الرئيس -حزام كايبر الكلاسيكي- وصاحب الكثافة الأعلى يمتد بين منطقة أجرام التزامن المداري 2:3 عند حد 42 وحدة فلكية حتى منطقة التزامن المداري 1:2 عند 48 وحدة فلكية، بينما أجرامه نفسها لا تخضع لأي تزامن مداري، كذلك يتضح أن حزام كايبر أكثر سماكة من مستوى المجموعة الشمسية، بحيث يبدو كأنه قطعة دونات مهولة تحيط المجموعة الشمسية ككل.

 
بعد ذلك اكتشفنا أن ذلك الحزام الكلاسيكي ينقسم إلى مجموعتين(2) من التجمعات يتداخل كل منهما مع الآخر، سمّي الأول بالحزام الكلاسيكي الساخن، والآخر بالبارد، في الحقيقة لم يتعلق أمر التسمية بأي فارق في درجات الحرارة بين المجموعتين، لكنّ سبب التسمية ذو علاقة بمدى الاضطراب في المدارات الخاصة بهم.

 
لكن ما نعرفه إلى الآن هو أن كلتيهما تتخذ مدارا دائريا/شبه دائري حول الشمس، لكن المجموعة الباردة تميل على مستوى المجموعة الشمسية بقدر ضئيل (10 درجات) بينما تميل الساخنة بقدر أكبر (30 درجة)، هناك اختلاف آخر واضح في اللون ودرجة اللمعان، فالمجموعة الباردة أكثر حمرة ولمعانا، من هنا رجّح العلماء أنه ربما لكل من المجموعتين تاريخ منفصل عن الآخر.

 
في تلك الأثناء كانت ثورة الكواكب الخارجية (Exoplanets) آخذة في التصاعد، وبعد اكتشاف العلماء يوما بعد يوم لأعداد أكبر من تلك الكواكب تفاجأنا بأن هناك كواكب بحجم المشتري تدور حول نجوم أخرى، لكنها رغم ذلك توجد في مدار قريب جدا من النجم الخاص بها، هنا تصور العلماء أنها ربما تكوّنت في مدارات أبعد ثم لسبب أو لآخر تم دفعها إلى هذا المدار، في تلك النقطة حاول الباحثون تطبيق ذلك على النظام الشمسي، في 2005 نُشرت ثلاث أوراق علمية في دورية نيتشر، وفي نموذج سُمّي فيما بعد نموذج نيس(3) (Nice Model)، يشرح أن كلا من زحل، أورانوس، ونيبتون قد دُفعوا إلى مدار أبعد بينما انخفض المشتري إلى مدار أقرب إلى الشمس.
 

النموذج نيس يشرح خروج نيبتون (أزرق داكن)، وأورانوس (أزرق فاتح)، وبدرجة ما زحل (برتقالي) إلى مدارت أبعد بينما انخفض مدار المشتري (أخضر) (الجزيرة)

 
فإذا كان نيبتون في مرحلة ما قد دُفع خارج مداره ليدور في منطقة أبعد، إذن ربما قد تسبب ذلك في حالة الفوضى بالحزام الخارجي له، مما تسبب في دفع بعض الأجرام إلى سحابة أوورت، أو ربما خارج المجموعة الشمسية بالكامل، بينما بعض الأجرام الأخرى قد تم الدفع بها إلى داخل المجموعة الشمسية، فإما دخلت كأقمار في مدارات كواكب أخرى -كما يرجح العلماء بالنسبة لقمر "Phoebe" الخاص بكوكب زحل- أو -كما يرجح العلماء أيضا- هي ما تسبب في "الكارثة القمرية" أو ما نسميه "القصف الشديد المتأخر"(4) (Late Heavy Bombardment).

 
الكارثة القمرية هي فترة زمنية من عمر المجموعة الشمسية امتدت من ربما بين 4.1 إلى 3.8 مليار عام، حيث ارتفعت خلالها معدلات هطول المذنبات إلى داخل المجموعة الشمسية بعد تكوّن الكواكب، مما تسبب في تكوّن عدد كبير من الفوهات الصدمية على القمر والكواكب الداخلية (عطارد، الأرض، الزهرة، المرّيخ)، تؤكد ذلك نتائج تأريخ العينات القمرية والتي تشير إلى أن مُعظم الصخور المُنصهرة التي خلفتها تلك الاصطدامات تكونت خلال تلك الفترة الزمنية القصيرة نسبيا.
 

تشريح كايبر

يفسر ذلك النموذج سبب أن منطقة حزام كايبر ليست بالمعنى المفهوم حزاما تجري كل أجسامه بنفس الدرجات كأنها سيارات في طريق باتجاه واحد منتظم، بل تتوزع مدارات أجرام تلك المنطقة بحالة من الفوضى، لكن المشكلة التي يواجهها العلماء مع تلك الفرضية هو أنها من الصعب أن تعطي سببا لاختلاف أنماط مجموعات حزام كايبر، فهناك مجموعات غير متأثرة بتلك القفزة النيبتونية كحزام كايبر البارد، وأخرى متأثرة كالحزام الساخن، والمجموعات المتزامنة مداريا، وحزام كايبر المبعثر.
 

بالأعلى: مدارات المناطق الثلاثة الرئيسة من حزام كايبر، بالأسفل: ميل تلك المدارات على مستوى المجموعة الشمسية. (الجزيرة)

 

جميل جدا، لدينا الآن ثلاث مجموعات من الأجرام في تلك المنطقة:

- أجرام حزام كايبر الكلاسيكي (Classical Kuiper Belt Objects)، تسمى كوبيوانوات، والذي يمتد ربما بين 42 و48 وحدة فلكية، مع مدار شبه دائري ومستوى مقارب لمستوى الكواكب، ولا يلتزم بالتزامن المداري مع نيبتون، وتنقسم إلى ساخنة وباردة.

 
- أجرام كايبر المتزامنة مداريا (Resonance Kuiper Built Objects)، والتي ترتبط مداراتها مع نيبتون، أشهر أجرام تلك المجموعة هي البلوتينوات (Plutinos)، والتي تضم بلوتو ومجموعة أخرى من الأجرام وتتزامن جميعها مداريا مع نيبتون بقيمة 2:3، وتضم أكثر من 25% مما نرصده من الحزام كايبر.

 
- منطقة الحزام المبعثر (Scattered Disc Objects) وهي أكثر اتساعا من الحزام وتسمى كذلك بسبب الاضطرابات الشديدة في تلك المنطقة، فهي ذات انحراف مداري وميل كبيرين، حتى إن أوجها (Perihelion) -أبعد نقطة في المدار الخاص بها- قد يصل إلى 60 وحدة فلكية بينما تمتد المجموعة في نطاق يبدأ من 35 وحدة فلكية، ويعتقد الباحثون أنها سبب معظم وافدي المجموعة الشمسية من المذنبات. 

 
الانحراف المداري (Eccentricity) هو درجة لامركزية المدار الخاص بالجرم السماوي، أي أن يدور الجرم حول نقطة ليست الشمس مركزها، فيحدث أن يدور في شكل بيضاوي يقترب منها في أثناء دورته لبعض الوقت -فتسمى أقرب نقطة لمدار إلى جرم من النجم النقطة (الحضيض)، ثم يمضي مبتعدا عنها- فتسمى أبعد نقطة في المدار بالـ (أوج)، وهكذا.
  

ألوان وأحجام بعض الكواكب القزمة المعروفة مقارنة بالأرض وقمرها أسفل الشكل. (الجزيرة)

 
نعرف الآن أكثر من 1000 جرم من تلك المنطقة، منهم أكثر من مئة كوكب قزم، أشهرهم هم بلوتو (Pluto)، كواوار (Quaoar)، سيدنا (Sedna)، أوركاس (Orcus)، إيريس (Eris)، هاوميا (Haumea)، سالاشيا (Salacia)، ماكيماكي (Makemake)، 2002 MS4، 2007 OR10. يعتبر بلوتو أشهرهم بالطبع، وهو كبير بالقدر الذي يسمح له أن يحتفظ بغلاف جوّي يتكوّن من النيتروجين والميثان وأول أكسيد الكربون، أما إيريس فهو بنفس قطر بلوتو تقريبا لكنه أكثر كتلة مما يرجح أن له ظروف نشأة منفصلة، السبب في أننا استطعنا رصد إيريس على هذه المسافة الشاسعة و لمعان جسمه الثلجي، أما ماكيماكي -وسيدنا أيضا- فيبلغ قطره نصف قطر بلوتو مما يعني أنه لا يمكن أن يحتفظ بغلاف جوّي، رغم ذلك حينما نقرأ الطيف الخاص به نجد آثار الميثان، ويرجح العلماء أن السبب هو أن الميثان الثلجي على أرضه يتسبب في أبخرة تتصاعد منه، كواوار و2007 OR10 أقل في القطر من ماكيكاكي، ثم أوركاس.


سيدنا(5) (Sedna) تحديدا هو حالة خاصة، فهو ينضم إلى مجموعة من الأجرام التي تسمى "أجراما منفصلة" (Detached Objects)، وهي مجموعة من الكواكب القزمة والتي تنضم إلى مجموعة الأجرام مابعد النيبتونية لكنها اندفعت -لسبب أو لآخر- لتدور في مدارات غاية في الانحراف المداري بحيث يكون حضيضها -أقرب نقطة في المدار إلى الشمس- بعيدة بما فيه الكفاية لتتلقى تأثيرا متواضعا من نيبتون، نعرف منها الآن حوالي عشرة أجرام، يقع أوج سيدنا على بُعد 975 وحدة فلكية من الشمس بينما حضيضه يقع على بُعد 76.16 وحدة فلكية منها، تمت تسمية مجموعة كاملة من الأجرام باسم شبيهه سيدنا "Sednoids".

 

مدارات بعض الأجرام من المنطقة ما بعد النيبتونية، لاحظ مدار سيدنا والمدار المتوقع للكوكب تسعة، ثم قارنهم بالنسبة لمدار نيبتون، هل تلاحظ فارق المسافة؟! (الجزيرة)
 

بقي شيء واحد فقط هنا، وهو أن نجيب عن سؤال المقال الرئيس، في الحقيقة هناك فرضية تقول إنه يوجد كوكب ما، إنه الكوكب تسعة(6) (Planet Nine)، بأوج 1200 وحدة فلكية وحضيض 200 وحدة فلكية، ويفترض أنه كوكب يوجد في الإطار الخارجي من المجموعة الشمسية، افتُرض وجوده في سنة 2014 لأنه يفسر بعض الشذوذ في مدارات أجرام ما بعد نيبتونية، تلك التي تقع مداراتها خارج حزام كايبر نفسه، يفترض الباحثون أن الكوكب ذو حجم أكبر بأربع مرات من الأرض، أكبر من الأرض بعشر مرّات، في 2016 أعلن(7) باحثون من معهد ماساتشوستس عن أدلة إضافية تشير إلى وجود الكوكب رقم تسعة تعتمد على نموذج جديد يفسر مدارات العديد من أجرام ما بعد نيبتونية البعيدة.

 
أما بالنسبة لحزام كايبر فكان من الطبيعي أن ترتطم تلك الصخور معا لتتباعد أو لتلتحم، ما يلتحم منها يستمر في جمع الزخم والكتلة درجة بدرجة حتى يصنع كوكبا، لمَ إذن لمْ يحدث ذلك؟ لأننا هنا نواجه حالة خاصة، فكما يبدو لنا يتحكم كوكب نيبتون في كل تلك المنطقة الواسعة، هذا التأثير النيبتوني المهول هو سبب عدم تكوّن كوكب في تلك المنطقة بسبب حالة الاضطراب الجذبوية التي تسبب فيها لتلك الصخور والكواكب القزمة التي كان من المفترض أن تلتحم معا، بالضبط كما تسبب وجود المشتري في منع تكون كوكب ما موضع حزام الكويكبات بسبب الاضطراب.

 
حسنا، هل لاحظت ذلك؟ هذا الكوكب التاسع الذي يُفترض وجوده يبلغ أوج مداره 1200 مرة المسافة بين الأرض والشمس أي ما يقرب من 180 مليار كيلومتر، لو افترضنا أننا الآن في رحلة خارج المجموعة الشمسية، حينما نصل إلى زحل يجب أن نبدأ قليلا في التأمل فقد تخطينا بالفعل حاجز المليار متر، لكن ما زالت هنا أمامنا 180 خطوة إضافية لكي نخرج إلى الكوكب التاسع، إذا كان هناك بالفعل.

 
ولا تتوقف الرحلة هنا، فما نعرفه هو أنه ما زال هناك خلف كايبر، والكوكب التاسع، سحابة ضخمة كروية اسمها سحابة أوورت (Oort)، وسوف تكون موضوع مقال قادم، تلف المجموعة الشمسية بالكامل. يتصور العلماء أنها قد تمتد إلى 100 ألف وحدة فلكية، أي ما يقترب من سنة ضوئية كاملة أو أكثر، ثم -بينما نحن نتأمل كل تلك المسافات الواسعة فتقترب عقولنا من التوقف حيث لا نستطيع تخيّلها- نتجادل هنا على ذرة غبار تُدعى الأرض حول أم القنابل وأبوها، حول أجرة سيارة الأجرة، نتجادل بشدة حول الحُليّ في فساتين مايلي سايرس وإصابة كانييه ويست بالقلق لسبب أو لآخر، ونقتل بعضنا بعضا من أجل حفنة رماد، بترول، سُلطة، ألا يدعو ذلك للتأمل حول إن كنّا نصلح بالفعل للتسمية "كائنات ذكية"؟!

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار