اغلاق
آخر تحديث: 2017/10/5 الساعة 18:39 (مكة المكرمة) الموافق 1439/1/15 هـ

انضم إلينا
نوبل للكيمياء 2017.. الصورة كأداة لاكتشاف الحياة

نوبل للكيمياء 2017.. الصورة كأداة لاكتشاف الحياة

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"من السهل جدًا أن تجيب على كثير من الأسئلة البيولوجية الأساسية، تحتاج فقط أن تنظر إلى هذه الأشياء"

(ريتشارد فاينمن - نوبل 1965)

  

للوهلة الأولى، يبدو اقتباس ريتشارد فاينمن، أحد أشهر فيزائيي التاريخ، بالأعلى بسيطًا للغاية، بالطبع نحتاج أن ننظر لكي نتعلم، لكن فاينمن هنا، وهو خبير فذ يعي جيدًا عوالم الذرات والجزيئات، ينظر إلى ما هو أعمق من ذلك، فهو يرى أن البيولوجيا بالكامل ربما هي علم "التصوير"، كلما استطعت تطوير صور أكثر دقة للمركبات البيولوجية، كلما كانت قدرتك على فحص هذا العالم على مستوى جزيئي أكبر، وبالتالي سوف تتمكن حتمًا من فهم آليات عمله، لكنه يعرف جيدًا أن التحدي هنا كان عظيمًا للغاية، وتطلب الأمر أكثر من سبعة قرون لنعرف ما نعرفه الآن.

    

حدود الضوء
لنعد قليلًا  للوراء، تحديدًا إيطاليا القرن الرابع عشر، في تلك اللحظة التي تمكن فيها بعض العمال الإيطاليين(1) من طحن الزجاج وتشكيله ثم ظهرت أول العدسات، كان ذلك بغرض صنع نظّارات لتحسين قدرة البعض على الرؤية فقط، لكننا احتجنا إلى حوالي مائتي سنة إضافية لكي يضع صانع العدسات الألماني زكرياس يانسن عدستين في أنبوبة لكي يصنع الميكروسكوب الأول، ثم بعد مائة وخمسين عام أخرى يصل لأرض الملعب روبرت هوك الفيلسوف الطبيعي والمعماري الإنجليزي لكي يقوم بالفعل بدراسة عدد من الأشياء، كالفلّين، تحت الميكروسكوب وينشر نتائج أعماله.
   

ثم شيئًا فشيئًا، وبوتيرة أعلى مع الزمن، يستطيع البشر تطوير قدرات الميكروسكوبات الخاصة بهم، حتى نصل إلى بدايات القرن الفائت، حينما تعرفنا إلى الإلكترون، وعلّمتنا ميكانيكا الكم أن له عددا من الصفات الموجية كالضوء، بل وأيضًا يمكن تركيزه على الأشياء. في تلك اللحظة انتبه الكثير من الباحثين إلى إمكانية أن نتمكن من استخدامه في صنع ميكروسكوبات من أجل رؤية أدق الأشياء وأصغرها حجمًا، لكن لكي نفهم سبب ذلك دعنا ننهي درس التاريخ عند هذا الحد، ونبدأ في تعلم بعض الفيزياء.

 

موجات الضوء بالأعلى تتجاوز الجسم فلا نتمكن من رؤيته، أما موجات الإلكترونات بالأسفل فهي أقصر كثيرًا يمكن لها أن تدركه، لكن يجب أن نوضح هنا أن هذا الشكل لا يمثل مقارنة فعلية بين طولي الموجتين، النموذج بالكامل للتقريب فقط (الجزيرة)

     

لكي نرى شيئا ما في الميكروسكوب(2) فنحن ببساطة نسلط الضوء عليه، ثم ينعكس هذا الضوء عبر العدسات إلى أعيننا فنرى الجسم، لكن الضوء هو، كما تعلم، موجة، وهذه الموجة لها خاصية نسميها "الطول الموجي"، وهي المسافة بين قمّتي موجتين متتاليتين، ولكي نرى شييا ما يجب أن يكون طول الجسم الذي نحاول رصده بالميكروسكوب أكبر من طول تلك الموجة حتى يصطدم بها كما ترى بالشكل المرفق، لكن ذلك يضع حدا تقف عنده قدرة الميكروسكوبات الضوئية، البروتين العادي مثلًا له قطر أصغر آلاف المرات من قطر شعرة بشرية. 

    

لكن ميزة موجات الإلكترونات(3) هي أن لها طولا موجيا أصغر بكثير من رفيقتها الضوئية، مما يسمح لها بالنفاذ لأعماق أعماق تراكيب المادة، كانت تلك، خلال الثلاثينيات، هي بداية عصر الميكروسكوبيا الإلكترونية (Electron Microscopy)، لكن المشكلة الأساسية التي ظهرت هنا هو أن تلك الآليات مكنتنا فقط من رصد أجسام غير حية، لسببين رئيسين، الأول هو أن شعاع الإلكترونات المستخدم في التصوير يقوم بحرق/اتلاف العيّنة البيولوجية فلا نحصل على صور واضحة، والثاني هو أن التصوير عبر الميكروسكوب الإلكتروني يحتاج لأن توضع العيّنة قيد الفحص في غرفة مفرغة من الهواء، لكن تلك الحالة تُفسد الجزيئات الحيوية، البروتين مثلًا، لأن الماء بها سوف يتبخر مما يجعلها تنهار على ذاتها ويفسد هيكلها.

    

هندرسون ضد العالم
في تلك المرحلة يتدخل ريتشارد هندرسون(4) (Richard Henderson)، أول رفاق نوبل للكيمياء 2017، والذي يعمل حاليًا بمعامل (MRC) للبيولوجيا الجزيئية والتابعة لجامعة كامبريدج، حيث كان يحاول في السبعينيات أن يلتقط صورًا لبعض أنواع البروتينات الموجودة في جدار الخلية عبر التقنية المنتشرة وقتها وهي بلورة الجزيئات الحيوية ثم ضربها بالأشعة السينية(5) (X-ray Crystallography)، لكنه لم يحصل على نتائج مُرضية، ثم في النهاية انغلق الباب تمامًا أمامه فقرر التوجه إلى تقنية الميكروسكوبيا الإلكترونية في وقت لم يتصور أحد أن بإمكانها أن تلتقط صورًا لمركبات حيوية، للأسباب التي عرضناها قبل قليل.
    

بدأ هندرسون بالعمل على الرودوبسين البكتيري(6) (Bacteriorhodopsin)، وهو بروتين موجود بخلايا الكائنات التي تقوم بعملية البناء الضوئي، لكن محاولة عزل ذلك البروتين من الجدار الخلوي كانت دائمًا فاشلة لأن عزل البروتينات يتسبب في انهيارها على ذاتها فتتحول إلى كتلة لا قيمة لها، هنا قرر هندرسون أن يأخذ جدار الخلية، بما فيه من رودوبسين، إلى الفحص بالميكروسكوب الإلكتروني، فحافظت تلك الآلية على هيكل الرودوبسين، كذلك قام هندرسون وفريق عمله بتغطية العيّنة بمحلول سكّري لكي لا تتبخر المياة الخاصة بها بسبب الفراغ فينهار هيكلها الجزيئي.

      

أول صورة للرودوبسين البكتيري، سنة 1975، لاحظ كيف أظهرت أن سلسلة البروتين تذبذب خلال الغشاء الخلوي سبع مرات (مواقع التواصل)

       

وكانت المشكلة الرئيسة التي واجهت هندرسون هنا هي، كما تعلمنا منذ قليل، تلف العيّنة بسبب شعاع الإلكترونات، لذلك قام الفريق البحثي بضرب العيّنة بكم أقل منها، مما تسبب في صورة رديئة التباين غير مفصلة على مستوى الجزيئات، لكن هندرسون بذكاء شديد تمكن من تعويض هذا النقص عبر معرفته بأن البروتينات تتخذ تموضعًا وتوجهًا متوازيا في نفس الاتجاه مع بعضها البعض، مما يعني أن نمط حيود الأشعة الخاصة الإلكترونات حينما تصطدم بها سوف يكون واحدًا في كل البروتينات.

    

     

يعطينا ذلك إضافة مهمة تساعد على توضيح الصور لكن من خلال نماذج رياضياتية تربط بين كل الصور ونمط حيود الأشعة، بعد ذلك تمكن الفريق البحثي من التقاط صورٍ لنفس العينة من اتجاهات مختلفة وإصدار أول صورة ثلاثية البعد للبروتين، كانت تلك هي أدق صورة لبروتين نحصل عليها من خلال ميكروسكوب إلكتروني، رغم ذلك لم يتوقف هندرسون هنا واستمر في تحسين تقنياته حتى وصل(7) في 1990 إلى صورة للرودوبسين البكتيري على مستوى دقة جزيئي.

      

ثم بعد خمسة عشر عامًا من العمل على تلك النماذج يصنع هندرسون أدق نموذج ممكن للرودوبسين البكتيري، حيث تبلغ الدقة مستوى الجزيئات (مواقع التواصل)

          

ويواكيم يعالج الصور
هناك ثلاثة مشكلات واجهت هندرسون، الأولى كانت صعوبة ضبط العينة، فنحن نعرف أن أشعة الإلكترونات تتلفها في النهاية، فنضطر لتخفيفها والاستعانة بآليات جانبية لتوضيح الصور، والثانية كانت استخدامه للجلوكوز كغلاف للعينة لمنع تبخرها في الفراغ، فهناك جزيئات حيوية تذوب في الماء فقط، كذلك كانت هناك مشكلة إضافية مثلّت حدّا أساسيا لقدرات طريقة هندرسون وهي أنه يضطر في كل مرة إلى الاعتماد على الطريقة المنتظمة التي تترتب بها البروتينات بجانب بعضها البعض، لكن هناك العديد من البروتينات التي تنتشر بنمط عشوائي غير منتظم، بالتالي لا يمكن لنا أن نلتقط لها صورًا بتكنيك هندرسون، تحتاج تلك التقنية إلى نقلة جديدة.
  

   
لنبدأ بالمشكلة الأخيرة، حيث تمكن يواكيم فرانك(8) (Joachim Frank)، ثاني رفاق نوبل 2017، والذي يعمل الآن بجامعة كولومبيا، من ابتكار آلية حوسبة ذكية تبحث عن أنماط متكررة لفصل أثر تلك البروتينات المتموضعة عشوائيًا على اللوح الفيلمي الخاص بالميكروسكوب الإلكتروني عن الضبابية التي تتواجد في خلفية الصورة الخاصة بها، ثم بعد ذلك يقوم الحاسوب بوضع الأنماط المتشابهة معًا في نفس المجموعات. ثم بعد ذلك يقوم الحاسوب بدمج تلك الأنماط معًا فنحصل على صورة ثنائية البُعد أكثر دقة من ذي قبل، يشبه الأمر أن تقف أمام مصباح ثم تتخذ أوضاع مختلفة، تنثني للأمام مثلًا أو ترفع إحدى يديك، فيختلف ظلّك على الجدار في الخلفية، ثم يستخدم يواكيم بعد ذلك برامج إضافية معقدة تصنف كل تلك الصور ثنائية البعد عالية الدقة التي حصلنا عليها، وتبحث عن العلاقات التي تربط بعضها بالبعض، ثم في النهاية تجمع تلك الصور في صورة واحدة ثلاثية البعد.

      

         
دوبوشيه يزجج الماء!
لهذا السبب كان إسهام يواكيم فرانك في تطوير ميكروسكوبيا التجميد الإلكترونية (Electron Cryo-microscopy) أساسيًا حيث عدّل الطريقة التي يمكن لنا من خلالها معالجة الصور لنحصل بفضلها على دقة بمستوى ثلاثي البعد، لكن بقيت نقطة واحدة ذات علاقة بتعريف ميكروسكوبيا التجميد بالأساس، حيث إن المقطع (Cryo) يعني تبريد، هنا سوف يدخل إلى أرض الملعب جاك دوبوشيه(9) (Jacques Dubochet) من جامعة لوزين بسويسرا، والرفيق الثالث في مجموعة نوبل للكيمياء 2017، ليعلمنا قليلًا عن الآلية العبقرية التي عالج من خلالها مشكلتي هندرسون الأولى والثانية.
    

الفكرة الأولى هنا بسيطة للغاية، سوف نقوم بتجميد العيّنة البيولوجية في الماء، بذلك يحتاج الشعاع الإلكتروني بعض الوقت لكي يتلف تلك العينة لأنه يحتاج أن يفك الجليد أولًا، فيمكن لنا أن نلتقط بعض الصور بسرعة قبل أن يحدث ذلك، لكن على بساطة الفكرة كانت المشكلة الرئيسة هنا هي أن الماء حينما يتجمد يتبلور في شكل كريستالات تعرقل طريق أشعة الإلكترونات إلى العيّنة، وهنا تتجلى عبقرية دوبشيه، حيث لجأ إلى طريقة أخرى مختلفة لتجميد الماء.
  

    
نسميها "التزجيج (Vitrification)"، وتعني تحويل الماء ليس إلى ثلج، ولكن إلى حالة زجاجية، فرغم أن الزجاج هو مادة صلبة إلا أنه في الحقيقة يتخذ نمطًا سائلًا لأن الجزيئات المركبة له لا تتخذ شكلا متبلورًا وإنما تنتظم عشوائيًا، وبذلك فحينما ندفع الماء، بآلية ما، للتحول إلى زجاج، سوف تمر أشعة الإلكترونات خلاله بسهولة لالتقاط الصورة، هنا سوف يتطلب الأمر أن نقوم بعملية تبريد سريع للغاية للماء فلا يتبلور، وكان ابتكار دوبوشيه هو أن يصنع طبقة دقيقة للغاية من الماء ثم يمررها أولًا على الإيثان(10)، والذي يجمدها أسرع كثيرًا من النيتروجين السائل فلا تجد الفرصة للتبلور.

      

تمكن دوبوشيه في الثمانينيات من عرض أوائل الصور للفيروسات في خلفية من الماء المزجج

مواقع التواصل
       

بذلك تكتمل الصورة، فعلى مدى أكثر من ثلاثين عامًا قام كل من الثلاثي دوبوشيه، هندرسون، وفرانك بتطوير الآليات قام كل منهم بابتكارها، شيئًا فشيئًا وحتى وصلنا إلى سنة 2013 تمكنت ميكروسكوبيا التجميد الإلكترونية من الحصول على أدق صور ممكنة للمركبات الحيوية في التاريخ، فتح ذلك الباب لاحتمالات واسعة للغاية، حتى إننا بتنا متأكدين اليوم أن كل جزء من الخلية البشرية أصبح من الممكن تصويره، لكن، فيم سوف يفيدنا ذلك؟

     

كل شيء له علاقة بالعلوم البيولوجية والطبية والبيوكيميائية في الحقيقة، إن شعار نوبل كيمياء 2017 هو ببساطة "الصورة كأداة للمعرفة"، فكلما استطعنا أن نلج بشكل أدق في تركيب البيولوجيا الخاصة بنا على مستوى أعمق، تمكننا من تحقيق فهم أفضل لها، ويعني ذلك فتح باب جديد تمامًا لفهم تركيب عضلاتنا، قلوبنا، جهازنا الهرموني، لعلاج أكثر أمراضنا قسوة، حيث يمكن لنا تصنيع أدوية تستهدف بدقة الآليات الجزيئية الدقيقة المسؤولة عن تلك الأمراض، أصبح من الممكن أن نصور الفيروسات وندرسها، الجدران الخلوية للبكتيريا لتصنيع مضادات حيوية أفضل، وأن نفهم الآلية الدقيقة التي تعمل بها أجسامنا على مستوى لم يكن أبدًا ممكنًا أو حتى متصورًا.

     

لكن الملهم حقًا هنا هو تأمل تلك الكلمة التي تكررت كثيرًا في هذا التقرير، إنها كلمة "مشكلة"، حيث يظن البعض أن الإنجاز في الوسط العلمي - أو غيره - يتطلب فقط أن تجد ذلك الاكتشاف العظيم الذي سوف يكسّر قواعد العلم السابقة ويظل لأجيال طويلة متسيدًا الوسط العلمي، لكن الواقع ليس كذلك، الواقع كما يقول يوشيمي أوسومي(12) الحاصل على نوبل طب 2016 هو أنك تبدأ بمشكلة ما، ثم تنتقل إلى التي تليها، ثم التي تليها... الخ. 

      

في النهاية، نكتشف أننا، نحن البشر، نقف على عتبة عالمين متوازيين، عالم ضخم، كوني المقياس، يحتوي على 2 تريليون مجرة، تحتوي كل منها مليارات النجوم، نسكن نحن حول أحد تلك النجوم في كوكب متوسط الحجم، لنتأمل بتلسكوباتنا مدى براح هذا الكون واتساعه، لكن على الجانب الآخر، حينما نستخدم ميكروسكوبيا التجميد الإلكترونية، فنحن نسبر أغوار عالم داخلي شاسع الاتساع والتنوع بحجم الكون، تكوّنه جزيئات غاية في الصغر، تتحرك وتتفاعل مع محيطها بآليات غاية في الدقة، بحيث إننا - على هذا المستوى من الصغر - نفقد قدرتنا على إدراك أن هناك عالم أكبر، ثم نكتشف أننا، رغم صغر حجمنا، وضآلة مشكلاتنا، قادرين بالعلم على، التفكر، والتأمل، على سبر أغوار ذلك كله، يا للعظمة.

       

-------------------------------------------------------

 ملاحظة:

يبني هذا التقرير نفسه على إصدارات مؤسسة نوبل بموقعها الرئيس للتعريف بالجائزة

إيران في ميزان النخبة العربية

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك