اغلاق
آخر تحديث: 2017/12/6 الساعة 13:11 (مكة المكرمة) الموافق 1439/3/18 هـ

انضم إلينا
خمسة كتب تقدم لك فلسفة العلم

خمسة كتب تقدم لك فلسفة العلم

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

مع الانتشار المتزايد للثقافة العلمية في الوطن العربي أصبحت هناك رغبة عند الكثيرين لفهم طبيعة العلم، لا أقصد هنا المواد العلمية كالثقوب السوداء والبيولوجيا التطورية أو النظرية النسبية العامة ومشكلة الكوانتم، بل العلم ذاته، كيف يعمل؟ كيف يتقدم؟ والأهم من ذلك هو: كيف نميز بين ما هو علمي وما هو غير علمي؟ ثم، لماذا ينجح العلم في تجاوز المنهجيات الأخرى بتلك الدقة والسرعة؟ وكيف يمكن أن يؤثر ذلك على مجتمعاتنا بشكل عام أو خاص؟ وهل يمكن استخدام العلم كأداة سلطة في يدي رجال السياسة مثلا؟.. إلخ.

 
يهتم بالجدل حول تلك الموضوعات فرع من الفلسفة يسمى "فلسفة العلم"، وسوف يكون هذا التقرير تقديما لمجموعة من الكتب المهمة التي يمكنها أن تساعدك في البدء مع هذا الفرع المهم من الفلسفة، ودعنا -كالعادة- نبدأ بتوضيح أن كل الكتب التي سيتم الحديث عنها في هذا التقرير قد قام الكاتب بقراءتها كليا أو جزئيا لتحديد مدى مناسبتها للقارئ المبتدئ، كذلك فإن تلك الخطة هي التي اعتمد عليها كاتب المقال بالأساس لتعلم فلسفة العلم بشكل ذاتي، نحن إذن لا نعبّئ الكتب في دلو ونلقيه بوجهك، بل هي ترشيحات من قارئ نهم في هذا المجال الممتع.
 

فلسفة العلم في القرن العشرين

 
هذا الكتاب هو، كما أظن، أفضل بداية ممكنة مع فلسفة العلم، مؤلفته هي الدكتورة يمنى طريف الخولي أستاذة فلسفة العلوم بجامعة القاهرة، وكونها قد مارست التدريس لفترة طويلة وتعرّفت على أولويات الطلبة أعطاها قدرة واسعة على سرد المادة الفلسفية بطريقة تتراقص ما بين الشرح الأكاديمي والتبسيط غير المخل، ما يجعل الكتاب واحدا من أهم كتب فلسفة العلوم الصادرة باللغة العربية، والوحيد في هذه القائمة الذي كتبه مؤلف عربي، والكتاب للعلم معروض بشكل مجاني على موقع مؤسسة هنداوي يمكن لك ببساطة تحميله من هناك.
  

تبدأ د. يمنى بمقدمة مهمة "ظاهرة العلم هي أخطر ظواهر الحضارة الإنسانية، وأكثرها تمثيلا لحضور الإنسان، الموجود العاقل، في هذا الكون"، ثم تنطلق بعد توضيح أهمية هذا النطاق المعرفي بوضع مدخل مهم للعلاقة بين فلسفة وتاريخ العلم، وهو -ربما- الموضوع مركز الجدل الرئيس في فلسفة العلم، حيث يجيب عن أسئلة مهمة مثل: متى بدأ العلم تحديدا؟ ولماذا توجد علاقة متوترة بين العلم وتاريخه؟ والنقلة بين العلم الحديث والعلم القديم.

 
بعد ذلك تنتقل يمنى الخولي إلى أساسات فلسفة العلم في القرن العشرين، لتبدأ -خلال الجزء الرئيس من الكتاب- بالحديث عن المدرسة الوضعية المنطقية، أصولها وتطورها، ثم تنتقل في الفصلين الأخيرين إلى الحديث عن سقوط الوضعية المنطقية بظهور فلسفة كارل بوبر، ثم توماس كون، ثم مقدمات لفلسفة باول فييرآبند وعلم اجتماع العلماء والتيارات النسبوية والنسوية، والمهم هنا أنها تخصص جزءا رئيسا من الكتاب لشرح ثورة الفيزياء الكبرى وأثرها على فلسفة العلم بدايات القرن العشرين.

 
للوهلة الأولى يبدو أسلوب يمنى الخولي صعبا على مبتدئ، لكن الأمر يتطلب فقط بعض التمرن والتمرس على أسلوبها في الكتابة وسوف تطور قدرات أكبر على الاستمرار معها فيما بعد، يمكن لك كإضافة أن تستعين بمحاضراتها في فلسفة العلم والمنشورة على قناة اليوتيوب الخاصة بالتعليم المفتوح، جامعة القاهرة، كإضافة لتسهيل الخوض في الكتاب، لكن في النهاية فإن نطاق فلسفة العلم ليس بسهولة القراءة المبسطة، سوف تحتاج من حين لآخر أن تخرج من الكتاب للتعرف على بعض الاصطلاحات ربما عبر يوتيوب أو من جوجل.

  

 
يمنى الخولي كذلك هي من أدخل كارل بوبر إلى أرض اللغة العربية، فقد كانت رسالة الدكتوراه الخاصة بها عن كارل بوبر، ولذلك فإن لها عدة كتب تصلح للقارئ المتقدم في هذا النطاق، كـ "فلسفة كارل بوبر" و"العلم والاغتراب والحرّية"، و"فلسفة العلم من الحتمية إلى اللاحتمية"، أما عن كتاب "مفهوم المنهج العلمي" الصادر حديثا لها فهو مصدر مختصر مهم للعديد من الموضوعات المهمة الخاصة بما يعنيه المنهج العلمي وكيف تتطور ووجهات النظر الناقدة له.

 

فلسفة العلم.. أربعة موضوعات رئيسية

 

في المرحلة الثانية من قراءاتك لا بد وأن تلقي نظرة على كتاب دونالد جيليز الشهير "فلسفة العلم في القرن العشرين: أربعة موضوعات رئيسية"، الكتاب أكثر صعوبة من سابقه، لكن المهم هنا هو أنه يلقي نظرة مختلفة على تاريخ وفلسفة العلم لن تجدها في كتاب يمنى الخولي السابق، حيث يبدأ جيليز، أستاذ الفلسفة بكلية كينجز، لندن ستراد، بمشكلة الاستقراء، ثم ينتقل إلى منهج كارل بوبر ونزعته التكذيبية ورفضه للاستقراء، في الفصل الثالث يبدأ جيليز في شرح الاصطلاحية ومشكلة دوهيم-كواين وهو أمر لم تتطرق إليه يمنى الخولي بوضوح، بينما يهتم جيليز كثيرا بتوضيحه للقارئ.

 
في الحقيقة تعتبر أطروحة "دوهيم-كواين" نقلة مركزية في تطور فهمك للفلسفة بعد كارل بوبر، سواء كانت تلك النقلة هي زلزال توماس كون أو ما تلاه من الحركات ما بعد الحداثية، النسوية، وعلم اجتماع العلماء.. إلخ، ويمكن القول إن جيليز يشرح تلك المنطقة بمهارة وتبسيط رائعين، خاصة أنه يتقدم ليتحدث عن الملاحظة المحملة بالنظرية، ثم أخيرا، في الموضوع الرابع يتحدث جيليز بشكل منفصل عن ترسيم الحدود بين العلم والميتافيزيقا، ليبدأ بسؤال أول مهم وهو: هل الميتافيزيقا لا معنى لها؟ فيشرح وجهة نظر فيتجنشتين، ثم حلقة فيينا، ونقد كارل بوبر لها.

 
أسلوب جيليز لا شك سهل، يساعدنا في فهمه قدرة المترجم على فهم دقائق فلسفة العلم وترجمتها بشكل دقيق وأنيق في نفس الوقت، يضرب جيليز الأمثلة بشكل دائم ويقدم كتابا للقارئ غير المتخصص وهو ما أعلنه في مقدمة الكتاب، لكن رغم ذلك أرى أن هذا الكتاب يصلح تاليا لكتاب يمنى الخولي بالأعلى ومكملا له، وكلاهما، معا، يمثلان مقدمة قوية يمكن للمتمكن منها أن يمضي في فلسفة العلم بخطى ثابتة لمراحل متقدمة.

 

فلسفة العلم - مقدمة معاصرة

 

هذا كتاب جيد عن فلسفة العلم، للفيلسوف الأميركي أليكس روزنبرج من جامعة ديوك، لكن يعيبه شيء واحد فقط وهو الترجمة السيئة، بل إن المترجم قد أخطأ، ليس فقط في ترجمة تعابير لغوية بعينها، بل أيضا في اصطلاحات كـ (Double blind Study) والتي تعني دراسة مزدوجة التعمية لا يعرف الخاضعون لها والقائمون عليها بماهيتها ليترجمها بـ "مرض العمى المزدوج"! على الرغم من ذلك يمكن لك بسهولة الحصول على نسخة إنجليزية عبر الإنترنت بسهولة، أو يمكن أن تحاول تفادي الخطأ بالنسخة العربية، حيث تنبع أهمية الكتاب من عدة نقاط مهمة، أولها أنه يتناول نفس الموضوعات لكن من وجهات نظر معاصرة، أي إنه لا يضرب أمثلة تاريخية بقدر ما يضرب أمثلة معاصرة عن -مثلا- مشكلات الناس مع التأخر في إصدار أدوية جديدة أو ارتباط السببية بموضوعات حديثة في الفيزياء الذرية.. إلخ.

 
أضف إلى ذلك أن هناك أربعة أجزاء مهمة يوردها روزنبرج في كل فصل، الأول هو نظرة عامة على الفصل، ثم ملخص للفصل، ثم أسئلة لتجيب عنها، ثم مقترحات للقراءة، تعمل الأسئلة على اختبار مدى فهمك للمادة التي قُدمت لك، وهي بذلك تخبرك عن مدى تقدمك في التعلم، لكن ما يهم حقا هنا هو مقترحات القراءة، لأن ذلك هو باب غاية في الأهمية لا نجده كثيرا في الكتب، حيث يمكن لك فيما بعد أن تجد عبر تلك المقترحات ما يمكن أن يكون خطّة أساسية متقدمة للتعمق في فلسفة العلم بصورة أفضل وعبر مقترحات من متخصصيها، وروزنبرج لا يضع لك قوائم فقط، بل يشرح في سطر أو اثنين أو أكثر فائدة المقترح وأهميته ضمن نطاق محدد من القراءة، هذا الجزء من كل فصل هو كنز حقيقي.

 
الكتاب إذن، كما ترى، مقدم في صورة منهج للدراسة، ويقول كاتبه -والكتاب يقترب من قوله قليلا- إنه مصمم لطلبة الفلسفة ولغيرهم كذلك، كذلك فإن أحد أهم مميزات الكتاب هو عرضه لموضوعات مختلفة قليلا عن تلك الموجودة في سابقَيه، فمثلا يبدأ بتعريف اصطلاح فلسفة العلم في الفصل الأول، ويبدأ بطرح التعقيدات المتعلقة بفكرة التعريف ومدى مناسبتها للسياق العلمي والفلسفي، خاصة حينما نتفحص الاختلاف الجوهري بين أسئلة يطرحها العلم وأخرى تطرحها الفلسفة.

 
بعد ذلك ينتقل روزنبرج إلى فصل خاص عن السببية وما نسميه بالنموذج المونولجي للتفسير، والذي قدمه الوضعيون المناطقة، ويقدم من خلاله الضرورات الأساسية لعملية التفسير العلمي كالصدق وقابلية الاختبار والإلزام المنطقي... إلخ، ثم ينتقل إلى تقييم تلك التفسيرات أيها جيد وأيها ليس كذلك، ثم ينتقل -مثل جيليز- إلى الحديث عن الميتافيزيقا والعلم، وأخيرا إلى إبستمولوجيا التنظير العلمي، نظرية المعرفة يقصد، ويشرح تطور المنهج من الاستقراء حتّى دوهيم كواين، وعلاقة ذلك بالطبيعة الإحصائية لبعض العلوم، وأخيرا ينتهي بعصر ما بعد الوضعية، ليسأل عن مدى عقلانية العلم.

 
الكتاب في المجمل سهل، ويمثل دعما جيدا لسابقيه، وأسلوب روزنبرج يتميز بأنه معاصر، ويخاطبك بصلابة لكنه يشرح اصطلاحاته، والمنهجية المدرسية في الكتاب تعطيك درجة من الراحة وتعطيك شعورا محببا إلى القلب بأنك في فصل دراسي وأن هناك من يشرح دروس الفلسفة لك، كل ما تحتاجه هو التركيز ومحاولة تقصّي ما يحاول روزنبرج أن ينقله لك.

 

مقدمة في فلسفة العلم - النظرية والواقع

 
كان هذا الكتاب ليوضع في مقدمة تلك القائمة بسهولة وبمسافة بالغة الاتساع عن أقرب منافسيه، لولا أنه الكتاب الوحيد غير المترجم فيها، إنه كتاب "مقدمة في فلسفة العلم - النظرية والواقع" (an Introduction To Philosophy Of Science - Theory and Reality) للفيلسوف بيتر جودفري-سميث (PETER GODFREY-SMITH)، وهو أستاذ الفلسفة بجامعة نيويورك، وهذا الكتاب هو نتاج مجموعة من المحاضرات في فلسفة العلم والتي ألقاها في جامعة ستانفورد، هنا ننطلق لفهم سر تميز كتاب جودفري-سميث، وهو أنه مقدم في صورة منهج للطلبة.

 
رغم ذلك فإن جودفري-سميث يقول في مقدمته إن الكتاب يصلح للطلبة ولغيرهم من المبتدئين، وقد صدق في قوله قدر ما أظن، فقد كان الكتاب أساسيا في رحلتي الخاصة لتعلم فلسفة العلم، حيث يقدم كاتبنا لفلسفة العلم، لا في شكل موضوعات مقاليه الهيئة والمحتوى، بل في ملاحظات مشروحة جيدا ومفصلة ببساطة للطالب الذي يود استذكار منهج ما، وهذا هو كما أظن أحد أفضل وأهم طرق التعلم، أن نترك الجدل جانبا كبداية لنتعلم الأساسيات.

 
لذلك، فرغم أن كتاب سميث في حوالي 250 صفحة فقط فإنه يشتمل على معظم الموضوعات الأساسية في فلسفة العلم، بداية من مقدمة مختصرة عن تاريخ العلم، ثم فلسفة العلم قبل الوضعية المنطقية، ثم الوضعية المنطقية، فـ كارل بوبر، ثم يتعمق قليلا وبحرفية وبساطة في توماس كون، إلى أن يصل إلى فييرآبند فيشرحه جيدا، وكذلك فهو يشرح إمري لاكاتوش، ولاري لودان، ثم لا يقف هنا، وهي نقطة مهمة جدا.

 
حيث يستمر جودفري-سميث بالإشارة إلى سوسيولوجيا المعرفة العلمية، نشأتها وعلاقتها بتوماس كون، ويعطي مقدمة جيدة جدا لها، بعد ذلك ينتقل إلى نطاقين لا يشرحهما أي من المصادر السابقة، وهما الفلسفة الطبيعانية، والمدرسة الواقعية، في فلسفة العلم، ثم ينتقل إلى النسوية في العلم، والطبيعة الإحصائية للمعرفة العلمية، وفي كل مرة يربط سميث بين كل فصل وسابقيه ليظهر لك الكتاب في النهاية كشجرة من المعارف يمكن بسهولة أن تعرف أين تبدأ فيها وأين تنتهي.

 

  

كتاب جودفري-سميث هو كتاب للاستذكار يحمل منهج فلسفة علم لطلبة السنة الأولى الجامعية أو الثانية، وهذه هي أهم مزاياه، وهو مثل روزنبرج يضع في نهاية كل فصل كتبا أخرى للتوسّع، لكن بالطبع سوف تكون أول مشكلاتك معه هي الترجمة، فقد تكون ذا مستوى مقبول أو جيد في الإنجليزية لكن إنجليزية الفلسفة تختلف، بسبب اصطلاحاتها ومدى تعقدها، أضف إلى ذلك أنك سوف تحتاج بالتأكيد، وكثيرا، أن تخرج من الكتاب للبحث خلف موضوعات بعينها.

 
في تلك النقطة قد يساعدك فيلسوف آخر يدعى د. جاريت ميريام وهو أستاذ الفلسفة بجامعة إنديانا، حيث يشرح جاريت كتاب جودفري-سميث على يوتيوب في 37 حلقة كل منها حوالي 25 دقيقة، وبذلك فإن لدينا منهج فلسفة علم متكامل هنا، كتاب ومحاضرات تشرحه، وجاريت يشرح فلسفة العلم بأسلوب ممتع وسلس للغاية، وقد اجتزت كامل شروحاته من قبل، وتعلمت الكثير منه، وكان بشكل رئيس موجّهي الخاص في تعلم هذا النطاق المعرفي الممتع "فلسفة العلم"، وأظن أن هذا هو أفضل مساق فلسفة علم ممكن.
  

العلم الزائف وادعاء الخوارق

 

هذا، ربما، ليس كتابا في فلسفة العلم بالمعنى المفهوم، لكن مقدمه، جوناثان سي سميث، وهو أستاذ علم النفس بجامعة ميتشيجن، تقصّى على مدى نصف قرن ما نسميه "العلم الزائف"، وهو ادعاء نطاق ما أنه علمي لكنه في الحقيقة يشبه العلم فقط، الميزة الرئيسة للكتاب هي أن سميث تخصص عبر رسالة الدكتوراه الخاصة به في تلك النطاقات المتعلقة بالعلاجات بالتأمل، أو الطاقة، الطب التكميلي، الطب البديل، والباراسايكولوجي.. إلخ.

 
وما يفيد حقا، بجانب كون سميث من أوائل الذين قدموا نماذج مهنية لدراسة تلك العلوم الزائفة، هو أننا سوف نتعرف بشكل عملي على الطريقة العلمية عبر مقارنتها بآليات أخرى غير علمية، بذلك فنحن في كتاب سميث لا ندرس تاريخ العلم أو مدارس فلسفته، ولكن بالأحرى نطبق ما تعلمناه بطريقة معاصرة، كذلك يقدم سميث آلية عمل جيدة يمكن أن تستخدمها بشكل شخصي لتفنيد كل الادعاءات التي تقابلك وذات علاقة بالعلم.

 
لهذا السبب فإن العنوان الجانبي للكتاب هو "أدوات المفكر النقدي"، حيث عبر عدد ضخم للغاية، في حوالي 650 صفحة، من الأمثلة يعطيك سميث دليلا عمليا للتفكير النقدي، وكيفية فصل ما يُعد علما عما لا يُعد كذلك، وبذلك فهو، رغم كونه لا يشرح "فلسفة"، يعد مقدمة جيدة للغاية إن كنت لا تود الدخول إلى أجواء فلسفية، يمكن فقط أن تتعلم أدوات سميث وأسئلته كـ "أين المصادر؟"، "هل تستند الادعاءات إلى الملاحظة؟" و"ما البديل الممكن كـ تفسير؟".. إلخ.

 
أسلوب سميث سهل للغاية، يتعمد التبسيط، ويستخدم لغة يومية غير معقدة يمكن أن تقرأها في الصحيفة مثلا، كذلك يستخدم عددا كبيرا من الأشكال التوضيحية والمقارنات، ويستخدم دائما فكرة الخطوات (1، 2، 3،... إلخ) المبنية كل منها على سابقتها لتحقيق بنية منطقية سليمة، والأهم من ذلك أنه يقسّم كتابه بشكل جيد يجذبك للاستمرار فيه، ورغم ضخامة الكتاب فإن سهولته ستساعدك على إتمامه بأسرع وقت ممكن مقارنة بسابقيه.
 

 

جميل جدا، أتممنا كتبنا الخمسة مع عدة مقترحات جانبية، ويمكن لتلك الكتب أن تمثل، معا، منهجا متكاملا لفهم ما تعنيه فلسفة العلم في العموم، لكن دعنا هنا تحت هذا العنوان نتأمل عدة ملاحظات مهمة، فـ -مثلا- فلسفة العلم هي فرع من الفلسفة، مما يعني أن هناك احتياجا إلى تعلم الفلسفة في البداية قبل الولوج إلى فلسفة العلم، لكن لا تقلق، فما تحتاجه ليس بالكثير، كما أن البداية المباشرة مع فلسفة العلم سوف تدفعك بشكل مستمر إلى الخروج من الكتب والبحث في اصطلاحات وموضوعات فلسفية ضرورية، وبوصولك إلى بوبر مثلا ستكون قد كوّنت خلفية جيدة.

 
لكن ما أود الإشارة إليه هنا أن الرحلة مع فلسفة العلم لن تكون سهلة بالمرة، وشيئا فشيئا يجب أن تعود نفسك على نمط مختلف في القراءة لا يمكن أبدا أن تصلح معه أنظمة "50 ورقة في الساعة"، بل في بعض الأحيان ولا 10 حتّى، القراءة في الفلسفة تتطلب بعضا من الصبر، والتأني، والإصرار على الاستمرار، وتتطلب أن تجعل من كتابك مركزا للانطلاق خارجا، حيث الكتب الأخرى، المقالات الفلسفية الطويلة من موسوعة ستانفورد الفلسفية مثلا أو غيرها، أو المحاضرات.

  
أضف إلى ذلك أن هناك نطاقين أساسيين يجب على كل قارئ في فلسفة العلم أن يتعلم عنهما، أولهما هو العلم ذاته، بمعنى أنه يجب أن تتعرف بشكل مباشر على العلم، وليس منهجيته، ويتطلب ذلك أن تدرس بعضا من الفيزياء مثلا كونها تعد الأساس لفلسفة العلم في القرن العشرين، وأقصد تحديدا بعض الميكانيكا الكلاسيكية بمستوى طلبة السنة الأولى الجامعية، وكذلك ميكانيكا الكم والنسبية بمستويات مبسطة.
 

  

 
النطاق الثاني هو تاريخ العلم، فمن دون التعرف إليه يصعب عليك تحقيق تقدم ملموس، وهناك في الحقيقة عدة كتب يمكن أن تخدم هذا الغرض، اخترت لك منها كتابي "تاريخ العلم - جون جريبن" في جزئين، وقد صدر مترجما قبل عدة أعوام من قبل سلسلة عالم المعرفة التابعة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، وكتاب "قصة العلم - ج. ج. كراوثر" والذي يشرح تاريخ العلم بشكل مختصر في حوالي 25 فصلا، وكلاهما ممكن القراءة لأي شخص دون مقدمات مسبقة، كذلك يمكن لكتاب مختصر بعنوان "الثورة العلمية - لورنس م. برينسيبيه" من سلسلة مقدمات قصيرة جدا، يشرح التحولات الرئيسة في المنهجية العلمية بالقرن السابع عشر مرورا بديكارت وجاليليو ونيوتن وكيف اختلفت رؤية الإنسان للكون، الكتاب مترجم للعربية ومعروض مجانا بمؤسسة هنداوي.

 
أضف إلى ذلك أنه يمكن لك أن تعتمد، إن أردت، كمقدمة أو كدعم، على تقارير ومقالات سابقة للكاتب، كاتب هذا التقرير، قدم من خلالها الموضوعات الأساسية لفلسفة العلم في صورة شاملة ومبسطة ومقدمة للقارئ العربي المبتدئ، تجدها بسهولة بالدخول إلى صفحة الكاتب (بالضغط على اسمه بالأعلى)، وتشمل: القابلية للتكذيب، فلسفة العلم عند توماس كون، ما هي الفلسفة الوضعية المنطقية؟، ضد المنهج: فلسفة العلم عند باول فييرآبند، هل يصف العلم الواقع؟، هل يمكن فصل العلم عن الفلسفة؟، لماذا تحتاج البيولوجيا إلى فلسفة؟، وعبر موقع "إضاءات" قبل عمله بـ "ميدان": هل العلم عقلاني؟، فلسفة العلم عند لاري لودان (جزءان)، مطاردة العقلانية: فلسفة العلم عند إمري لاكاتوش.

  
حسنا، كانت رحلتنا الطويلة للحديث عن فلسفة العلم ذات زخم أكبر بالتأكيد من رحلاتنا السابقة في الكتب، أود فقط أن أضيف أن تلك كانت خطة كاتبها، ربما قد تجد قوائم أخرى ترشح مقدمات جيدة في فلسفة العلم غير هذه، لا مشكلة من ذلك لكن يجب أن تتأكد دائما من أن مقدم الكتاب لك قد تعرف إلى هذه الكتب ولو بشكل جزئي، وإلى فلسفة العلم ولو قليلا، في النهاية لا تمثل الترشيحات -في العموم- إلا دفعة واحدة إلى الأمام، وكزة، وبقية الطريق الطويل هو مهمتك الخاصة.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار