اغلاق
آخر تحديث: 2017/11/18 الساعة 13:12 (مكة المكرمة) الموافق 1439/2/29 هـ

انضم إلينا
هل يمكن للرياضيات أن تفسر كل شيء؟

هل يمكن للرياضيات أن تفسر كل شيء؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

"النقطة الأولى هي أن الفائدة الجمة التي تحققها الرياضيات للعلوم الطبيعية هي شيء غاية في الغموض، ولا يوجد تفسير منطقي واحد له، والنقطة الثانية هي أن تلك الفائدة -غير المفهومة- هي ما يثير التساؤل بالأساس حول تفرّد نظرياتنا الفيزيائية"

 (يوجين فيجنر(1))       

                                                                               

ليس هناك ما هو أجمل من تأمل النجوم في ليلة حالكة، هل جربت ذلك في يوم ما؟ تتمكن أعيننا فقط من رؤية عدة آلاف من النجوم اللامعة، وتتضاعف تلك الأرقام بشكل أُسّي حينما نستخدم تلسكوبات أكبر فأكبر، ورغم ذلك كله فنحن ما زلنا في حدود مجرتنا، درب التبانة، وهي مجرة متوسطة الحجم تحتوي على ما يقرب من أربعمئة مليار نجم، بعضها كالشمس الفتية، والبعض الآخر أكبر في الحجم أو العمر، وبعضها أصغر، أما الكون فهو يحتوي على حوالي تريليوني مجرة كتلك التي نسكن فيها، وهذا هو فقط ما نسميه بالكون المنظور، أي الكون الذي يمكن لنا رصده.

 
ذلك مذهل بالطبع، والاطلاع عليه هو في كل مرة -مهما تكرر- شيء ساحر للمتخصصين والعامة على حدٍّ سواء، وما يعتبر أكثر سحرا هو الكيفية التي عرفنا بها كل تلك المعلومات، فنحن -كما ترى- نقف هنا على الأرض، لا تساعد أقوى وأسرع مركباتنا كثيرا على الهروب من الحيز الشمسي، وعلى الرغم من ذلك فلقد طوّرنا آلية جيدة جدا للتعرف إلى الكثير عن ذلك الكون الواسع، عمره، تطور نجومه ومجراته، وحتى هندسة الفضاء الخاصة به، وصولا إلى موجات جاذبية سعتها أقل من قُطر الذرة نتجت من اصطدام ثقوب سوداء تقع على مسافات لا يمكن تخيّلها!، هذه الآلية هي الفيزياء، العلم الذي يدرس كل تلك الظواهر الطبيعية، يفسرها ويتنبأ بسلوكها كذلك، والفيزياء ترتكز بشكل رئيس على المعادلات الرياضياتية.

 

ساعات المسافرين

هناك معادلة تفسر وصولك إلى العمل في تمام الساعة الثامنة صباحا خلال طريق مزدحم، وأخرى تفسر بقاء هاتفك النقال في نفس الموضع طيلة اليوم، هناك معادلة تفسر تركيب النواة داخل الذرة، وحركتها، وأخرى تفسر تموضع الذرات في جزيئات الكربوهيدرات التي التهمتها منذ قليل في قطعة البسكويت مع الشاي، في النهاية يبدو لنا أن كل شيء في هذا الكون يمكن تفسيره وتوقع مستقبله عبر معادلة رياضية ما، لكن لفهم عُمق ما أقصد في الجملة السابقة نحتاج أن نقترب من إحدى تلك المعادلات الرياضية قليلا، فرغم أن العادة جرت على أن المعادلات في المقالات العلمية تقلل عدد القراء بشكل كارثي، لكني أرى أن ذلك غير صحيح، فالبشر كائنات تحب أن يتم تحدي ذكائهم ببعض التعمق، لذلك لا تخشَ شيئا، لن نحتاج ما هو أعقد من عملية "الجذر" الموجودة في آلة حاسبة بسعر عشرة جنيهات فقط، لنبدأ معا.
 


 
قد يبدو معقدا قليلا، لكن مع بعض التأمل لا تجد ما هو أكثر من العمليات الأساسية التي تعلّمتها بالمرحلة الإعدادية، الرمز to يعني الزمن الذي يمر عليك داخل المركبة، ذلك الذي تقرأه في الساعة الخاصة بك، وt العادية تعني الوقت الذي يمر على الراصد على الأرض، في الجهة الأخرى تجد السيدة C الشهيرة والتي تعبّر عن سرعة الضوء (300 ألف كيلومتر في كل ثانية!)، وأخيرا السرعة التي تجري بها أنت، الرمز v، على قدميك أو راكبا سيارة فيراري أو حتى صاروخا مصنوعا بتكنولوجيا مستقبلية، هذا هو كل ما هنالك، لا تعقيد في الحكاية.

 
الآن دعنا نتصور تلك التجربة الخيالية التي حكى عنها ألبرت أينشتاين ذات مرة، لنفترض أنك بطريقة سحرية ما تمكّنت من السفر بسرعة الضوء نفسها، لا يهم كم التناقضات الذي لا يسمح بتلك التجربة في الواقع، فقط تخيّل أنك تمكّنت من ذلك، أنت الآن تود أن تذهب إلى مجرة أندروميدا التي تبتعد عنا 2.5 مليون سنة ضوئية، السنة الضوئية هي المسافة التي يقطعها الضوء في سنة، وأنت تسافر بسرعة الضوء، هل يعني ذلك أن تحتاج إلى سنتين ونصف حتى تصل إلى هناك؟

 
نعم، ولا، لفهم ذلك دعنا الآن نبدأ مما نسميه معامل لورنتز(2)، ويمثّلها من المعادلة بالأعلى الجذر وما تحته، لو كانت سرعتنا هي بالفعل سرعة الضوء فإننا بعملية تعويض بسيطة سوف نضع C مكان V في المعادلة، بذلك يكون حاصل قسمة C على C يساوي 1، إلى الآن كل شيء بسيط، ما زلنا أسفل علامة الجذر، لكن تلك القيمة "1" مطروحة من 1، الناتج إذن يكون صفرا، وما قيمة جذر صفر؟

  
بـ صفر، دعنا نحسب الوقت المنقضي عليك في السفينة، قيمة الجذر كاملا تساوي صفرا كما تعلّمنا منذ قليل، وهي مضروبة في الوقت الذي مر بالنسبة للآخرين على الأرض (سوف يرون أن سفينتك أخذت سنتين ونصف لكي تصل)، لكن نعرف من رياضيات الصف الثالث الابتدائي أن كل شيء مضروب في صفر نتيجته صفر، ويعني ذلك أن الوقت الذي مر عليك طوال الرحلة هو "صفر"، نعم، الأمر كما ترى، حينما تجري بسرعة الضوء فأنت لا تشعر بمرور أي زمن، أنت في كل مكان بالكون وفي كل لحظة فيه بنفس الوقت!

  
 
تلك بالفعل فكرة تستحق التأمل، يمكن لك الاستمرار في اللعب عبر وضع أية قيمة لسرعتك، لتكن نصف سرعة الضوء 0.5C مثلا، أو ربعها، أو ثلثها، في كل مرة سوف تحصل على فارق بين الوقت الذي مر عليك والذي مر على الناس هنا على الأرض، نسمي ذلك بالتمدد الزمني(3) (Time dilation)، لكن دعنا نتأمل قليلا ما يمكن أن يحدث حينما نضع سرعة سيّارة متوسطة على طريق سريع، لتكن 100 كيلومتر في الساعة مثلا (ذلك يساوي 0.027 كيلومتر كل ثانية)، هل تلاحظ ذلك؟

 
حينما نبدل v بهذا الرقم الصغير بالأعلى فإنها قيمة صغيرة للغاية مقارنة بسرعة الضوء، صغيرة لدرجة أنه يمكن إهمالها من شدة صغرها، ومع إهمالها نضع "صفرا" موضع v في معادلة جاما، ويعني ذلك صفرا مقسوما على سرعة الضوء، والناتج هو "صفر"، ويجعل ذلك قيمة الجذر كله بـ 1، مما يجعل كل قيمة جاما بـ 1، مما يجعل t الخاصة بك تساوي -تقريبا- to الخاصة بالآخرين، لذلك لا نشعر بأي اختلاف في الزمن بيننا وبين الآخرين هنا على الأرض كانوا متحركين أو ثابتين، ونتعلم أن النسبية الخاصة تظهر بوضوح فقط في السرعات المهولة، نصف سرعة الضوء مثلا يعني أن ندور حول الأرض أربع مرات تقريبا في ثانية واحدة. 
 

رياضيات لكل شيء

جميل جدا، الآن أنت تفهم جزءا رئيسا من النسبية الخاصة، بالطبع تُعد المعادلات الأساسية أكثر تعقيدا مما ترى، لكنك تمسك بالفكرة، إن ما يميز تلك الحروف والرموز هو أنها تحتوي على أقل قدر ممكن من اللغة، حينما نستخدم الكلمات تتغير المعاني من شخص لآخر، من ثقافة لأخرى، لكن الرياضيات لغة مجردة للغاية بحيث يمكن أن نتفق جميعا على فهم واحد لما تعنيه t وv وC. لا تعابير فضفاضة هنا، ورغم تلك البساطة والأناقة في التعبير فإنه يمكن لنا استخدام تلك الرموز في معادلة واحدة بسيطة لتوقّع الإطار النسبي الذي يسير به أي جسم، نعم أي جسم، في أي مكان بالكون، مما يمكّننا في النهاية من اكتساب قدرة مهولة على توقّع حدوث أشياء تبتعد عنّا في الزمان والمكان كثيرا بحيث لا يمكن لنا إدراكها بأبصارنا، تلسكوباتنا، أو أي من أدواتنا الأخرى، لكن رغم ذلك تكون نتائجنا دقيقة في كل مرة.

 
لنتأمل مثلا فلسفة بول ديراك بهذا الصدد، وقد تحدثنا عنها بشكل مفصل في مقال سابق بعنوان "بول ديراك - رجل ذو بعد واحد"(4)، حيث يرى ديراك أن المعادلة الرياضياتية الأنيقة هي فقط ما يمكن أن يُحدث تغيرات جذرية في خط سير العلم، كانت تلك وجهة نظر غاية في الغرابة لفلسفة الجمال، لكن ديراك بالفعل تمكّن من خلال تلك الوجهة من التنبؤ بوجود نوع من الجسيمات لم يكن أبدا في حسباننا أنه يمكن أن يوجد، إنها جسيمات المادة المضادة، ثم لم تمر أربعة أعوام حتّى تمكّن كارل أندرسون، أستاذ شاب من كالتيك (Caltech)، من اكتشاف البوزيترون الأول(5) (مضاد الإلكترون) والتأكد من وجود تلك المادة الغريبة التي توقّع ديراك وجودها.

 
  

 
حتّى حينما نرجع بالزمن قليلا إلى الوراء، تحديدا في القرن التاسع عشر حينما توقّع جون أدامز وأوربان لوفيرييه مدار كوكب أورانوس(6)، حيث ظهرت مشكلة في تطابق التوقّعات الخارجة من تطوير معادلات نيوتن مع النتائج، هنا افترض كل منهما وجود كوكب أبعد من أورانوس يؤثر بدوره على مدار أورانوس، وكان هذا الكوكب بالفعل هو نبتون، الذي تأكّد وجوده فيما بعد، في كل مرة في تاريخنا مكّنتنا الرياضيات من النظر إلى ما هو أبعد قليلا من إدراكنا الحسي، وجاءت النتائج لتؤكّد صحة التوقّعات التي وضعتها تلك المعادلات الرياضية، حتى إن جاليليو في القرن السابع عشر يقول(7):

 
"الفلسفة مكتوبة في الكتاب الأكبر، كتاب الكون، والذي يواجهنا مفتوحا بشكل دائم لأعيننا، ولكن هذا الكتاب لا يمكن فهمه قبل أن نتعلم لغته أولا ثم نقرأه بعد ذلك، والكون مكتوب بلغة الرياضيات، وصفاتها كالدوائر، المثلثات، الأشكال الهندسية الأخرى التي بدونها يستحيل على البشر فهم كلمة واحدة من هذا الكتاب، من دون تلك اللغة سوف نتخبط في متاهة مظلمة!".

 
إن معادلات كتلك التي تعلّمتها وطبّقتها على أرض الواقع منذ قليل هي ما يخبرنا عن إشعاع الخلفية الكونية، بل ما هو أبعد من ذلك وصولا إلى الأجزاء الأولى الدقيقة للغاية من الثانية الأولى بعمر هذا الكون حينما ظهر أول الجسيمات وبدأ في الاتحاد معا لتكوين الأنوية الأولى، وما زالت الرياضيات هي ما يحكي عن الأسباب المحتملة لاختفاء المادة المضادة، وهي كذلك ما يطرح أمامنا احتمالات تطور الكون خلال المليارات القادمة من السنين، هل سوف يستمر في التوسّع أو سوف ينهار على نفسه، أو شيء آخر؟ ورغم جهلنا بالكثير من الإجابات للكثير والكثير من الأسئلة، لكن تلك الملاحظة الواضحة بأننا نجد الرياضيات في كل مكان ننظر إليه، بالأعلى، بالأسفل، وفي ذواتنا، في الماضي والحاضر وبالمستقبل، تدعونا، كما قال يوجين فيجنر في الاقتباس الموجود بأول المقال، للتساؤل عن دور الرياضيات في الكون، هل هي فقط وسيلة لفهم الكون؟ أو هي الكون نفسه؟!

 

كونٌ من رياضيات؟!

في تلك النقطة يتدخّل ماكس تيجمارك(8) (Max Tegmark)، الفيزيائي الشهير من معهد ماساتشوستس العالي للتكنولوجيا (MIT)، ليقول إن الكون لا يحتوي فقط على بعض الخصائص الرياضية، لا، هو لا يحتوي إلا على خصائص رياضية، وذلك لأنه -كما يقول تيجمارك(9)- "لا يمكن فقط وصف واقعنا من خلال الرياضيات، بل هو رياضيات"، وهنا هو يتحدث عن الفكرة/الفلسفة القائلة إن الواقع الخارجي يوجد بالفعل بشكل منفصل عن ذواتنا، إنها الفلسفة الواقعية، وقد فردنا لها مقالا منفصلا بعنوان "هل يصف العلم الواقع؟"(10)، لكنه يضيف على ذلك أنه إن كان الواقع الخارجي موجودا بالفعل فلا بد أنه يتكوّن، ويتكوّن فقط، من بنى رياضياتية.
 

 

لنفترض أننا نعيش داخل لعبة وقررنا أن نفهم العالم من حولنا، سنتفاجأ شيئا فشيئا أن ما نكتشفه هو رياضيات تشرح العالم الخاص بنا، لكن ما نكتشفه بالفعل ليس إلا قواعد اللغة التي كُتبت بها لعبة ماريو الخاصة بنا، البرامج المكونة من معادلات وأرقام، هكذا هو تركيب الكون

 
يشرح تيجمارك فرضيته بطريقة بسيطة(11)، لنفترض أننا داخل لعبة ما، لعبة تشبه سوبر ماريو، بالنسبة لنا ونحن بداخل اللعبة فسوف نظن أننا أشخاص طبيعيون مكوّنون من وحدات مادية ملونة ثنائية البعد مثلا، وحينما يتملّكنا الفضول لمعرفة ذلك الجزء من الكون الذي نعيش فيه -لعبة ماريو- سوف نبدأ بدراسته ثم نتفاجأ شيئا فشيئا في كل مرة أن ما نكتشفه هو رياضيات تشرح العالم الخاص بنا، رياضيات تشرح تركيب أجسامنا الملونة، الأشجار، تلك السلاحف التي تجري هنا وهناك بعالم ماريو، تلك الكرات التي تسقط من الأعلى، فتحات المجاري الضخمة، مربعات الطوب التي تعطي صوتا حينما نخبطها من الأسفل،... إلخ، لكن ما نكتشفه بالفعل ليس إلا قواعد اللغة التي كُتبت بها لعبة ماريو الخاصة بنا، لتكن الـ C++ أو R  أو بايثون أو أية لغة برمجة، وهي جميعا رياضيات بالأساس، معادلات وأرقام، هكذا هو الكون.

 
هل تعرف الأقحوانات (Daisis) متسلسلة فيبوناتشي(12) (Fibonacci numbers)؟ إنها تلك المتتالية الشهيرة التي يساوي كل رقم فيها مجموع الرقمين السابقين له، فتبدأ بـ "1، 1، 2، 3، 5، 8، 13، 21،... وهكذا، إذا كانت الإجابة بـ "لا" لِمَ تتعدد بتلاتها فقط بأعداد من تلك المتسلسلة؟ في الحقيقة تُعد تلك الأعداد الخاصة بفيبوناتتشي جزءا رئيسا من تركيب العديد من الظواهر في الطبيعة(13) بداية من الزهور، القواقع، تقاسيم الوجه، أغلفة النباتات، شكل المجرات، الأعاصير، حتى دراسة سلوك البيانات الضخمة.

 
هنا يقول تيجمارك إن أرقاما كتلك، مع عدد كبير من الثوابت الفيزيائية، تؤكد أن الرياضيات ليست شيئا نبتكره، وإنما هي شيء نكتشفه، الرياضيات من تلك الوجهة لا توصف بطريقة 2+2=4 وكأنها فقط طريقة للحساب، ولكنها تدفعنا إلى التعامل مع القوانين الرياضية كمجرات مخفية في الكون نكتشفها شيئا فشيئا، أو كأن نكتشف حيوانا جديدا مثلا، أو جسيما جديدا تحت ذري، كذلك نحن نكتشف قانونا أو رقما جديدا، ثم بعد ذلك نعطيه اسما أو مفهوما من إنتاجنا، لكن تلك الأسماء والمفاهيم الخاصة بنا هي مجرد غلاف يلتف حول حقيقة موجودة بالفعل.

 

الرياضيات هي شيء لا يمكن اختباره تجريبيا، إنها فقط بُنى منطقية تعطي بُنى منطقية أخرى والتي تعطي بدورها مستويات أعقد من نفس البُنى

بيكساباي
  

يشبه الأمر تلك النكتة الشهيرة التي تقول "جدي ظل في الماء لمدة ثلاث ساعات ولم يمت، ذلك لأن الأكسجين لم يكن قد اكتُشف بعد"، حيث سواء كان الأكسجين معروفا لنا أم لا فسوف نموت إذا بقينا تحت الماء لمدة محددة، هكذا هي قوانين الرياضيات، في الحقيقة تجد تلك الفرضية لنفسها جذورا سحيقة تمتد إلى أكثر من ألفي وخمسمئة عام في الماضي، حيث اعتقد فيثاغورث(14) أننا لا يجب أن نتأمل الأرقام كصفة لشيء ما (خمس تفّاحات مثلا أو ثلاثة أطفال)، بل لذاتها، ونشأت الفيثاغورثية على ديانة مركزها الأرقام، وقال فيثاغورث إن مبادئ الرياضيات هي مبادئ كل شيء، وعلى الرغم من كونها صورا غير مادية فإنها حقيقية أكثر من الأشياء المادية نفسها، لأنها هي السبب في وجودها بالأساس.
 

أو فقط خيال مفيد؟!

بالطبع لا تقف وجهة النظر تلك وحيدة في الوسط العلمي والفلسفي، هناك وجهات نظر أخرى تقول إن الرياضيات بالفعل يمكن أن تفسر كل شيء في الكون لكن ذلك لا يعني أنها موجودة، دعنا مثلا نتخيل أن هناك ديانة قديمة ما استطاع أتباعها بناء معبد ضخم يمكن من خلال النظر عبر نوافذه وفتحات محددة في جدرانه أن نحسب مواضع النجوم المستقبلية بدقة وأن نتوقع قدوم الصيف والشتاء وظهور كوكب الزهرة أو المشتري بالأفق في ساعة محددة من يوم محدد بشهر (أكتوبر/تشرين الأول)، لكن هل يعني هذا أن تلك الديانة صحيحة لمجرد بناء هذا المعبد؟

 
لا، المعبد هنا هو فقط أداة يمكن أن تحقق لنا فائدة، وتحقيقها للفائدة لا يعني أنها صحيحة، من جهة أخرى تذهب النظرة الخيالية(15) (Fictionalism) لتلك المسألة إلى القول إن الادعاء بأن الرياضيات هي بنية الكون هو أيضا ادعاء بأن تلك البنى الرياضياتية المجردة هي شيء واقعي له خصائص مكانية وزمانية، وذلك بالطبع غير صحيح، مما يعني أن جملة تقول إن "3 هو عدد أوّلي" قد لا تختلف كثيرا عن جملة أخرى تقول إن "بابا نويل يجلب الهدايا للأطفال عشية عيد الميلاد"، بالتالي فإن الرياضيات هنا هي ما يمكن أن نسميه "خيالا مفيدا" يمكّننا من فهم الكون، لكنها أشبه بالخيال.
 


 
والمشكلة الأكبر التي يواجهها الواقعيون هنا هي ظنهم أن خلف تلك الرياضيات التي نراها في الكون هناك رياضيات أخرى أكثر عمقا وتخللا في تركيبه، لكن -كما نعرف- فإن الرياضيات هي شيء لا يمكن اختباره تجريبيا، إنها فقط بُنى منطقية تعطي بُنى منطقية أخرى والتي تعطي بدورها مستويات أعقد من نفس البُنى، يبدو الأمر وكأن هناك درجة من الطوطولوجية في تلك الحكاية، ما يعني أن الاقتناع بوجود بنية رياضياتية للكون أشبه بـ "الإيمان" دون دليل، وهو نمط قناعات غير محبب في أرض العلم حيث يجب أن تكون هناك دائما ضمانات تجريبية قدر الإمكان.

 
قضية أخرى مهمة تطرحها وجهة نظر مختلفة، في مقال بعنوان "العنف والمنظور الأخلاقي" يسأل روبرت هولمز(16) أستاذ الفلسفة بهارفارد عن سقراط حينما كان في السجن، لماذا ظل قابعا هناك بينما كانت أمامه فرصة للهرب؟ كيف يمكن للعلم، للرياضيات، أن تشرح حالة كتلك؟ يمكن بالطبع أن نصف حركاته الجسدية وانقباضات عضلاته وتغير موضع عظامه وأوتاره، لكن ذلك يغفل حقيقة أن هذا قرار أخلاقي بصورة أساسية، لا يمكن لأي شيء مادي -يقول هولمز- أن يشرح هذا الفعل، إن العالم الأخلاقي المسكون بتساؤلات عن الخير والشر، العالم -بتعبير سيمون دي بوفوار- الذي يمكن أن نعتبر فيه الإنسان مكسبا يمكن العمل عليه هو عالم بعيد كل البعد عن وجهة نظر الكون الرياضياتي كذلك.

 
في كل الأحوال، ما زال التساؤل عن الرياضيات خاضعا لدرجة التعجب التي يطرحها اقتباس يوجين فيجنر الدقيق بالأعلى، ورغم أن الوسط العلمي يميل إلى تصديق فرضية كونٍ رياضياتي البنية فإن تلك الأسئلة ما زالت مطروحة بقوة: هل الرياضيات إحدى أعظم وأهم ابتكارات عقولنا المذهلة، أو أنها جزء من -أو هي- تركيب الكون الذي نكتشفه يوما بعد يوم؟ ربما يدفعنا ذلك -كقرّاء هنا- إلى إعادة النظر في أسئلة ببساطة: ما هذا الـ 1؟ ما الجمع؟ الطرح؟ التفاضل؟ الجبر الخطي؟ الهندسة المستوية؟ من أين جاءت كل تلك الرياضيات؟ هل نكتشف الرياضيات أم نبتكرها؟ يستحق ذلك الكثير من التأمل في الحقيقة، حيث، تأمل معي قليلا هنا، نحن لا نعرف ماهية الشيء الذي يمثّل أعظم إنجاز في تاريخنا والذي يصنع كل ذلك الفارق العظيم بين العلوم الطبيعية وغيرها، أليس ذلك غريبا؟

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار