اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/1 الساعة 15:00 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/12 هـ

انضم إلينا
كيف نقيس المسافات إلى النجوم؟

كيف نقيس المسافات إلى النجوم؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
قبل أن أتعلم عن سماء الليل ونجومها كان أول الأسئلة إثارة لانتباهي هو "كيف نستطيع أن نعرف كل تلك المعلومات عن نجوم لا نستطيع حتى الاقتراب منها؟"، إن نجم قنطورس المقدم مثلا، أقرب النجوم إلينا، يقع على مسافة تقترب من 38 تريليون كيلومتر منّا، بقدرات محركاتنا الحالية فإننا نحتاج ما يقرب من 60 ألف سنة للوصول إلى هناك كي نقيس كل تلك الخواص، فما بالك بنجوم تقع على أضعاف أضعاف تلك المسافة، كيف إذن نعرف أنها تبتعد كل تلك المسافات التي تذكرها الكتب والمراجع الفلكية؟ كيف نعرف أعمارها؟ كيف نقيس كتلتها؟


لنلعب قليلا
في حالة غلق عينيك اليمنى ترى الكرة بخلفية حمراء، أما إن أغلقت اليسرى فسوف تراها بخلفية برتقالية

لكي نفهم سر اللعبة هنا نحتاج لتعلم بعض الفيزياء البسيطة، لكن دعنا نبدأ بإصبع الإبهام الخاص بك، كل ما أطلبه هو أن تمد يديك أمامك على استقامتها ثم تغلق عينك اليمنى وتنظر لإبهامك، الآن افتح عينك اليمنى وأغلق اليسرى، استمر في فتح وغلق العينين بالتبادل ولاحظ ما يحدث، هل تلاحظ ذلك؟
بالفعل، لقد بدا الأمر كأن إبهامك يتحرك بالنسبة للجدار الواقع في الخلفية، بينما هو في الحقيقة ثابت لا يتحرك، لكن حركة عينيك فقط هي ما يفعل ذلك، الآن تأمل الشكل المرفق، سوف يساهم غلق إحدى عينيك في تحديد موضع الكرة بالنسبة للوحة المتعددة الألوان بخلفية الكرة، لذلك سوف تجدها مرة في خلفية برتقالية ومرة في خلفية حمراء كلما استمررت في غلق كل عين وفتح الأخرى بالتناوب، إن ما يحدث هنا هو ببساطة ما نسميه "التزيح"1 (Parallex)، وهو التغير الظاهري في موضع شيء ننظر إليه بسبب اختلاف مكان الرؤية الخاص بنا، فالمسافة بين عينيك هي ما يحكم هذا الاختلاف، ولو وضعنا كاميرا صغيرة مكان كل عين سوف تلتقط الصور في كل مرة بخلفيات مختلفة، لكن ماذا يحدث حينما نقرب الكرة من عينيك؟

راقب ما يحدث حينما نقرب الكرة

هنا سوف تلاحظ أن تقريب الكرة من عينيك يضعها في خلفيات مختلفة، فبإغلاق العين اليسرى توجد الكرة في خلفية خضراء، وبإغلاق اليمنى توجد في خلفية بيضاء، إذن كلما قربنا الكرة اتسعت مسافة تنقل الكرة في الخلفية، فبعد أن كانت تتراقص بين الأحمر والبرتقالي أصبحت تتراقص بين الأبيض والأخضر، ويعني ذلك أن هناك تناسبا عكسيا بين بُعد الكرة عنّا واتساع حركتها في الخلفية، لذلك يمكن لنا بحسبة بسيطة معرفة المسافة بينك وبين الكرة بحساب القدر الذي تحركته الكرة بالنسبة للوحة الملونة الموجودة بالخلفية، وهذا هو ما يمكن أن نفعله مع النجوم.

دعنا الآن نتأمل نفس اللعبة لكن على مستوى كبير بعض الشيء، لنفترض أن هناك نجما2 ما قريب منّا نود أن نتعرف على المسافة بيننا وبينه، هنا يمكن لنا ببساطة التقاط صورة له في موضع ما على الأرض، ثم السفر إلى مسافة طويلة والتقاط صورة أخرى ورصد تغير موقع النجم بالنسبة للنجوم الأخرى التي تقع في خلفيته، لكن النجوم، حتى الأقرب منه، تقع على مسافات شاسعة جدا تجعل من المستحيل قياس اختلاف موقعها بالتحرك على الأرض، هنا تجيء إحدى أكثر الأفكار متعة.



نحن نعرف أن الأرض تدور حول الشمس مرة كل 365 يوما، في دائرة قطرها حوالي 300 مليون كيلومتر، وهذه مسافة كبيرة جدا يمكن أن نستخدمها في لعبتنا، فحينما نحاول قياس المسافة بيننا وبين نجم ما يمكن لنا أن نقوم برصده بالنسبة للنجوم التي تقع في خلفيته، مرة في شهر (ديسمبر/كانون الأول) مثلا، وأخرى في شهر (يونيو/حزيران)، وبقياس اختلاف مكان النجم في السماء بين (ديسمبر/كانون الأول) و(يونيو/حزيران)، وبمعرفتنا بالمسافة التي قطعناها نحن (300 مليون كيلومتر) يمكن لنا تحديد المسافة بيننا وبين هذا النجم بقدر تحركه في السماء (نقيسه بوحدة تسمى الثواني القوسية).

ساعدتنا تلك الطريقة كثيرا في تقدير المسافات بيننا وبين النجوم، لكن فقط النجوم التي تقع على مسافة بحد أقصى ألف إلى ألف وستمئة سنة ضوئية، أي حوالي 10 تريليون كيلومتر، وما هو أبعد من ذلك من النجوم -وما أكثرها، فهي كل الكون تقريبا عدا ضاحية الشمس- فإن قياس التزيح لا يمكن له بسهولة أن يحدد المسافة، لأنه على تلك المسافة البعيدة تكون حركة تنقل الجرم بالنسبة للخلفية صغيرة جدا بحيث لا يسهل قياسها، هنا تطلّب الأمر آليات جديدة يمكن لنا من خلالها أن نقيس المسافات إلى نجوم أبعد، مما يتطلب بالتالي أن نلعب لعبة جديدة.

لُعبة أخرى
جميل جدا، نقف أنا وأنت جنبا إلى جنب، وأمسك أنا بمصباح مضيء، المصباح كما ترى يلمع بدرجة ما، الآن سوف أبتعد أنا بمصباحي مسافة عشرة أمتار كاملة، هنا طبعا سوف تلاحظ أن لمعان المصباح قد انخفض، وكلما ابتعدت عنك يخفت ضوء المصباح الخاص حتى يظلم تماما على مسافة بعيدة، إذن هناك علاقة بسيطة بين المسافة والخفوت، فكلما ازدادت المسافة بينك وبين جسم لامع قل اللمعان الخاص به، وهو يقل دائما بقيمة تربيعية، أي أنه حينما يبتعد المصباح عنك مترين تنخفض إضاءته أربع مرات، وحينما يبتعد أربعة أمتار تنخفض ست عشرة مرة، وهكذا.

الآن يمكن أن نستخدم تلك الفكرة ونطبقها على النجوم، ببساطة لأنه كلما ابتعد النجم يزداد خفوتا، لكن هناك مشكلة كبيرة هنا، وهي أننا لا نعرف بالأساس قدر إضاءة (ندعوها: ضيائية3 Luminosity) النجم حتى نقدّر درجة انخفاضه ونحسب منها المسافة، قد يكون النجم لامعا لأنه قريب، لكن أيضا قد يكون لامعا لأنه كبير أو لأي سبب آخر، نحتاج هنا أن نعرف لمعان النجم الأصلي -كأننا نقف بجانبه- ثم نقارنه بلمعانه على المسافة التي يقع عندها، ثم نحدد الفارق بينهما فنحدد المسافة، هنا تدخل الشمعات المعيارية لحل تلك المشكلة.

شكل مبسط لمخطط هرتزبرانج-راسل

الشمعة المعيارية4 (Standard Candle) هي جرم سماوي قد نعرف لسبب ما ضيائيته، وبذلك يمكن لنا بسهولة تحديد المسافة بيننا وبينه بمقارنة لمعانه الحقيقي بلمعانه كما يظهر لنا على الأرض، هنا يمكن لنا أن نلجأ إلى التزيح كي نتخذه قاعدة لذلك، دعنا مثلا ندرس مجموعة ضخمة من النجوم التي عرفنا المسافة بيننا وبينها بالفعل عبر التزيح، ثم نحاول استخراج قانون ما يربط ضيائية تلك النجوم (التي أصبحنا نعرفها بفضل معرفتنا للمسافة) بأي عامل آخر، ليكن مثلا لون النجم، ثم نستخدم ذلك كقانون يساعدنا في تحديد المسافات إلى نجوم أخرى لا نعرف المسافة بيننا وبينها.

هذا هو المنهج العلمي في إحدى أبسط صوره، راقب البيانات ثم استخرج قانونا وتأكد منه، ثم اصنع نموذجا وعممه، وهو ما يحدث بالفعل هنا، فهناك درجة من العلاقة بين لون النجم، المعبر عن درجة تطوره، والضيائية الخاصة به، مع تثبيت مجموعة أخرى من المعايير، ويمكن أن نستخدم تلك القاعدة لتحديد أماكن النجوم في التجمعات النجمية العنقودية التي تبتعد عنا إلى مسافات قد تصل إلى 40 ألف سنة ضوئية، لكن تلك الطريقة لا تستطيع تحديد المسافة بيننا وبين نجم مفرد بدقة، فكما ترى في مخطط هرتزبرانج-راسل5 (Hertzsprung-Russell) هناك طيف عريض من الاحتمالات لنفس اللون، أما بالنسبة للتجمعات العنقودية فيمكن لنا استخراج المسافة بسهولة لأن التجمع به عدد ضخم من النجوم تقع على نفس المسافة لأنها بنفس التجمع، مما يجعل النتائج أكثر دقة، نسمي تلك الطريقة بالتزيح الطيفي (Spectroscopic Parallax).

بنفس الطريقة استطاعت هينريتا6 ليفيت (Henrietta Leavitt)، وهي عالمة فلك أميركية كانت تعمل في أوائل القرن الفائت ضمن مجموعة سيدات لتحليل لوحات الصور الخارجة من التلسكوبات التابعة لجامعة هارفارد، في وقت لم يكن مسموحا للنساء بالعمل في المراصد، استطاعت أن تجد العلاقة الذهبية بين ضيائية المتغيرات القيفاوية، وبين هذا المعدل الذي تنتفخ وتنكمش به، والمتغيرات القيفاوية هي نوع من النجوم المتغيرة التي تنتفخ وتنكمش بمعدل ثابت (أي أن لمعانها ينخفض ثم يزداد في دورة من 1 إلى 50 يوما)، هذه النوعية من النجوم تحدثنا عنها من قبل في تقرير بعنوان "النجوم التي تغمز".

صورة من هابل توضح التغير في لمعان متغير قيفاوي، لاجظ ذلك التغير في لمعان نفس النجم بالصور الصغيرة بين 17 (ديسمبر/كانون الأول) و 26 (يناير/كانون الثاني) التالي.

وبفضل إنجاز هينريتا تمكنّا هنا على الأرض من رصد تلك النجوم المتغيرة، وتحديد معدلات انخفاض وارتفاع لمعانها، ثم استخدام ذلك لتحديد المسافة بيننا وبينها، وبالفعل استخدم إدوين هابل تلك الطريقة لقياس المسافة بيننا وبين المتغيرات القيفاوية من مجرة أندروميدا جارتنا، ثم تفاجأ حينما وجد أنها أكبر مما يمكن أن نتصور لنجم يقع في مجرتنا، ومن هنا اكتشفنا أن "المرأة المسلسلة" أو "أندروميدا" ليست مجرد سديم ملقى به في سماء مجرتنا درب التبانة، لكنها مجرة أخرى منفصلة كمجرتنا، وأن هناك العديد من الجزر التي تشبه جزيرتنا في المحيط الكوني الواسع.

بنفس الآلية تمكننا من استخدام أنواع محددة من المستعرات العظمى -النوع "Ia" تحديدا- لقياس المسافة بيننا وبينها، عبر قياس قدر الضيائية المتوقع لها نظريا ومقارنته بما نراه في حال حدوثها ثم عن طريق الفارق نحدد المسافة بيننا وبينها، كذلك هناك عدة طرق يستخدمها الفلكيون لقياس المسافة بيننا وبين المجرات الأخرى، أشهر تلك الطرق هو ما نسميه "الانزياح الأحمر المجرّي" (Cosmological Red Shift)، وهو قياس الطيف الصادر من المجرات البعيدة لتحديد سرعتها ثم إضافة السرعة إلى معادلة هابل وإخراج المسافة منها، وهو موضوع تطرقنا إليه بدرجة من التفصيل في تقرير سابق بعنوان "فجر الكون: كيف تكوّنت المجرات الأولى؟"

لعبة العلم
حسنا، لكي نفهم الهدف الضمني لهذا المقال دعنا الآن نعود إلى الوراء قليلا في الزمن، تحديدا في مصر حوالي مئة سنة قبل الميلاد حينما استعجب إراتوستينس7 (Eratosthenes) الفلكي القوريني لمّا قرأ عن أن الأعمدة بالمعابد الفرعونية في أسوان ظُهر يوم 21 (يونيو/حزيران) من كل عام لا تترك تحتها ظلا، وكان سر التعجب هو أن الأعمدة في الإسكندرية تترك تحتها ظلا في ظُهر نفس اليوم، هنا توصل إراتوستينس إلى أنه لا بد وأن تكون الأرض محدبة وليست مسطحة وإلا لظهرت الأعمدة في الإسكندرية بلا ظل، ثم بعد تفكير توصل إراتوستينس إلى فكرة غريبة.

حيث يمكننا قياس طول الظل في أسوان، الذي هو صفر، وطوله في الإسكندرية، ثم قياس المسافة بين الإسكندرية وأسوان، تقول الحكاية أنه أرسل رجلا ليقيسها بخطواته، وبذلك نتمكن من خلال بعض الهندسة البسيطة من قياس محيط الكرة الأرضية، وبالفعل توصل إراتوستينس إلى أن محيط الكرة الأرضية هو حوالي 40 ألف كيلومتر، والذي يتفق تماما مع قراءات الأقمار الصناعية الحالية بخطأ لا يزيد إلا أجزاء قليلة من المئة.

هل تلاحظ ذلك؟ إنها نفس اللعبة التي تتكرر في كل مرة، حيث للوهلة الأولى يبدو موضوع قياس المسافة بيننا وبين النجوم البعيدة هو أمر غاية في الصعوبة يحتاج إلى آليات معقدة، لكن الفكرة هنا هي أن العلم يلعب دائما بطرق غير مباشرة، حيث يدفعنا المنهج العلمي إلى ابتكار طرق مختلفة تتحايل على ما يبدو مستحيلا فتنحّي جزء الاستحالة جانبا، وتقتبس بعض الضوء من الممكن، في تجربة "إراتوستينس" السابقة تمكننا من استبدال حاجتنا إلى الدوران حول الكرة الأرضية بزاوية يميل بها الظل في مدينتين، وفي التزيح تمكننا من تحديد المسافة بيننا وبين نجم بعيد عبر اختلاف منظره بين الشهور واستخدمنا الأرض كمقياس، فعلنا ذلك فقط لأننا توصلنا إلى نموذج/قانون يمكن له تحويل أشياء صعبة للغاية إلى أشياء ممكنة، فقط عبر عقل بشري حالم، يا لها من معجزة!
المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار