اغلاق
آخر تحديث: 2017/5/17 الساعة 14:42 (مكة المكرمة) الموافق 1438/8/21 هـ

انضم إلينا
حروب التلسكوبات.. سباق لاستكشاف أسرار الكون

حروب التلسكوبات.. سباق لاستكشاف أسرار الكون

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

بدأ الأمر في صيف 1609 بمدينة "بادوفا" الجميلة التي تقع على نهري "باكيليوني" و"برينتا" في إيطاليا، حينما قام أستاذ الرياضيات "غاليليو غاليلي" بصناعة تلسكوبه ورفعه لأول مرة في التاريخ نحو السماء، لا زلت أشعر بتلك القشعريرة الدافئة كلما تذكرت ذلك المشهد؛ حيث إن أول نظرة بأول تلسكوب أشبه بالوقوع في الحب، ما بالك حينما تكون أول من ينظر إلى سماء الليل بالتلسكوب، فترى أقمار المشتري وتضاريس القمر الممتعة، لقد تركت نظرات "غاليليو" الأولى نحو السماء في تاريخ العلم أثرا ثوريا؛ حيث حطمت كل التصورات الممكنة آنذاك عن مركزية الأرض حينما أكد الرصد لنا أن هناك أشياء -أقمار المشتري- لا تدور حول الأرض لكن حول جرم سماوي آخر.

 

على مدى زمن طويل غيرت التلسكوبات من فكرتنا عن الكون بشكل جذري بالضبط كما فعل مع "غاليليو" منذ أربعمئة سنة، فها هو "إدوين هابل" يحلِّل بيانات جمعها من مرصد جبل "ويلسن" ليكشف لنا أن الكون يتمدد، ثم تأتي "فيرا كوبر روبن" لتفتح الباب لفكرة "المادة المظلمة" من خلال رصدها لسرعات النجوم في الأطراف الخارجية للمجرّات، ومؤخراً يؤكد لنا التلسكوب العظيم هابل عبر تحليل حقله فائق العمق أن الكون لا يحتوي فقط على 200 مليار مجرّة كما كنّا نعتقد؛ ولكن على 2 تريليون مجرّة!

 

لماذا نود صنع تلسكوبات أكبر؟
خلال السنوات القادمة سوف يُزاح الستار عن مجموعة من أكبر التلسكوبات في تاريخنا كبشر، فما بدأه "غاليليو" بقُطر 37 ملليمتر يصل الآن إلى 39 مترا في التلسكوب الأوروبي الضخم (E-ELT)، لكن قبل الخوض في تفاصيل الحرب القائمة بين عدّة هيئات ودول لصناعة أكبر التلسكوبات في العالم وأكثرها دقة؛ دعنا نسأل ببساطة: لماذا نود صنع تلسكوبات أكبر؟



لا شك أن حلم كل فلكي (سواء أكان هاويا أو متخصصا) هو الحصول على أكبر تلسكوب ممكن، وسبب ذلك أن قُطر التلسكوب هو المعيار الرئيس الذي يمكن من خلاله قياس قدرته على الغوص في غياهب سماء الليل بشكل أكثر عمقا، فوظيفة التلسكوب هي التقريب وليس التكبير، وكلما ازداد قُطر تلسكوبك يزداد معه كم الضوء الذي يمكن أن يجمعه أنبوب التلسكوب، ويسمح ذلك لك برصد عدد أكبر من المجرّات والسدم الخافتة بصورة أوضح، والأمر لا يتوقف عند تلك النقطة فقط.

كلما استطعت الولوج لأعماق الكون عبر التلسكوبات فأنت تسافر في الزمن أيضا، ذلك لأنك حينما ترصد تلك المجرة التي تقع على بعد 100 مليون سنة ضوئية فأنت لا تلتقط الضوء الصادر منها الآن؛ لكنك ترصد "الفوتونات" التي خرجت منها منذ 100 مليون سنة، لذلك كلما امتلكت قدرة على الغوص بشكل أعمق، سافرت في الزمن بدرجة أقدم، هنا -إذا امتلكت تلسكوبا بالقوة الكافية- سوف تتمكن -ربما- من رصد بدايات الكون نفسه، لذلك نسمي التلسكوبات "آلات الزمن".

 

مجموعة تشيلي
لنبدأ من صحراء "أتاكاما" في تشيلي؛ حيث يعتقد الكثير من الفلكيين أنها أفضل الأماكن -على الإطلاق- لمتابعة سماء الليل؛ فهي أكثر المناطق جفافاً في العالم، وترتفع عن سطح البحر بمقدار 2500 متر، مع نسبة قليلة من السحب، ودرجة تلوث ضوئي وتشويش راديوي تقترب من الصفر. نحن إذن أمام ظروف مثالية لأي راصد فلكي، لذلك تعد صحراء "أتاكاما" هي موضع الرصد الأكثر مثالية في العالم، وسوف تحتوي خلال السنوات القليلة القادمة على مجموعة من أكبر التلسكوبات في العالم وأكثرها تنوعا في مجالات الرصد وتقنياته.
 
نموذج للتلسكوب الأوروبي الضخم بمراياه السداسية المتراصة (مواقع التواصل)


أول تلك التلسكوبات هو التلسكوب1 الأوروبي الضخم جدا (European Extremely Large Telescope)، أو (E-ELT) ، والذي بدأ بناؤه بالفعل بداية من 2014 في شمال صحراء "أتاكاما" وسوف يعد -حينما ننتهي من بنائه في عام 2022- أكبر تلسكوب عاكس على سطح الأرض، فمرآته قُطرها 39 مترا، وسوف يتمكن ذلك التلسكوب من جمع كمٍّ من الضوء أكبر بـ 13 مرة من أكبر التلسكوبات المعروفة حاليا، يتوقع العلماء أن يساعدنا هذا التلسكوب في الولوج لأعماق الكون وإضافة الجديد لنا عن غموض المادة المظلمة والكواكب خارج المجموعة الشمسية؛ لكن، ألا تلاحظ شيئا في مرايا تلك التلسكوبات الجديدة؟
 


بالضبط، إنها تلك الأشكال السداسية الغريبة والتي يحتوي التلسكوب الجديد على 798 قطعة منها بعرض 1.4 مترا للقطعة الواحدة، تسمى المرايا التي تحتوي على تلك الأشكال السداسية باسم "segmented mirror مرايا مجزأة2"، مرايا كبيرة تتكون من صفوف وأعمدة منتظمة من مرايا صغيرة تتلامس مع بعضها البعض لتكوين مرآة مقعرة ضخمة، تم اختيار الشكل السداسي لأنه يحقق أفضل ملء للمساحة حينما ينضم لأشكال سداسية أخرى.

 

مُنشئ تلك الفكرة كان "جيري نيلسون"، الفلكي الأميركي، من مختبر "لورنس باركلي" الوطني التابع لجامعة كاليفورنيا، ومكَّنتنا تلك المرايا الجديدة من تجاوز صعوبة صنع مرايا مقعرة ضخمة كقطعة واحدة؛ حيث إن هناك حدا أقصى لا يمكن لنا بعده صنع مرايا مقعرة عادية، هنا جاءت تلك الفكرة لتفتح بابا جديدا تماما للرصد الفلكي عبر المرايا المجزأة التي يتم ضبط وزن وانحناءات ولمعان كل منها عبر حوسبة دقيقة؛ بحيث تعمل معا كوحدة واحدة ضخمة.

 

لا نزال بصحراء "أتاكاما" القاحلة؛ لكن مع تلسكوب آخر جديد تنوي مؤسسة التلسكوب الماجلاني الضخم (3GMT) بناءه ضمن مرصد "لاس كامبناس" بجنوب الصحراء، وهو "التلسكوب الماجلاني الكبير" الذي يتكون من سبعة من أكبر المرايا غير المجزأة في العالم، 8.5 مترا لكل منها؛ بحيث يصل قُطر التلسكوب كاملا لـ 24.5 مترا، تحت كل مرآة سوف تتواجد محرِّكات دقيقة تقوم بضبط وتنظيم المرايا حسب حالة الطقس، عبر التلسكوب الماجلاني الكبير سوف تحصل على صور أعلى في الدقّة بعشر مرات من تلسكوب هابل الشهير، وسوف نستمتع بصور هذا التلسكوب بداية من عام 2020.

التلسكوب الماجلاني الضخم (مواقع التواصل)


دعنا الآن ننتقل لتكنيك آخر جديد لا يعتمد على حجم المرآة، نحن أمام تلسكوب المسح الإجمالي (4Large Synoptic Survey Telescope)، اختصارا (LSST)، الذي سوف يكتمل بناؤه سنة 2022 في منطقة "سيرو بانشون" بشمال تشيلي بجانب تلسكوبات أخرى تتواجد في نفس المكان كالتوأم الجنوبي وتلسكوب البحث الفيزيائي الفلكي الجنوبي، ترتفع تلك المنطقة ما يقرب من 2600 متر عن سطح البحر، تلسكوبنا الجديد لا يتنافس مع باقي التلسكوبات في قُطر مرآته، فهي تبلغ 8.4 مترا فقط؛ لكنه يتخصص في دراسة مساحات أكبر من سماء الليل؛ حيث يتمكن في المرّة الواحدة من رصد ما تبلغ مساحته من سماء الليل 50 مرة ضعف القمر البدر..


كلما ازداد قُطر تلسكوبك، ازداد معه عمق نظرتك؛ لكن مجال الرؤية ينخفض بشكل درامي، فلا تستطيع مراقبة ما هو أكبر من "نقطة" في سماء الليل، ولذلك نحن نحتاج تلسكوبات المسح كي تقوم بشكل دوري، وعلى مدى عدة ليال، بعمل مسح شامل لكل جزء في سماء الليل، وهنا يأتي دور جوهرة هذا التلسكوب، إنها أكبر وأقوى كاميرا في العالم، تقع خلف مرآة التلسكوب الرئيسة بحجم سيّارة صغيرة، 3.2 مليار جيجا بيكسل! الكاميرا الخاصة بي، وهي (Canon550D)، وتعتبر من الكاميرات الشهيرة والاحترافية بدرجة ما، لا تتخطى قدرتها الـ 18 ميجا بيكسل فقط، هل تتخيل الفرق؟

تلسكوب المسح الإجمالي (مواقع التواصل)


سوف يفيد ذلك بشكل ممتاز في عمل خرائط أكثر دقّة لمجرّة درب التبّانة، ورصد أي تغيرات قد تحدث أثناء المسح كالمستعرات أو المستعرات العظمى، وكذلك محاولة تتبع الكويكبات المتحركة في سماء الليل خاصة ما يمكن أن يتسبب في خطر على الأرض، وكذلك سوف يحاول التلسكوب أن يرصد التعدس الجذبوي الخفيف في المناطق القريبة؛ حيث سيساعد ذلك على تحقيق فهم أفضل للمادة المظلمة.

تلسكوب المسح الإجمالي (مواقع التواصل)


دعنا هنا لا ننسى أن أحد أهم التلسكوبات القادمة في الطريق هو تلسكوب الثلاثين5 مترا (Thirty Meter Telescope) بقمة "مونا كيا" بجزيرة هاواي، وهو المشروع الذي بدأ التخطيط له من التسعينيات بالتزامن مع إطلاق مشروع "جيمس ويب". هاواي ليست فقط مكانا ممتعا لإقامة شهر عسل باهظ الثمن؛ لكنها -أيضا- واحدة من أشهر مناطق الرصد في العالم.

مقارنة بين مرايا التلسكوبات الأربعة السابقة (الجزيرة)


وريث هابل والعملاق الصيني
لننتقل الآن لمستوى مختلف، فرغم أن قُطر مرآة التلسكوب "هابل" هو فقط 2.4 مترا؛ إلا أن مساهمته في تطوير مفهومنا عن الكون كانت ثورية جدا، فسرُّ اللعبة هنا ليس في قُطر المرآة بقدر ما هو في الارتفاع عن سطح الأرض، "هابل" يرتفع عن سطح الأرض بمسافة تقترب من 570 كيلومترا؛ مما يعطيه فرصة أفضل للتقريب وتجاوز كل مشكلات الرصد التي يتسبب فيها الغلاف الجوي، لكننا -في 2018- ننتظر ما هو أكثر إبهارا من ذلك.

 

إذا تصورنا أن التلسكوب "هابل" بحجم شاحنة نقل ضخمة بطول 13 مترا وعرض أربعة أمتار ونصف؛ فإن "جيمس ويب"6 سوف يكون بطول وعرض ملعب كرة تنس أرضي، ليس الأمر في الحجم فقط، مرآة التلسكوب "جيمس ويب" تتخطى الستة مترات في القُطر، كما أن لها مزايا أخرى عظيمة، فقد تم تصميمها بشكل مجزأ؛ بحيث تحتوي على 18 قطعة سداسية مصنوعة من "البريلليوم" الذي يتَّسم بالقوة وخفة الوزن في نفس الوقت، سوف تطلى تلك المرايا بالذهب لإضافة أفضل قدرة ممكنة لها على عكس الضوء، تكنولوجيا تصنيع مرايا "جيمس ويب" هي شيء بديع للغاية.

نموذج بالحجم الطبيعي لـ "جيمس ويب" (مواقع التواصل)


أضف لذلك أن "جيمس ويب" سوف يدور على ارتفاع أعلى كثيرا من التلسكوب "هابل"، في الحقيقة سوف يكون أبعد من القمر نفسه، على مسافة 1.2 مليون كيلومتر مما سوف يعطيه فرصة أفضل كثيرا للرصد بشكل مختلف، "جيمس ويب" كذلك سوف ينطلق في رصده -ليس ضمن نطاق الضوء المرئي بشكل أساسي كـ"هابل"- ولكن ضمن نطاق الأشعة تحت الحمراء، وهو ما سوف يعطينا فرصة أفضل لرصد أعمق في الكون وبداخل السدم والمجرات لنتخطى سحب الغبار الكثيفة والتي لم يتمكن طيف الضوء المرئي من اختراقها، نحن هنا لسنا فقط أمام وريث "هابل"، نحن أمام طفرة جديدة تماما، ثورة جديدة سوف تفتح لنا باب السماء واسعا، وربما سوف تساعدنا على سبر أغوار هذا الكون وتاريخه المجهول.

مقارنة بين حجم تلسكوبي "جيمس ويب" و"هابل" (الجزيرة)


ما زلنا مع التلسكوبات وعوالمها المغرية؛ لكننا سوف نتحول ببصرنا إلى مقاطعة "كيتشنو" بجنوب غرب الصين مع نوع آخر من التلسكوبات؛ حيث بدأ بالفعل العمل في التلسكوب الراديوي7 الأكبر في التاريخ، (the Five-hundred-meter Aperture Spherical Telescope)، أو (FAST) اختصارا، بقُطر 500 متر، على شكل نصف كرة من الداخل، يتكون التلسكوب من حوالي 4500 لوح معدني مثلث الشكل، يمكن التحكم في توجه كل من تلك الألواح من أجل التركيز على مناطق محددة في سماء الليل لاستقبال رسائل راديوية منها.



تعمل التلسكوبات الراديوية على جمع أكبر قدر ممكن من الإشعاع الراديوي الخافت الصادر عن جسم سماوي ما، يحقق ذلك لنا فهما أفضل لنوع من البيانات يختلف تماما عن الصادر من الطيف الضوئي، كلما ازداد قُطر التلسكوب الراديوي كلما تمكنت بسهولة من استراق السمع للنجوم ونبضاتها بشكل أكثر إرهافا، كان (ARECIBO) هو الأضخم إلى الآن؛ لكن يأتي التلسكوب الصيني بضعف الحجم، هنا -ربما- سوف يتمكن "فاست" من تحقيق هدف البشرية الأكبر بالتقاط رسائل من حضارات ذكية تبعد عنا مليارات التريليونات من الكيلومترات في الفضاء الواسع.

 

هل سوف نتعرف على جيران جدد في الكون الفسيح؟ كيف سوف تكون تلك المجرّات الجديدة وكيف سوف ترتبط معا؟ هل سوف نرصد الثقوب السوداء؟ حسناً، هناك كم رهيب من المتعة في انتظارنا، وذلك رائع.
ماذا بعد؟
كانت أهم مكتشفات 2016 ربما هي قدرة الباحثين بالمرصد (LIGO) على رصد الموجات الجذبوية الصادرة من تصادم ثقبين أسودين على بعد أكبر من مليار سنة ضوئية، فتحت تلك الثورة بابا جديدا تماما لعلوم الرصد، فما نعرفه هو أننا نرصد ما يستطيع أن يطلق إشعاعا فقط، كان راديويا أو تحت أحمر أو في إطار الضوء المرئي.. إلخ، لكننا الآن نتمكن من رصد أجرام سماوية -ليس عبر ما تشع- ولكن عبر تأثيرها على نسيج الزمكان نفسه، وتلك طفرة سوف تفتح عيوننا على عالم جديد -تماما- مكون من أجرام سماوية معتمة لا تشع بأي شكل ممكن؛ لكن لها تأثيرات جذبوية، لا يزال هناك الكثير لنفعله بتقنيات جديدة كتلك.

 

يمكن القول إننا، خلال الأعوام القليلة القادمة، نقترب من شروق شمس عالم جديد مختلف وغاية في الجرأة، ما سوف تحققه تلك المجموعة من التلسكوبات، وغيرها، هو ثورة حقيقية في طريق خوض البشرية في المجهول، سوف نستطيع أن نرى بأعيننا وأن نستمع بآذاننا ما هو أعمق بكثير مما حققناه بالفعل وكان غاية في الروعة، في الحقيقة يتسبب ذلك دائما بشعور مبهج، فإن ما تقرأه وتراه يوميا من إنجازات التلسكوب "هابل" -مثلا- يستطيع بالفعل أن يذهلك، ويدفعك للمزيد من التأمل عن هذا الكون وتكوينه الضخم والدقيق.

 

ماذا إذا بعد ذلك كله؟ ما الذي يمكن أن نكتشفه مع تلك القدرات الصارخة للتلسكوبات الجديدة؟ هل سنتعرف على أعمق أسرار الكون؟ على المادة المظلمة؟ هل سوف نتعرف على جيران جدد في الكون الفسيح؟ كيف ستكون تلك المجرّات الجديدة وكيف سترتبط معا؟ هل سنرصد الثقوب السوداء؟ حسناً، هناك كم رهيب من المتعة في انتظارنا، وذلك رائع.

تركيا وإسرائيل.. واقع العلاقات واحتمالات التقارب

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار

شارك برأيك