هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
"طباعة الحديد".. طفرة مذهلة في الطباعة ثلاثية الأبعاد

"طباعة الحديد".. طفرة مذهلة في الطباعة ثلاثية الأبعاد

محمد أسامة

مترجم
  • ض
  • ض
مقدمة المترجم
رغم ما أثير حول الطباعة ثلاثية الأبعاد من ضجيج، فإنها لم تحدث نقلة كبيرة في طريقة تصنيع الأشياء. لكن شركة "ديسكتوب ميتال" تدعي نجاحها في التوصل إلى سر طباعة القطع المعدنية بصورة عملية وموفرة اقتصاديا.

 

نص التقرير
قبل أقل من شهرين على تشغيل خط الإنتاج الأول لشركته، يقف ريك فولوب -رئيس مجلس الإدارة- بحماس أمام طاولة تعرض صفوفا من الطابعات ثلاثية الأبعاد المفككة، وعددا من أفران المايكروويف الضخمة، وقطع معدنية صغيرة. وهناك، خلف الباب المغلق، يجلس فريق من المصممين الصناعيين حول مكتب مشترك، وأمام كل منهم شاشة ضخمة. علقت على جدران الحجرة رسومات متنوعة لتصاميم مقترحة للمنتجات الطموحة التي ستقدمها هذه الشركة الناشئة: طابعات ثلاثية الأبعاد يمكنها إنتاج قطع معدنية بتكلفة أقل وسرعة أكثر لجعلها تقنية مناسبة للاستخدام في التصنيع وتصميم المنتجات على نطاق واسع.

 

جمعت شركة "ديسكتوب ميتال" نحو مئة مليون دولار عن طريق إقناع شركات رأسمالية مغامرة رائدة وشركات مثل جنرال إلكترك، وبي إم دبليو، وألفابت، بالاستثمار معها. تضم قائمة مؤسسي الشركة أربعة أساتذة لامعين بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، من بينهم رئيس قسم علوم المواد بالمعهد، وإيمانويل ساكس الذي سجل إحدى براءات الاختراع المبكرة في مجال الطباعة ثلاثية الأبعاد عام 1989. إلا أن جميع هذه الأموال والخبرات لا تضمن للشركة تحقيق هدفها في تغيير طريقة إنتاجنا للقطع المعدنية تماما، وما سيترتب عليها من تغيير كثير من قواعد التصنيع.

 

يستطيع الهواة والمبتكرون الناشئون استخدام طابعات ثلاثية الأبعاد رخيصة نسبيا لإنتاج قطع بلاستيكية معقدة ومبتكرة (ديسكتوب ميتال)

 

يتنقل فولوب في مقر عمله الواسع والمفتوح بحماسة وهمة يشوبها القلق. فالطابعات النهائية المستهدف تسويقها ليست جاهزة بعد. يقضي الموظفون وقتهم في إصلاح وتعديل الماكينات، وحولهم عينات الاختبار المصنعة منثورة في كل مكان. لا ينكر أحد أن الشركة تقترب من هدفها، لكن عقارب الساعة لن تتوقف عن الدوران. هناك ركن قرب الباب الأمامي وصالة الاستقبال، أرضيته خالية ويحوطه شريط يضمن بقائها كذلك. يتوجب ملء هذه المساحة في أقرب وقت بمجسم للخيمة التسويقية المخطط استخدامها في المعرض التجاري المنتظر.

 

إن نجاح "ديسكتوب ميتال" في مخططها سيعني التغلب على عقبة هائلة لطالما أرقت مطوري الطباعة ثلاثية الأبعاد على مر العقود الثلاثة الماضية، أدت إلى تحجيم كبير لأثر هذه التقنية. لا شك أن الطباعة ثلاثية الأبعاد كانت مخيبة للآمال في نواح عدة، رغم الحماسة الهائلة والجلبة التي لازمتها منذ ظهورها.

 

يستطيع الهواة والمبتكرون الناشئون استخدام طابعات ثلاثية الأبعاد رخيصة نسبيا لإنتاج قطع بلاستيكية معقدة ومبتكرة. كما استفاد بعض المصممين والمهندسين من هذه الآلات في صنع نماذج لمنتجات متخيلة، لكن طباعة البوليمر لم تلق رواجا في مجال التصنيع إلا داخل مساحة محدودة من المنتجات المتخصصة، مثل سماعات الأذن وزراعة الأسنان.

 

صحيح أن الطباعة ثلاثية الأبعاد للمعادن ممكنة، لكنها صعبة ومكلفة. تستخدم شركات التصنيع المتقدمة، مثل جنرال إلكترك، آلات باهظة الثمن مزودة بأشعة ليزر متخصصة وقوية لصنع عدد قليل من القطع عالية القيمة. لكن تظل طباعة المعادن مقصورة على الشركات القادرة على إنفاق الملايين على المعدات وتوفير الطاقة اللازمة لأشعة الليزر والفنيين المدربين جيدا لتشغيل كل ذلك. وما يزال البديل العملي معدوما أمام الراغبين في طباعة نماذج مختلفة من القطع المعدنية كمرحلة ضمن عملية تصميم المنتج وتطويره.

   

إن توفر طريقة سريعة وميسورة لطباعة القطع المعدنية خطوة هامة من أجل تحويل هذا التصور إلى واقع ملموس

ديسكتوب ميتال
  

إن مواطن ضعف الطباعة ثلاثية الأبعاد تعني أن التصور الذي خلب لب المتحمسين لهذه التقنية ما يزال صعب التحقيق. لا شك أنهم يودون صنع تصميم رقمي، ومن ثم طباعة نماذج مبدئية يمكن اختبارها وتطويرها، ثم استعمال الملف الرقمي للنسخة المثلى لخلق منتج أو جزء تجاري من نفس المادة، متى ضغط زر "اصنع" على الطابعة ثلاثية الأبعاد. إن توفر طريقة سريعة وميسورة لطباعة القطع المعدنية خطوة هامة من أجل تحويل هذا التصور إلى واقع ملموس.

 

سيمنح ذلك المصممين مزيدا من الحرية، ويمكنهم من صنع واختبار القطع والأجهزة معقدة الهيئة، التي يصعب إنتاجها بأي طريقة أخرى، مثل شبكة الألمونيوم المعقدة والقطع المعدنية ذات التجاويف الداخلية. بمرور الوقت، قد يتيح ذلك للمهندسين وعلماء المواد تصنيع قطع ذات وظائف وخواص جديدة، عبر الجمع بين أنواع مختلفة من المواد، مثل طباعة معدن ممغنط إلى جانب آخر غير ممغنط. وفوق ذلك، سيعيد هذا تعريف اقتصاديات الإنتاج الكثيف، لأن تكلفة الطباعة ستظل ثابتة بغض النظر عن عدد القطع المصنعة. وهو ما سيغير طريقة تفكير المصنعين في حجم المصانع والحاجة إلى التخزين (لماذا يحتفظ بقطع كثيرة في المخزن إذا كان بوسعه طباعتها بسهولة وسرعة؟)، وعملية تكييف التصنيع الذي تتطلبه المنتجات المتخصصة.

 

كان هذا سبب التسابق على تحويل الطباعة ثلاثية الأبعاد إلى طريقة جديدة لإنتاج القطع. فالموردون القدامى للطابعات ثلاثية الأبعاد، مثل ستراتاسيس وثري دي سيستمز، يقدمون آلات متطورة وسريعة كفاية لتناسب متطلبات المصنعين. في العام الماضي، قدمت هوليت-باكارد خط إنتاج للطابعات ثلاثية الأبعاد قالت إنها ستسمح للمصنعين بإنتاج نماذج أولية ومنتجات من النايلون، وهو إحدى اللدائن الحرارية المستعملة على نطاق واسع. وفي الخريف الماضي، أنفقت جنرال إلكترك أكثر من مليار دولار على زوجين من الشركات الأوروبية المتخصصة في الطباعة ثلاثية الأبعاد للقطع المعدنية.

 

لكن لعل عدد شركات الطباعة ثلاثية الأبعاد المتزايد ليس هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه ديسكتوب ميتال. ببساطة، تستخدم طابعات هوليت-باكارد، وستارتاسيس (أحد المستثمرين في ديسكتوب ميتال)، وثري دي سيستمز مجموعة متنوعة من اللدائن، لا علاقة لها بالمعادن التي تهدف شركة فولوب إلى استعمالها في طابعاتها. كما أن آلات جينرال إلكترك الفخمة لا تتقاطع مع السوق الذي تستهدفه ديسكتوب ميتال إلا في نطاق محدود جدا. غالبا، سيأتي التحدي الحقيقي أمام ديسكتوب ميتال من سائر تقنيات معالجة المعادن. يشمل ذلك تقنيات التشغيل الآلي، مثل الطريقة المتبعة في صنع غطاء الألمونيوم الخلفي شديد الرقة لهواتف آبل المحمولة، وكذلك قولبة المعادن بالحقن الآخذة في الانتشار، وهي طريقة شائعة للإنتاج الكثيف للمنتجات المعدنية.

  

إن مجرد نجاح الطباعة ثلاثية الأبعاد في الاستحواذ على جزء صغير منها، يعني التنافس على عدة مليارات من الدولارات

ديسكتوب ميتال
  

أو بعبارة أخرى، لن يتوقف سعي ديسكتوب ميتال عند التفوق على سائر الطابعات ثلاثية الأبعاد فحسب، بل سيتوجب عليها كذلك إقناع المصنعين بالتخلي عن طرق الإنتاج المعتادة التي تشكل جوهر صناعتهم. لكن تواجد هذا السوق الضخم والمستقر يغري بمواصلة السعي. يقول فولوب إن تصنيع القطع المعدنية "هي صناعة تبلغ قيمتها تريليون دولار". ويكمل موضحا أن مجرد نجاح الطباعة ثلاثية الأبعاد في الاستحواذ على جزء صغير منها، يعني التنافس على عدة مليارات من الدولارات.

 

سخونة تعيق الطباعة
انظر حولك، المعادن في كل مكان، لكن في حين استخدمت الطابعات ثلاثية الأبعاد لصنع اللدائن على نطاق واسع، "ظل استخدام هذه التقنية لصنع القطع المعدنية محصورا في مجالات ضيقة. ليست معالجة المعادن مجرد فن، بل هي مجال شديد الصعوبة أيضا"، حسب قول كريس شوه، رئيس قسم علوم المواد والهندسة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وأحد مؤسسي ديسكتوب ميتال.

 

ترجع صعوبة إنتاج القطع المعدنية بالطباعة ثلاثية الأبعاد إلى عدة أسباب. أبرزها درجة الحرارة المرتفعة اللازمة لمعالجة المعادن. تتضمن الطريقة الأكثر شيوعا لطباعة اللدائن تسخين البوليمرات ودفعها إلى الخارج عبر فوهة الطابعة، لتجمد ساعتها اللدائن على هيئتها المستهدفة. إنها عملية بسيطة بدرجة تسمح باستخدامها في الطابعات ثلاثية الأبعاد، التي يبلغ متوسط سعرها نحو ألف دولار. لكن تشييد طابعة ثلاثية الأبعاد لصب المعادن مباشرة ليست بالفكرة العملية، نظرا إلى درجات الحرارة الهائلة التي يتطلبها انصهار هذه المعادن، مثل 660 درجة في حالة الألمونيوم، و1370 في حالة الصلب الكربوني، و1668 في حالة التيتانيوم. كذلك تمر القطع المعدنية بعدة مراحل مرتفعة الحرارة لضمان تحقيق الصلابة المستهدفة، إلى جانب عدة خصائص ميكانيكية أخرى.

 

استعانت ديسكتوب ميتال بتقنية تعود إلى أواخر الثمانينات، لصنع طابعة ثلاثية الأبعاد ذات سرعة تغري بالاستخدام في تصنيع القطع المعدنية. في هذه الفترة، قام فريق من مهندسي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، يقودهم ساكس - أحد مؤسسي الشركة - بتسجيل براءة اختراع لـ"تقنيات طباعة ثلاثية الأبعاد". تضمن هذا التسجيل شرحا لعملية وضع طبقة رقيقة من مسحوق معدني، يليها استخدام طباعة الحبر النفاث لترسيب سائل يربط المسحوق ببعضه بصورة انتقائية. تتكرر هذه العملية على مستوى مئات وآلاف الطبقات لإنتاج قطعة معدنية واحدة، ويمكن استخدامها لإنتاج قطع ذات تعقيد هندسي غير محدود تقريبا. وفي التطبيقات الأكثر انتشارا لهذه التقنية، يلعب سائل الربط البيني دور الصمغ. إضافة إلى ذلك، يمكن استخدام هذه التقنية لترسيب عدة مواد في عدة مواقع.

  

استخدمت ديكتوب ميتال مساحيق معادن مخلوطة بسائل ربط بوليمري، بديلا عن البوليمر المخفف. ينفث هذا الخليط، ويتولى سائل الربط المطبوع حفظ تماسك المعدن المسحوق (ديسكتوب ميتال)

 

يقول ساكس إن باحثي ماساتشوستس أدركوا وقتها إمكانية استخدام هذه الطباعة لصنع قطع معدنية وخزفية. لكنهم أدركوا كذلك أن تدني سرعتها يجعلها طريقة غير عملية، إضافة إلى ارتفاع سعر المعدن المسحوق المستخدم آنذاك بصورة جنونية. وجه ساكس اهتمامه إلى جهود بحثية أخرى، منها ما استهدف تحسين صناعة الألواح الضوئية. وخلال العقود التالية، بزغت شمس الطباعة ثلاثية الأبعاد وألهبت مخيلة كثير من مصممي المنتجات. لعل إنتاج ميكربوت للطابعة ثلاثية الأبعاد الرخيصة وسهلة الاستعمال عام 2009 هو أحد أبرز المحطات، وهو ما لاقى قبولا ضخما من المبتكرين والمستكشفين المستقلين. لكن مشكلة هذه الطابعات سهلة الامتلاك كانت في اقتصار عملها على قلة من اللدائن الرخيصة. علاوة على ذلك، لم يكن المنتج النهائي بنفس جودة القطع المصنعة باستخدام التقنية التقليدية، رغم الإقرار بقدرتها على طباعة أشكال معقدة.

 

في هذه الفترة، كان الباحثون التابعون لكبار المصنعين - مثل جينرال إلكترك - مشغولين بتطوير تقنيات طباعة المعادن المعتمدة على الليزر، التي ظهرت في أواخر الثمانينات. تستخدم هذه الآلات الليزر، كما تستخدم الحزم الإلكترونية في بعض الحالات، لرسم أشكال في طبقة من مسحوق المعادن عبر صهر المادة. تتكرر هذه العملية لبناء قطع ثلاثية الأبعاد من المسحوق المنصهر. هذه تقنية ذات قدرات مذهلة، لكنها بطيئة ومكلفة. فلا يلتفت إليها إلا في حالة القطع هائلة القيمة، التي لا يمكن إنتاجها عبر الطرق الأخرى لشدة تعقيدها. جدير بالذكر أن محرك جينرال إلكترك النفاث الجديد يستخدم سلسلة من فوهات الوقود المنتجة بواسطة الطباعة ثلاثية الأبعاد. إنها أخف وزنا وأطول عمرا بكثير نتيجة لقنوات التبريد المعقدة المدمجة فيها.

 

وجد مؤسسو ديسكتوب ميتال أن تحقيق مزيد من الانتشار لطباعة المعادن ثلاثية الأبعاد يتطلب تسويق نوعين مختلفين من الآلات: إحداهما رخيصة نسبيا، تناسب سطح المكتب، تلبي حاجات المصممين والمهندسين الذين يصنعون نماذجهم الأولية، أما الأخرى فسريعة وضخمة بدرجة تناسب المصنعين. لحسن الحظ، ظهرت عدة ابتكارات ناجحة، جعلت الإنتاج الكثيف لاختراع ساكس الأصلي أمرا عمليا، ومن ضمنها تطوير طباعة حبر نفاث فائقة السرعة لترسيب سائل الربط. وبفضل النجاح في طباعة نحو 1500 طبقة، يبلغ سمك كل واحدة 50 ميكرومتر، لا تستغرق إلا ثوان معدودة للترسب، تستطيع هذه الطابعة التجارية بناء قطعة يبلغ حجمها 500 بوصة مكعبة خلال ساعة واحدة. يفوق ذلك سرعة إنتاج طابعة الليزر ثلاثية الأبعاد للقطع المعدنية بنحو مئة ضعف.

  

اختلاف الطباعة ثلاثية الأبعاد يكمن في توفيرها طرقا لصنع أشياء أكثر تعقيدا بكثير، كما تحرر المصممين والمهندسين من قيود كثيرة تفرضها عليهم عملية الإنتاج التقليدية

ديسكتوب ميتال
  

استعانت ديسكتوب ميتال بإحدى أساليب الطباعة ثلاثية الأبعاد للدائن، في النموذج الأولي لطابعاتها. لكنها استخدمت مساحيق معادن مخلوطة بسائل ربط بوليمري، بديلا عن البوليمر المخفف. ينفث هذا الخليط، ويتولى سائل الربط المطبوع حفظ تماسك المعدن المسحوق وفقا للهيئة المستهدفة.

 

لكن سواء طبعت هذه القطعة بنموذج الطابعة الأولي أو بالآلة التجارية، يأتي المنتج - الذي هو خليط من سائل الربط والمعدن المسحوق - مفتقرا إلى صلابة المنتجات المعدنية الخالصة. لذلك يوضع في فرن مايكروويف مصمم خصيصا للتلبيد، وهي عملية استخدام الحرارة لرفع صلابة المادة، لإنتاج قطعة بالخصائص المستهدفة. تنقسم مرحلة التلبيد إلى سلسلة من الخطوات المعيّرة بدقة، يحترق خلالها البوليمر تماما، ثم تلتحم أجزاء المعدن معا في درجة حرارة تقل عن درجة حرارة انصهار المعدن بكثير.

 

مؤشر المبيعات
وفق دعاية المتحمسين، ستقلل الطباعة ثلاثية الأبعاد من الحاجة إلى المصنعين، وستمكن للمنتجين الحرفيين المحليين. صحيح أن الواقع سيأتي على الأغلب مختلفا عن ذلك تماما، إلا أنه لن يقل عنه ثورية. فالعديد من قطاعات الإنتاج الصناعي تظهر إقبالا متزايدا على الأتمتة والبرمجيات المتقدمة، وتشجع الطباعة ثلاثية الأبعاد هذا الانتقال المستمر إلى التصنيع الرقمي. لن يختلف ذلك في بعض جوانبه عن عملية تصنيع آلي تعتمد على ملف رقمي في صنع قطعة معدنية. لكن اختلاف الطباعة ثلاثية الأبعاد يكمن في توفيرها طرقا لصنع أشياء أكثر تعقيدا بكثير، كما تحرر المصممين والمهندسين من قيود كثيرة تفرضها عليهم عملية الإنتاج التقليدية.

 

كذلك يمكنها إغراء المصنعين بتغيير إستراتيجياتهم اللوجستية والإنتاجية. ستكون الطباعة ثلاثية الأبعاد أقل تكلفة في حالة البضائع قليلة العدد نسبيا، نظرا إلى استبعاد تكاليف الأدوات والصب والقولبة التي يتطلبها إنتاج معظم القطع المعدنية واللدنة. إن الوقت والمال اللازمين لتجهيز كل ذلك هما من أسباب لجوء المصنعين إلى الإنتاج الكثيف عند الرغبة في تحقيق الربح. وبدون هذا الحافز للالتزام بالإنتاج واسع النطاق، تستطيع المصانع تعديل جداول الإنتاج لتصبح أكثر استجابة مع الطلب، وتزداد اقترابا من التصنيع الآني.
 
أما عن جون هارت، أستاذ الهندسة الميكانيكية بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وأحد مؤسسي ديسكتوب ميتال، فيطلق على ذلك "إنتاج كثيف ملائم للزبون". بدلا من إنتاج المرافق الضخمة عددا هائلا من القطع المتطابقة يتوجب شحنها إلى جميع أنحاء العالم وتخزينها، يستطيع المصنعون استخدام مصانع متناثرة تنتج مجموعة متنوعة من المنتجات، يمكن إنتاجها بغزارة متى احتاج إليها السوق. يقول هارت: "أرجح أن آثار ذلك ستفوق جميع ما تخيلناه، مع مرور عقد أو عقدين من الزمان. لا أعتقد حقا أننا نملك خطة للتعامل مع هذه التقنيات".

  

ستكون الطباعة ثلاثية الأبعاد أقل تكلفة في حالة البضائع قليلة العدد نسبيا، نظرا إلى استبعاد تكاليف الأدوات والصب والقولبة التي يتطلبها إنتاج معظم القطع المعدنية واللدنة (ديسكتوب ميتال)

 

لكن التحدي الحقيقي الذي تواجهه ديسكتوب ميتال اليوم هو وصول أجهزتها إلى أيدي المصممين والمهندسين المسؤولين عن الجيل القادم من منتجات شركاتهم. في الشتاء الماضي، قدم فولوب أول منتجات الشركة، هذا النموذج الأولي، في معرض تجاري بمدينة بيتسبرج. (من المقرر البدء في بيع الطابعة ثلاثية الأبعاد في الأسواق العام القادم).

 

لم تكن هذه المهمة التسويقية عقبة أمام فولوب. فلقد أنشأ أكثر من نصف دستة من الشركات، بداية من شركة لاستيراد مكونات الحاسب الآلي، افتتحها خلال إقامته في موطنه الأصلي، فنزويلا، في السادسة عشر من عمره. لكن لعلّ "أي 123 سيستمز" (A123 Systems) هي أشهر شركاته، كانت شركة البطاريات هذه إحدى أكثر الشركات الناشئة نجاحا في أواخر العقد الماضي، بلغت ذروتها عند تحويلها إلى شركة عامة بقيمة 371 مليون دولار عام 2009. كانت الشركة قائمة على تقنية بطاريات الليثيوم-أيون الجديدة، التي طورها يت-مينج شيانج، الأستاذ بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وأحد مؤسسي ديسكتوب ميتال. طمحت (A123 Systems) في استخدام التخصص في علوم المواد لإحداث ثورة في السوق العملاق، حالها كحال شركتهم الناشئة للطباعة ثلاثية الأبعاد.

 

ورغم ما لاقته (A123) من نمو سريع، وعرض عام أولي فائق النجاح، فقد أعلنت الشركة إفلاسها عام 2012 (تركها فولوب عام 2010). سل فولوب عن الدرس المستفاد وسيقول ببساطة: "سوق البطاريات منخفض الهامش". هذا أكيد، لقد كافحت (A123) للمنافسة في مجال يزداد ازدحاما، ولم تقدم تحسنا كافيا في الأداء مقارنة بسائر شركات بطاريات الليثيوم-أيون.

  

تستطيع الطباعة ثلاثية الأبعاد خلق إمكانيات جديدة للتصنيع، وربما تبث الحياة ثانية في فن علم المعادن

ديسكتوب ميتال
  

لكن ديسكتوب ميتال ستواجه تحديات مختلفة تماما. هناك سوق ضخم للقطع المعدنية بالفعل. وتؤمن الشركة الناشئة بأن تقنيتها ستواجه عددا محدودا من المنافسين المباشرين، على الأقل في المدى القصير. يشير شيانج إلى براءة الاختراع التي تملكها الشركة الناشئة، والتي يراها "غنية حقا". يقول شيانج: "لا يكمن السر في المادة، بل في التقنية، في أفران التلبيد. كلما ازدادت التقنية صعوبة، ارتفعت الحواجز التي تضعها أمام المنافسين المحتملين عند نجاحك".

 

يملك شيانج صندوقا خشبيا في مكتبه، يحوي نصف دستة من السيوف، صنعت في السبعينات باستخدام تقنيات يابانية تقليدية، مستعارة من متحف الفنون الجميلة في بوسطن. يستخدم شيانج السيوف في التدريس. والدرس هو: كيف استخدم الحرفيون أسرار علم المعادن لتحويل معدن الحديد إلى هذا المنتج النهائي: سيف فولاذي، فائق الحدة، به انحناء بسيط. يعرض شيانج هذه السيوف، مشيرا إلى بعض تفاصيلها، ليشرح الحيل التي لجأ إليها الصناع، مثل تسقية المعادن المستخدمة لصنع حد شديد الصلابة ومتنا أكثر نعومة. وعندما يعود إلى مكتبه، يصب انتباهه مرة أخرى على ديسكتوب ميتال، وبنفس القدر من الحماسة، يتحدث عن القطع المعدنية التي طبعتها وتعرضها الشركة. إن الأمر المثير هو "فكرة نجاحك في تصنيع هذه القطع. لن تحتاج إلا سويعات قليلة، وها هي القطعة التي لم تكن لتنجح في صناعتها من قبل جاهزة".

 

لن تصبح هذه التقنية بديلا عن تقنيات التصنيع التي يبلغ عمرها قرنا من الزمان، مثل التشكيل بالطرق وصب المعادن، لكن الطباعة ثلاثية الأبعاد تستطيع خلق إمكانيات جديدة للتصنيع، وربما تبث الحياة ثانية في فن علم المعادن.

________________________________________

 
التقرير مترجم عن: (إم آي تي تيكنولوجي)

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار