اغلاق
آخر تحديث: 2017/6/7 الساعة 17:03 (مكة المكرمة) الموافق 1438/9/13 هـ

انضم إلينا
هل الرجال أكثر ذكاءً من النساء؟

هل الرجال أكثر ذكاءً من النساء؟

شادي عبد الحافظ

محرر علوم
  • ض
  • ض

الرجال من المريخ والنساء من الزهرة، بهذه الطريقة يحاول جون غراي أن يلخص في كتابه -الذي ظل لسنوات طويلة متصدرا لقوائم الكتب الأكثر مبيعا في العالم كله- ما يظهر أنه فارقا غاية في الاتساع بين عقلي الرجل والمرأة، ,أن لكل منهما آليات سلوكية مختلفة في التعامل مع الأمور الحياتية مما يخلق بينهما هذا الجدل الأبدي.

 

بينما في محاضرة(1) غاية في الشهرة يقول مارك غانغور، خبير العلاقات الكوميدي المعروف عالميًا، أن دماغ الرجل يشبه مجموعة من الصناديق، لكل صندوق منهم موضوع واحد محدد، أحد تلك الصناديق يحمل "لا شيء"، وهي حالة لا تفهمها المرأة، فدماغها يشبه كرة من الوصلات الكهربية بحيث أن كل نقطة فيها تتصل بكل نقطة أخرى بحيث يمكن لها الثرثرة في مائة موضوع في آنٍ واحد ولا تفهم معنى حالة اللاشيء الرجالية تلك!

 


على مدى تاريخنا كبشر كان الاختلاف بين الرجل والمرأة مثارا للعديد من الاقتباسات المثيرة من فلاسفة، مفكرين، رجال دين ورجال سياسة وفن، لكن.. هل يمكن أن يكون هذا صحيح؟ بالطبع لا أقصد أن هناك كرات وصناديق، لكن هل يمكن أن يكون الفارق بين دماغي، طريقتي تفكير، وجهتي نظر الرجل والمرأة للأمور الحياتية على تلك الدرجة من الانفصال؟

 

بالطبع هناك اختلافات تشريحية وفيسيولوجية  واضحة بين الرجل والمرأة، لكن حينما نتطرق للبحث وراء الاختلافات السيكولوجية فإن الجدل يبدأ في الاحتدام، فهناك بالفعل اختلافات في صفات سلوكية معيّنه بين الرجل والمرأة، لكن ما مرجع تلك الاختلافات؟ هل لها علاقة بالدماغ أم ترجع فقط لأسباب اجتماعية وثقافية وضعت كل من الرجل والمرأة في تلك القوالب؟

 

معظم الأبحاث في هذا المجال تدعم اختلافات سلوكية بدرجة ما(2)، فالنساء يصنفن أنفسهن باستمرار في الاختبارات على أنهن أكثر دفئا، وأكثر صدقا وأكثر قلقا وحساسية في مشاعرهن من الرجال، بينما يصنف الرجال أنفسهم على أنهم أكثر حزما وترحيبا بالأفكار الجديدة، نفس النتائج نحصل عليها حينما نحاول أن نتقصى رأي نساء في الرجال من حولهم أو العكس، الفارق أكثر مرونة من ذلك بكثير، لكن.. ماذا لو قررنا السؤال عن المخ؟

 

مخ الرجل ضد مخ المرأة
في دراسة شهيرة(3) صدرت عام 2015 قام الباحثون بعمل تصوير رنين مغناطيسي لأدمغة 1400 شخص لفحص نسبة المادة الرمادية في 116 موضع بأدمغتهم لفحص في أي من تلك المناطق تتشابه فيه كمية المادة الرمادية بين الرجل والمرأة وأيها يختلف، بعد ذلك تم تصنيف النتائج من كل تلك المناطق في جداول تتضمن جزء خاص بالصفات المرتبطة بالسيدات حصرا، وآخر خاص بالرجال حصرا، وآخر في حالة بينهما، لتأتي النتائج موضحة أن 6% فقط من الأشخاص يقع حصرا في منطقة الرجال/السيدات فقط بينما تقع البقية في مناطق بينهما.

  

وجد الباحثون أن حتّى مرحلة المراهقة لا نجد فيها أية فروق واضحة بين مخّي الأطقال من كلا الجنسين

رويترز
  

لتأكيد علاقة تلك النتائج بالسلوك قام الباحثون - باستخدام ذات الطريقة- بفحص 5500 حالة عبر اختبارات الشخصية، هنا نلاحظ أنه على الرغم من أن هناك فارق يبدو واضحا بين تصرفات نسائية (كالارتباط بالام والثرثرة مع بعضهن البعض) ورجالية (كممارسة ألعاب الفيديو أو كرة القدم مثلًا) إلا أن نتائج الدراسة أكدت أن 98% من الخاضعين لم يتفقو بشكل واضح مع نموذج جنس محدد.

 

إذن يتضح لنا أن المخ البشري لا يخضع لفكرة التصنيف (ذكر/أنثى) بشكل واضح، لكن بعض الباحثين في دراسة(4) أخرى قرروا التوجه لطريق مختلف، وهو البحث خلف الوصلات العصبية بين الخلايا، حيث أنه حتّى في سن المراهقة لا نجد أية فروق واضحة بين مخّي الأطفال من الجنسين، لكن التغيرات الهرمونية في فترة المراهقة ربما تدفع الوصلات المخية التي تنشأ حديثا لاتخاذ طرق مختلفة، لكن قبل الخوض في تفاصيل الدراسة ولتحقيق اكتمال في الرؤية فإنه بإمكانك التعرف على مفهوم اللدونة العصبية من مقال سابق للكاتب(5).

 

هنا قام باحثينا باختبار 949 فرد من فئات عمرية مختلفة والبحث خلف تشكل الوصلات العصبية بين الخلايا في أدمغتهم، لتقول النتائج أن مخ الرجل تميل وصلاته للعمل داخل نفس الفص المخي بشكل أكبر من التشكل بين الفصين، بينما تميل أمخاخ النساء إلى تشكيل وصلات عصبية بين نصفي المخ بشكل أكبر من تشكيلها داخل نفس الفص، لكن على الرغم من ذلك تشير نتائج الرنين المغناطيسي إلى تداخل/تراكب واسع بين النتائج بحيث تتشارك نسبة عريضة من النساء والرجال نفس الصور الدماغية.

 

سوف يتضح هدفنا من المقال في دراسة أخيرة(6) نشرت أوّل (نيسان/أبريل) 2017، بقيادة د.ستيوارت ريتشي من جامعة ادنبرة، على عيّنة مكونة من 2750 امرأة و2466 رجل بريطاني بين أعمار من 44 - 77، وهي بذلك عينة كبيرة مقارنة بسابقاتها، خضعوا جميعهم لتصوير رنين مغناطيسي للدماغ بينما قام الباحثون بقياس حجم 68 منطقة مخّية بجانب ثخانة القشرة الدماغية.

 

هناك تداخل كبير بين عقلي الرجل والمرأة، بحيث لا يمكن بمجرد رصد دماغ شخص ما أن نقول إن كان ذكر أم أنثى، بالضبط كما لا يمكن لك فقط من "طول" شخص ما من بعيد أن تحدد جنسه

بيكساباي


وجد
الباحثون أن أدمغة النساء تميل لامتلاك قشرة مخّية أكثر سماكة من الرجال، ما يعني ارتباطا بالقدرات الإدراكية ومعدل الذكاء العام، بينما تميل أدمغة الرجال أن تمتلك مناطق تحت قشرية أكثر سمكا، كمنطقة قرن آمون (التي تلعب دورا كبيرا في الذاكرة والإدراك المكاني) واللوزة الدماغية (التي تلعب دورا في عمليات المشاعر، صنع القرار، الذاكرة) ومنطقة المِهاد (المسؤولة عن معالجة ونقل المعلومات الحسية إلى أجزاء أخرى من الدماغ)

 

من جانب آخر تاتي تلك الدراسة لتقول أن درجة التنوع في أحجام تلك المناطق أكبر فيما بين عيّنات الرجال من عينات النساء، لتؤكد فكرة سابقة غاية في الأهمية، وهي أنه في حالة الرجال نرصد دائما درجة أعلى من التنوع في النتائج، في القدرات الجسدية والعقلية، فمثلا يقع المتوسط لنتائج اختبارات الذكاء في الرجال والنساء في نفس النقطة، إلا أن الرجال أكثر تمثيلا في المناطق على جانبي الشكل الجرسي الشهير لوصف البيانات، أي تمثيل أعلى في منطقة الذكاء المطلق، والغباء المطلق أيضا!

 

ما الذي يعنيه ذلك؟
نصل هنا إلى فقرة النتائج، لنقل أنك لم تقتنع بما ورد في التقرير، فربما كاتبه قد انتقى بعض الدراسات على هواه بحيث يؤكد ما يريد من نتائج، فأنت تعرف بالفعل أنه مع البحث في أية قاعدة بيانات ضخمة لمجلة رصينة يمكن أن تجد نتائج تدعم ما تريد، لكن رغم ذلك هناك نقطة أساسية سوف نضطر أن نتفق عليها دائمًا:

 

وهي أنه في كل مرة تحاول فيها عمل بحث مطول خلف موضوع الفروق العقلية/جنسية أو حتى الفروق السلوكية - رغم وضوحها بدرجة أكبر قليلا إلا أنها لا تصل لدرجة المريخ/الزهرة، ولا حتى شمال/جنوب سيناء - بين الرجل والمرأة فإن ما ستحصل عليه هو درجة واسعة من التداخل/التراكب(7) بين النتائج بحيث لا يمكن بمجرد رصد دماغ شخص ما أن نقول إن كان ذكر/أنثى، بالضبط كما لا يمكن لك فقط من "طول" شخص ما من بعيد تحديد إن كان ذكر/أنثى، حسنًا، ينقلنا ذلك إلى السؤال عنوان المقال، هل الرجال أكثر ذكاء من النساء إذن؟

  

في المعدل لا يوجد فارق بين الرجال والنساء، وأن ما نعرفه اليوم بتقسيم الدماغ حسب الجنس إلى ذكر وأنثى ليس علمي بالمعنى المفهوم

بيكساباي
  

ببساطة لا، الحديث عن الفرق في الذكاء - بجانب كل شيء آخر تحدثنا عنه خلال الكلمات الألف السابقة - بين الرجل والمرأة هو أمر غاية في التعقيد بقدر تعقد أدوات القياس وعدم وضوح حدودها واتساع مدى المتغيرات المنضمة للمعادلة، يتسبب ذلك في جدل طويل ممتد في الوسط العلمي لكن تأتي النتائج كما وضحنا منذ قليل لتقول إنه في المعدل لا يوجد فارق بين الرجال والنساء، ما نعرفه إن تقسيم الدماغ لذكر وأنثى ليس علميا بالمعنى المفهوم.

 

لكن المشكلة دائما ما تتعلق بالنمط الاجتماعي، فما تعنيه كلمة أنثى في مجتمع ما يختلف عما تعنيه في آخر، تتفاعل كل تلك المتغيرات الثقافية معا لفرض اهتمامات مختلفة للمرأة والرجل على مستوى العالم وفي كل الثقافات، يؤثر ذلك بشكل قوي على كل مناحي الحياة بداية من السلوكيات البسيطة حتى التوجهات الدراسية، من المؤسف حقًا أن تسود في بعض المجتمعات، على مستوى العالم، صورة تقول(8)(9) أن ابنتك الصغيرة ذات السنوات الخمس أقل ذكاء من زميل لها في الفصل بينما تبذل هي جهدا دراسيًا أكبر منه، هنا دعنا نتعرف على مفهوم جديد.

 

يشير مصطلح تهديد الصورة النمطية (Stereotype Threat) إلى الشعور بالتوتر أو القلق من قبل شخص ما في موقف ما حيث يكون هناك احتمال أن يقوم هذا الشخص بتأكيد وجود صورة نمطية سلبية عن مجموعته الاجتماعية، كأن يكون لدى المواطنين الأميركيين صورة عن السود تقول أنهم مسببو المشاكل وأنهم غير متفوقين دراسيًا، مما يضع حملا على الطالب الأسود مهما كان ذكيًا، ويتسبب ذلك الحمل في توتر شديد وميل لتأكيد صورة المجتمع عنه حتى وإن كانت صفاته الشخصية لا تتفق مع ذاته، وفي مقال شهير لـ إد يونغ(10) بعنوان "الوقاية من التحيز" يصف حالة نيل ديجراس تايسون الفيزيائي الفلكي الشهير - 1 فقط من 7 سود بين 4000 فيزيائي فلكي أميركي - حالته قائلا:

 

"في تصور المجتمع فإن فشلي الأكاديمي أمر متوقع، بينما نجاحي يعُزى به الفضل للآخرين. لقد أمضيت معظم حياتي أقاوم هذه التصورات، ما كلفني ضريبة وجدانية أشبه بالخصي الفكري، وهي ضريبة لا أرجوها حتّى لأعدائي."

 

 
هناك نقطة أخرى مهمة، وهي عادتنا(11) التي تتعلق بكشف الهراء. فبعد نجاح كتاب "الرجال من المرّيخ والنساء من الزهرة" بدأت موجة غاية في الارتفاع من الكتب، المقالات، السيمينارات، المساقات تهب على العالم بالكامل لتشمل الوطن العربي خلال السنوات - قُل - العشر الأخيرة، تتحدث جميعها عن فروق هائلة بين أدمغة الرجال والنساء، تستند كل تلك الادعاءات إما على لا شيء أو على ورقة علمية أو اثنتين للتأكيد على ما يقول.

 

فكما وضحنا بالنسبة لفكرة التداخل أو التراكب بين النتائج في كل الدراسات، وأنه لا تكفي ورقة علمية من هنا أو هناك للكشف عن حقيقة علمية ما، وأن معايير الحكم على ورقة علمية تتطلب متخصصين، وهنا نحتاج أيضا أن نضيف أنه في حالات التنوع البحثي يلجأ الباحثون بشكل أكبر لما نسميه: التحليل التلوي(12)  (Meta-Analysis)، وهو تطبيق آليات إحصائية على نتائج عدة دراسات معا قد تكون متفقة أو متعارضة من أجل تحديد ميل لتلك النتائج أو لإيجاد علاقات مشتركة بينها.

 

إنها تجارة رائجة إذن، تحاول كمثيلاتها أن تحصل على كل المال الممكن من جيبك مقابل ايهامك بأن هناك فارقا شاسعا بين الرجل والمرأة، بل ربما تتحول تلك المساقات فيما بعد لجلسات علاجية لا أساس علمي لها، ما نود أن نقوله إذن أنه يمكن لشخص ما أن يساعد في حل مشكلة بين زوج وزوجته فقط ببعض الحديث الهادئ العقلاني كرف محايد، لكن أن يتطور ذلك ليصبح تجارة بمليارات الدولارات تزدهر عالميا، فتلك كارثة.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار