اغلاق
آخر تحديث: 2017/4/12 الساعة 15:31 (مكة المكرمة) الموافق 1438/7/16 هـ

انضم إلينا
هل تطورنا لنحب ميكانيكا الكم؟

هل تطورنا لنحب ميكانيكا الكم؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض
حينما أضع على اللائحة الخاصة بفريق كرة القدم للأطفال الذي أدربه قاعدة تقول "إن فزت بالمباراة ستحصل على ساعة يدوية"، ثم بعد عدة أيام يخسر الفريق المباراة، يعني ذلك أنني حتمًا لن أحضر لهم تلك الساعات باهظة الثمن وسوف أحتفظ بالمبلغ كاملا، أليس كذلك؟ بالطبع لا، دعنا -لكي نحقق فهما أفضل لتلك الفكرة- نلعب لعبة بسيطة، سوف نحضر أربعة كروت1 كما بالشكل، كتبنا على كل منها رقما أو حرفا، وسوف نضع قاعدة واحدة تقول "في خلفية كل حرف A، حتما يوجد رقم 4"، كم عدد الكروت التي يمكن أن أرفعها للتأكد من صحة تلك القاعدة؟

 

بالضبط سوف يشير معظم البشر الخاضعين لهذا الاختبار إلى ضرورة رفع الكارت A للتأكد من أن الرقم 4 يقع في خلفيته، سوف يود بعض الأفراد أن يتأكدوا بشكل أكبر، هنا سوف يقومون برفع الكارت 4 للتأكد من أن خلفيته تحتوي على الحرف A، لكن معظم مجتازي الاختبار سوف يتجاهلون تماما ضرورة رفع الكارت 5، ماذا تقول ؟!
 

في الحقيقة سوف نود أن نرفع A لنرى إن كان في خلفيته يقع الرقم 4، ذلك صحيح لكن الرقم 4 سواء احتوى أو لم يحتو في خلفيته على A فالأمر سيان، فأنا لم أقل في القاعدة أعلاه "في خلفية كل A حتما يوجد 4، والعكس صحيح"، أنا فقط قلت إنه حينما ترى A حتما سوف ترى 4، لكن الـ4 يمكن لها التواجد في خلفية D أو S أو W أو كما تشاء؛ لكننا هنا في حاجة لرفع الكارت 5؛ لأنه هو الفرصة الوحيدة لتكذيب الادعاء القائل إنه في خلفية "كل" A سوف نجد 4، فإن وجدنا أي شيء غير الـ A في خلفية الـ5  فالقاعدة صحيحة.
 


كذلك في مثالنا الأول فالقاعدة لم تقل والعكس صحيح، فيمكن لي إذن رغم فشل الفريق في إحراز هدف النصر أن أسمح لنفسي التي تأثرت ببكاء مجموعة من الأطفال في الثامنة ببعض السخاء، فأحضر لهم الساعات تقديرا لجهودهم رغم الخسارة؛ هل تلاحظ ذلك؟
 

بالفعل إنه كما لاحظت فالأمر صعب قليلا ويحتاج بعض الجهد لتقبله، وسوف تجد دائما صعوبة في محاولة فهم أمور كتلك، ذلك لأننا لم نتطور لهضم تلك الألعاب المنطقية؛ لكن قبل الخوض في تفسير ذلك كله دعنا نتجه للعبة أخرى، لنفترض أن الأم تقول لأطفالها الأربعة "من لم يأكل السلطة فلن يحصل على الحلوى"، الآن لدينا أربعة حالات من منهم يمكن لنا اختباره لإثبات صحة كلام الأم؟

أحمد أكل السلطة

علي لم يأكل السلطة

إبراهيم أكل الحلوى

جهاد لم تأكل الحلوى
 

هنا ربما قد تتضح الأمور قليلا للكثيرين من الخاضعين لذلك الاختبار؛ لكي نتأكد من أن القاعدة صحيحة يجب أن نختار حالة علي لنتأكد أنه لن يحصل على الحلوى، وإبراهيم لنتأكد أنه لم يأكل السلطة، وفي لعبة الكروت الأولى والتي تسمى مسألة الاختيار لِواسون، مشكلة الكروت الأربعة وهي أُحجية تختبر قدراتنا المنطقية ابتكرها بيتر كاثكارت واسون عام 1966، لم يصل عدد الذين وضعوا حلولا مناسبة لاختبار واسون إلى 10% منهم، بينما في حالة اختبار الأم أجاب معظم البشر بالطريقة الصحيحة، لكن كيف حدث هذا؟ مع ان اختبار السلطة هو نفسه اختبار الكروت.
 

سنة 1992 قامت ليزا كوسميدز2 وزوجها جون توبي (متخصصان في علم النفس التطوري) بتنويع أشكال مسألة الاختيار لواسون، فبدلا من عرض اختبار الكروت على المجموعات قيد التجريب سوف نعرض عليهم أحجية أخرى تحتوي على نفس المنطق، أحد الاختبارات كان حول القاعدة القائلة "إذا كنت تحت 18 سنة لا يمكن أن تشرب الخمر".
 


هنا سوف تلجأ معظم المجموعة للإجابة الصحيحة بسهولة، فلكي نتأكد من صحة هذا الادعاء يجب أن نرفع الكارت الخاص بالخمر كي نتأكد من وجود الفئة العمرية تحتها؛ لكن لا حاجة لنا من رفع كارت عبوة البيبسي لأنه من الطبيعي أن تشرب البيبسي في أي عمر، كذلك لا حاجة لنا في رفع الكارت 24 لأننا لم نقل إن من هو أكبر من 18 لا يمكن له شرب البيبسي، لكن سوف نؤكد على ضرورة رفع الكارت 16 لأن تلك الفئة العمرية لا يمكن لها أن تشرب الخمر، إذن يجب أن لا نجد في خلفيتها خمرا.
 

ما حدث هنا هو أنه حينما قمنا بتحويل تلك العمليات المجرّدة، في تجربة الكروت الأربعة إلى سياق يحتوي على شكل من أشكال العلاقات الاجتماعية فإننا نحصل على إجابات صحيحة بفارق واسع، وفي الحقيقة فقد قامت كل من ليزا وزوجها بالعديد من التجارب التي احتوت سياقات مشابهة وكانت النتيجة دائما أن البشر ليسوا فقط ضد التجريد؛ لكنهم أكثر استجابة حينما تكون الاختبارات ذات علاقة بعمليات اجتماعية، حينما تقدم القوانين بطريقة "لكي تحصل على الفائدة A، يجب أن تنفذ الحالة B"3، ثم يُطلب من الخاضع للاختبار أن يقوم على "حراسة تلك القاعدة" أي تطبيقها على آخرين.
 

تستخدم ليزا ذلك الفصل الواضح بين نتائج التجارب المجردة وذات السياق لتأكيد فكرتها عن أن البشر حسّاسون تجاه السياقات (context-sensitive)، خاصة تلك التي يمكن أن يتعرضوا خلالها للخداع، ويرفع ذلك من درجة صحة ادعاء علم النفس التطوري4 القائل إن "عقولنا تطورت لخدمة وظائف محددة عبر وحدات إدراكية محددة، والوحدة المعنية بتلك القصة هي "وحدة كشف الخداع cheater-detection module"، فحينما تكون نفس المشكلة المنطقية سهلة وصعبة حسب السياق، فالعقل إذن لا يمثل أداة ذات غرض عام".
 

لفهم ذلك بشكل أفضل دعنا نقارن بين اختبارين قام بهما الثنائي مع عدد من المتطوعين، الأول قاعدة مجردة تقول إنه "إذا كان الرجل يأكل الجزر، يوجد وشم على جبهته"، مع الاختيارات الأربعة المعتادة:

أحمد أكل الجزر

علي لم يأكل الجزر

محمد لا يوجد وشم على جبهته

حسام يوجد على جبهته وشم
 

دعنا الآن نقدم نفس الاختبار لمجموعة أخرى لكن بصورة مختلفة، سوف نقول لهم مثلا قصة تحكي أن "الجزر مقوٍّ جنسيٌّ جيّد، ولذلك لا يُسمح للرجال بتناولة إلا إذا كانوا متزوجين فقط، والرجال المتزوجون يضعون وشمًا على الجبهة في حفل الزفاف"، ثم نطلب من الخاضع للاختبار أن يتقصى نفس الجمل الأربعة السابقة، هنا ربما -بسبب التفعيل المباشر لوحدة كشف المخادع- يظهر ميل واضح في اتجاهات النتائج ناحية الصواب في الحالة الثانية بينما تخضع الأولى لنتائج مسألة الاختيار لِواسون المعتادة.
 

 حينما نتحدث عن تطور العقل نقوم بمحاولة فهم التكيفات التي قام بها البشر قبل رحيلهم من قارة أفريقيا ونحاول فهمها في إطار ردود أفعالنا حاليا
مواقع التواصل
 

خرج الإنسان من قارة أفريقيا منذ حوالي 90 ألف عام، وتعتبر تلك فترة قصيرة للغاية إذا أردنا الحصول على نتائج لها علاقة بتغيرات محسوسة، لذلك يمكن لنا حينما نتحدث عن تطور العقل أن نتجاهل تلك التغيرات الطفيفة غير المرصودة، ونقوم بمحاولة فهم التكيفات التي قام بها البشر قبل رحيلهم من قارة أفريقيا ونحاول فهمها في إطار ردود أفعالنا حاليا، أقصد خلال الآلاف السبعة السابقة من السنوات.
 

كانت البيئة5 التي تطور خلالها العقل البشري إذن بيئة حارة مسكونة بالحشائش والغابات، وعاش البشر في جماعات مرتبطة ببعضها البعض ذات بناء اجتماعي معقد؛ حيث كان التفاعل الجيد مع بقية أفراد القطيع مهمًّا لبقائهم، يدفع ذلك متخصصي علم النفس التطوري لوضع بعض الافتراضات المناسبة عن أنواع التكيّفات العقلية التي يمكن أن تنتج في بيئة كتلك، والتي تتضمن تجنب المفترسات مثلا والحاجه لتناول طعام مناسب، وتشكيل الصداقات والتحالفات، لأن الجماعة تتمكن من تجنب الأخطار بشكل أفضل كثيرا من الأفراد.
 

لذلك وجه الإنسان قدراته العقلية للعمل على تلك المهام وتلك المهام فقط، ولم يمتلك الإنسان الرفاهية للعب بالأحجيات المجردة حتى وإن كان ذكيا، لقد كان كل شيء مستخدما في وحدات محددة، كل ما يحتاجه الأمر هو استثارة أي من تلك الوحدات لتفعيلها فورا،.
 

الإنسان - ربما - لم يتطور لحل مشكلات عقلية مجردة كتلك البنى الرياضياتية التي تحتويها عوالم الفيزياء النظرية مثلا، كميكانيكا الكم بتعقيداتها الرياضية وتجريداها منقطعة النظير، لذلك يصعب علينا فهم كل ذلك العالم المترامي من التجريدات الرياضية.

 

لكن الآن، ونحن على علم بما يمكن أن تقدمه لنا تلك العلوم، كالكم، والنسبية، والديناميكا الحرارية، والرياضيات عالية المستوى.. الخ، من خدمات حقيقية ترفع من فرص بقائنا وتكيفنا مع الكون من حولنا، ربما إذن قد نُطور برامج عمل في أدمغتنا تفهمها بشكل أكثر بداهة، ثم نورثها لأجيال سوف تأتي بعد مائة، أو قل مائتي، ألف عام، إنها مدة طويلة بالفعل.. لكن الفائدة تستحق6.
 

__________________________________
6- دعنا هنا نوضح أن المجال التجريبي لعلم النفس التطوري رغم اتساعه إلا أنه لا يزال يواجه مشكلات تتعلق بالدقة، فهو -كغيره من العلوم الناشئة والمرتبطة بعلم النفس- يحتاج لبعض الوقت والجهد حتى نحصل على نتائج يمكن القول إنها تقترب من "التأكيد".
المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك