اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/14 الساعة 13:20 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/26 هـ

انضم إلينا
مخططات فاينمان.. الكون يتراقص على نغمات الكم

مخططات فاينمان.. الكون يتراقص على نغمات الكم

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

إذا كنت طالبا في المرحلة الثانوية أو الجامعية فلا بد أنك، بينما تبحث عن أفضل الأساليب لاستذكار الدروس، قد التقيت بما يشتهر بين الطلبة باسم "تقنية فاينمان"(1)، في الحقيقة لا علاقة لتلك الطريقة بريتشارد فاينمان لكنها محاولة لاتباع أسلوبه في فهم وتعليم العلم، حيث تتضمن تلك الطريقة أن تبدأ باختيار مفهوم ما لتستذكره، الآن حاول أن تشرحه لطفل صغير، في أثناء شرحك سوف تواجه مجموعة من الفجوات أو القفزات غير المفهومة، حددها بدقة، استذكرها مجددا واملأ الفجوات، ثم حسّن فكرتك وبسّطها بدرجة أكبر، هكذا..

 
لو تأملت قليلا ستجد أن ذلك النمط يشبه شخص فاينمان كثيرا، فهو لا يفعل ذلك فقط في أثناء شرحه للفيزياء، بدرجة تجعل من مرجعه "محاضرات فاينمان" في أجزاء ثلاثة هو إلى الآن أحد أشهر الكتب بين محبي وطلبة الفيزياء، لكن أيضا يستخدم فاينمان التبسيط حتّى في الآليات التي توصّل من خلالها إلى نظرياته، وفي كيفية عرض تلك النظريات لاستخدام النظري، يمكن بالطبع أن نصدق هذا بسهولة في شخص قال ذات مرة(2) إنه "يمكنك التعرف على الحقيقة من جمالها وبساطتها".
 

ليس بالضبط!

في تقرير سابق بعنوان "هل تمزح يا سيد فاينمان؟"(3) تعرّفنا إلى أحد أوجه تلك البساطة عبر إنجاز فاينمان المسمى بـ "حاصل جمع المسارات" والذي يقول، باختصار مخل ويُفضّل أن ترجع إلى التقرير السابق، أن كل جسيم، أي جسيم، لكي ينتقل مثلا من يدك اليمنى إلى اليسرى فإنه يعبر كل المسارات الممكنة بما في ذلك مسار يتضمن مثلا أن يذهب الجسيم أولا إلى مجرة السيجار الواقعة بعد عشر سنوات ضوئية ثم يعود إلى اليد اليسرى، لكن أكثر الاحتمالات إمكانية هي الاحتمال الكلاسيكي، أي أن يسافر مباشرة بطريقة عادية. لكن الأمر أعقد من ذلك أيضا، حيث دعنا نضيف أن تلك الاحتمالات تمتد، لا لتشمل فقط كل المسارات الممكنة للجسيم، ولكن أيضا كل الاحتمالات الممكنة لتفاعل الجسيم نفسه، ماذا؟

 

مخططات فاينمان على سيارته الخاصة (مواقع التواصل)

 

يمكن لجملة شهيرة تقول إن "كل شيء يمكن أن يحدث، يحدث" أن تشرح تلك الفكرة، في الحقيقة سوف نحتاج إلى هذا المجاز كثيرا بينما نتحدث في نظرية الإلكتروديناميكا الكمّية(4) (Quantum Electrodynamics)، إنها إنجاز فاينمان الأكبر والتي تلقى عنها جائزة نوبل(5) (مع توموناجا (Sin-Itiro Tomonaga)، وشوينجر (Julian Schwinge))، تُعدّ تلك النظرية هي ما يمكن أن نسميه بشكل تقريبي صورة مكتملة من ميكانيكا الكم لا تحتاج تعديلات إضافية كي تتقبل وجود النسبية معها، فهي بسلاسة تدمج بين الكوانتم والنسبية في نظرية واحدة، دعنا نتخطّى كل الإنشاء ونبدأ في الفهم.

 
قبل أن نبدأ في الحديث عن مخططات فاينمان، والتي تُمثّل الآليات الحسابية بداخل نظرية الإلكتروديناميكا الكمّية، دعنا نبدأ بشرح ما يعنيه اصطلاح مهم في ميكانيكا الكم، إنها نظرية الاضطراب(6) (Perturbation Theory)، وهي حيلة رياضياتية تعني أن نستبدل معادلة ما يصعب حلّها بأخرى قريبة (approximate) لها يسهل حلّها، بمعنى أن الحالة التي نحاول حلها تختلف، فقط قليلا، عن تلك التي لها حل دقيق ومثالي، لكننا نلجأ إلى هذا التقريب لأن المعادلة الأساسية للنموذج المعياري لفيزياء الجسيمات(7)، مثلا، لا يمكن حلّها، فنتجاوزها إلى صورة أقرب لها، وكلما كنت أقرب كنت أدق، دعنا الآن نسافر إلى القاهرة بمصر.

 

المعادلة الأساسية للنموذج المعياري بفيزياء الجسيمات، تشتهر بوجودها مطبوعة على ملابس وأدوات محبي الفيزياء (مواقع التواصل)

 
يشبه الأمر، ليس بالضبط ولكن يشبه، أن تقيس المسافة بين القاهرة وأسيوط (مصر)، هنا يمكن شد خط مباشر على صفحة غوغل خرائط بينهما وحساب المسافة التي يمكن أن تقترب بشكل ما من الرقم 358 كيلومترا مثلا، لكن لحساب أكثر دقة سوف نمشي مع تعرجات نهر النيل بين المدينتين لقياس المسافة، ولدقة أكبر -ولكن تتطلب مجهودا أكبر- يمكن لك تكبير خريطة غوغل جدا حتّى مستوى المراكز وربطها مركزا مركزا، ولدقة أكبر يمكن أن تتبع الطريق نفسه الذي يربط بين المدينتين وتقيسه كأجزاء صغيرة جدا ثم تجمعها معا لتصبح المسافة حوالي 373 كيلومترا، الحالة الأولى بها آلية تقريبية أسهل لكنها فعّالة.
  

  

بالطبع يُمثّل ذلك ما قدره 4% فقط بين أن نقيس المسافة كخط واحد أو أن نقيسها متعرّجة، إنها مسافة لا تُهم كثيرا حينما تود السفر من القاهرة إلى أسيوط، لكن بالنسبة للإلكتروديناميكا الكمية فالأمور أكثر دقة، فحينما مثلا نحاول قياس العزم المغناطيسي للإلكترون عبر قياسات معامل جامعة هارفارد(8) سنجد أنه رقم ما يساوي 1.001159652181، أما توقعات نظرية الإلكتروديناميكا الكمّية فكانت: 1.001159652182، هل تلاحظ ذلك؟

 
بالضبط، الفارق كان فقط في الرقم الثاني عشر بعد العلامة العشرية، يعني ذلك أن التقريبات الخاصة بنظرية الإلكتروديناميكا الكمّية استطاعت النجاح في الحصول على دقة بقدر واحد في التريلليون، تلك هي دقة لم تحدث من قبل في تاريخ العلم، ولذلك فإن الإلكتروديناميكا الكمّية هي النظرية العلمية الأدق إلى الآن، يشبه الأمر أن تدور حول الأرض مرة ونصف وتخطئ في حساب المسافة بما مقداره قطر شعرة بشرية.
 

إلكترونات وفوتونات وفوضى!

جميل جدا، الآن تعرّفنا إلى التقنية الرياضية التي تُحتسب بها القيم في نظرية الإلكتروديناميكا الكمية، ما نحن بصدده الآن هو التعرّف -المبسط للغاية- إلى مخططات فاينمان، حيث تعلمنا الفيزياء الكلاسيكية أن التقاء إلكترونين يشبه التقاء كُرتين من البليارد، لكنهما لا يصطدمان بل يتنافران لأن كل منهما شحنة سالبة، فنحن نعرف من المرحلة الإعدادية أن الشحنات المتشابهة تتنافر، لكن بالنسبة للإلكتروديناميكا الكمية(9) فالمجالات الكهرومغناطيسية هي أشياء مكممة، أي إنها لا تنساب بشكل متصل في كل مكان، لكنها تتكوّن من وحدات منفصلة من الطاقة نعرفها باسم الفوتونات، لذلك فإن الصورة الكمية للتنافر سوف تكون أن يتبادل كل من الإلكترونين فوتونا -أو أكثر- ثم يرتدا بسبب ذلك.
 



يشبه إطلاق الفوتون أن تحمل كرة ثقيلة ما، حينما تُلقي بتلك الكرة إلى صديق بعيد فإنك ترتد إلى الخلف من أثر إلقاء الكرة له، وحينما يتلقى صديقك تلك الكرة فإنه يرتد إلى الخلف أيضا من أثر استقباله للكرة، لكن يجدر بنا هنا التوقف للحديث عن عدة نقاط، حيث لا وجود لإلكترونات هنا بالمعنى المفهوم أو التشبيه بشخص يُلقي كرة (فوتونا) لشخص، إن ما أقوم به هنا هو فقط استعارة من أدواتنا اليومية، استعارة تشرح تجريدات رياضياتية تتعلق بمجالات كمومية لا تحتوي على تصورات أو رسوم كتلك، إنما فقط صفحات طويلة للغاية من المعادلات المعقدة والمملة.

 
دعنا نتأمل قليلا التصميم المرفق بالأعلى، تابع الأسهم حيث يدخل إلكترون من الأعلى (أحمر) وآخر من الأسفل (أخضر)، ثم يتبادلان الفوتون ويخرجان من التفاعل (اصطلاح "التفاعل" هنا هو استخدام مجازي فتلك ليست كيمياء)، ذلك هو ما نسميه بمخطط فاينمان(10) (Feynman Diagram) الذي يشرح التقاء إلكترونين، ويمكن بتبسيط أكبر أن نختصر مخطط فاينمان إلى صورته الأولية، وهي لجسيم(11)، إلكترون عادي مثلا، يفقد فوتونا ويرتد عن نفسه، الآن تأمل معي نقطة التقاء الأسهم الثلاثة، تسمى العقدة أو العروة (Vertex).
 


تخيل أن مخطط فاينمان السابق هو ساعة تدور عقاربها ست لفّات، الآن قم بتدويره حول العقدة الخاصة به، يعني ذلك أن هناك ستة احتمالات لمخطط فاينمان الأوّلي، ففي كل مرة تدور الدورة نحصل على تفاعل مختلف تماما، كل تفاعل يمشي مع نفس خط الزمن، خذ مثلا رقم 2، بالشكل الموجود بالأسفل، تعني امتصاص جسيم لفوتون وإطلاق جسيم آخر، ثم بعد ذلك -رقم 3- يدخل فوتون واحد إلى العقدة فينطلق منه زوج جسيمات(12) (Pair Production)، واحد منهما هو جسيم (سهمه إلى الأمام في الزمن) والآخر هو جسيم مضاد (سهمه إلى الخلف في الزمن).


 
هنا نلتفت إلى نقطة مهمة، حيث قام فاينمان بالتعبير عن الجسيم المضاد كجسيم عادي لكنه يعود إلى الخلف في الزمن، راقب الشكل 5، سهم الجسيم كما ترى يمشي عكس سهم الزمن، لكنه رغم ذلك يمشي في اتجاه الزمن إلى الأمام لإطلاق فوتون والارتداد كجسيم مضاد كذلك، إنه نفس ما حدث مع الجسيم العادي. راقب كذلك رقم 4، إنها لجسيم وجسيم مضاد يلتقيان عند العقدة فيتحولان إلى طاقة (فوتونات)، لمعرفة المزيد حول المادة والمادة المضادة وتماثلهما  يمكن مراجعة تقرير سابق بعنوان "سر الوجود: الفيزيائيون والبحث عن نشأة الكون".

 

فاينمان يبسّط الكون

هناك عدد لا نهائي من تلك الأشكال، فقط في غوغل ابحث عن "مخططات فاينمان" (يُفضّل الإنجليزية Feynman Diagrams) وسترى كمًّا مهولا منها، لكنهم جميعا يتكوّنون من وحدات تشبه تلك التي بالأعلى، عقدة يدور حولها سهمان وخط مموج يدل على البوزون الخارج (كان فوتونا أو غيره)، هنا نرجع إلى جملة "كل ما يمكن أن يحدث، يحدث"، إن التقاء إلكترونين مثلا ثم خروجهما وحده يحتوي على عدد لا نهائي من الاحتمالات لتفاعلات تتحول فيها جسيمات المادة المضادة والمادة إلى طاقة ثم ترتد الطاقة لإنتاجهما مرة أخرى، أو أن يطلق أي من تلك الجسيمات فوتونا في طريقة، الفوتون الذي بدوره يمكن في أية لحظة أن يتحول إلى جسيمات وجسيمات مضادة... إلخ، لكن هناك قانون يحكم كل ذلك.
 


 
كلما ارتفع عدد العقد في مخطط فاينمان ضعفت احتمالية أن يكون هذا المخطط هو النتيجة الأقرب إلى التحقق، فكما نعرف، عالم الكم وحساباته هو عوالم تتحدث فيه بيانات واحتمالات (لا نتائج محسومة)، أي إن الجسيم لا يدخل ليتفاعل بهذا الشكل مع جسيم آخر وفقط، لكننا نتحدث فقط عن أفضل الاحتمالات، وإن احتوى مخطط فاينمان على عقدتين، فهناك مئة مرة احتمال أن يحدث هذا المسار في التفاعل أكبر من آخر به ثلاث عقد، وهكذا كلما ارتفع عدد العقد قلّت الاحتمالية بنفس القدر، ما يجعل من الاحتمال صاحب العقد الأقل هو الاحتمال الرئيس بفارق 100 مرة عن أقرب منافسيه.

 
في تلك النقطة تحتوي ميكانيكا الكم الميكانيكا الكلاسيكية، حيث يكون ما يحدث في الواقع (مبدأ أقل فعل من مقال سابق) هو الصورة الأكثر احتمالا من صور أخرى لا نهائية تحمل أحداثا نظن أنها مخالفة للواقع، كلها تساهم بقدر من الاحتمال لكنه قدر ضئيل جدا لا نراه في الواقع، قبل أقل من مئة عام أطلق نيلز بور على تلك الظاهرة مبدأ التناظر(13) (Correspondence Principle)، حيث تحتضن كل نظرية سابقتها بحيث تصبح السابقة حالة خاصة منها.

 
يعني ذلك أن أمامنا حالة يدخل فيها جسيمان للالتقاء، ثم يخرج جسيمان، لكن ما يحدث في الداخل هو حالة محمومة من الإمكانات تحدث كلها وهناك ما هو ذو احتمال أكبر من الأخرى، لكن كل ما يحدث بالداخل يتكوّن مما نسميه "جسيمات افتراضية"، وهي حالة لا يمكن إعطاؤها تعريفا محددا، لكن يمكن اعتبارها نوعا من الاضطراب في مجال، وهذا هو بالأساس ما يعنيه أن نقول(14) "مجالا كمّيا"، حيث تتفاعل المجالات الكمّية المختلفة مع بعضها البعض، وتنقل الطاقة إلى بعضها البعض، ويتم تعريف وجود الكتلة والمادة، عبر عملات (وحدات مكممة) من الطاقة، للمزيد حول هذا الجزء يمكن أن تتأمل مقالا للكاتب بالمصادر حول نظرية المجال الكمّي.
 


 
في النهاية نحتاج أن نوضح أن ما تعلمناه خلال السطور السابقة يُعبّر بالأصل عن تجريد رياضي بحت، مخططات فاينمان يُعبّر كل سهم أو تموج (كل عقدة) منها عن معادلة معقدة تُعبّر عن كيانات احتمالية، لذلك أتمنى ألا يشرد خيالنا بعيدا للحديث عن إمكانات موجودة بالفعل في أرض الواقع، لأن ما يحدث في تلك التفاعلات بين جسيمات خارجة وجسيمات داخلة لا يشبه أي شيء نعرفه، ولا يمكن لنا تصويره بلغتنا اليومية، أو حتى لغة الفيزياء الكلاسيكية، لذلك دعنا هنا نتذكر مقولة فاينمان عن تشبيه الذرة بنظام المجموعة الشمسية كنواة تدور حولها إلكترونات "لا كواكب، ولا شمس، ولا أي شيء يمكن أن نتصوره".

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار